أبطال ومذنبون: هل صارت “متلازمة الناجي” منهجية سلطة لإذلال شعب؟

أبطال ومذنبون: هل صارت “متلازمة الناجي” منهجية سلطة لإذلال شعب؟

على مدار تسعة أشهر تقريبا، من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، يتجذّر الشعور بالذنب والعجز  لدى متابعي تلك الحرب، التي يمكن اعتبارها حرب إبادة جماعية ضد أهالي القطاع. لمعاينة ذلك، تكفي جولة سريعة على مواقع التواصل الاجتماعي، باعتبارها الهامش المفتوح نسبيا أمام شعوب المنطقة العربية، لتعبير لا يخضع بالكامل لسيطرة الأنظمة. فتصبح تعابير مثل “فرحك خيانة”، “تعوّدك مصيبة”، ملجأ نفسيا للتطهّر من الخزي والحرج المتزايد في نفسية الأفراد؛ وحالا عاما، يوّحد جمعيّا أناسا يخضعون لظروف متشابهة غالبا. لا تنفصل هذه الأحوال النفسية عن مسبباتها السياسية، ولا تنفصل كذلك عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية.

في مصر قد يبدو هذا بأوضح الأشكال، باعتبارها بلدا آمنا نسبيا بالمقارنة بدول الجوار. ففي افتتاحية إعلامية، لتغطية أزمة انقطاع الكهرباء في مصر، بدأت المذيعة تقريرها باستخدام أحد الكليشيهات الاجتماعية المصرية الشهيرة، عن جيل الأهالي، الذين كانوا يستذكرون دروسهم على ضوء شمعة. فيما لا يتوانى رأس الدولة المصرية عبد الفتاح السيسي شخصيا باستخدام المبررات ذاتها، لمسلسل الانهيار الاقتصادي المتصاعد. بل بإمكانه توظيف الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، لعقد مقارنة بين معيشة المصريين، الأقل صعوبة في وطأتها بكل تأكيد من فداحة المأساة الفلسطينية، ليذكّر باستحالة العيش في قطاع، لنا في مواطنيه عبرة، وفي مجاورة حدودنا الجغرافية معه إرادة إلهية، كي نكون شهودا على ألم، أكبر من أي ظرف يمرّ به المصريون محليا.

يستدعي كل هذا الحديث عن “متلازمة الناجي”، التي تُعرّف بأنها شعور الشخص بالذنب، لأنه نجا من مصاب ما، أو تضررّ منه بصورة أقل من غيره. تستند الأحاسيس والعواطف المرتبطة بالمتلازمة على فكر وفِعل المقارنة، ولو غالطت المنطق العقلاني في متطلبات عقد المقارنات عموما.

التعريف المبسّط سابقا، لابد أن يصير أكثر تركيبا، إذ تمّ وضعه في سياق، يجعل المقارنة ممكنة أو جديرة بالاستخدام السياسي، من قبل ممثل السلطة. مبدئيا. ما الذي يعنيه غياب المقوّمات المشتركة بين دولة وطنية مستقلة ذات سيادة مثل مصر، وقطاع محتل مثل غزة، يباد، أو في أحسن أحواله يقع تحت حصار عسكري مُحكم، برا وبحرا وجوا؟ وما الذي تقوله هذه المقارنة عن العقد الاجتماعي، لسلطة تعجز عن تلبية احتياجات مواطنيها؟

العقد المنفرط: لماذا يجب أن نشعر بالذنب مهما ساءت أحوالنا؟

في سياق كهذا، لا تعود متلازمة “الناجي” اضطرابا نفسيا شخصيا، لفرد أو مجموعة من الناس، إزاء مشاهد ويلات الحرب، ولكن خطابا سياسيا عاما، تُمنهجه السلطات، لتُطبع شعوبها مع المعاناة، بدلا من أن تقوم بمساءلة السلطات عنها، وتذكّرها بالتزاماتها السياسية والاجتماعية، تحت بنود العقد الاجتماعي للعلاقة بين الحاكم والمحكوم.

يتلخّص ذلك العقد في أن الشعب مصدر السلطات، يمنحها لمن يختار أن يعطيه سلطة حكمه، شريطة أن يوفّر له احتياجاته (حقوق المواطنة)، وأي خلل بهذا الاتفاق، يعني انفراط العقد بين نظام الدولة ومواطنيها.

افتقار المصريين إلى اختيار أو تغيير السلطة الحاكمة لهم، هو أول إخلال ببنود العقد الاجتماعي. ففي الذكرى الثالثة عشر من محاولتهم الوحيدة لاستعادة سلطة الاختيار، في الخامس والعشرين من كانون الثاني/يناير 2011، يقف السيسي ملقيا خطابه، من أكاديمية الشرطة، التي انحصر تاريخ اليوم نفسه على الاحتفال بعيدها: “كل شيء يهون أمام المصريين، إلا الوطن“. مكرّرا الخطاب العاطفي في جلد الشعب على ذنبه المقترف حينا، وترهيبه بملاقاة مصير “سوريا والعراق” حينا أخر، أو الجمع بين الحالين في آن واحد. وهو خطاب ليس وليد اللحظة، بل يبلغ عمره عمر محاولة التغيير المُجهَضة.

ولأن متلازمة الناجي ترتكز على ابتزاز المزايدات، فحتى سوء وضع المواطن لا يعفيه من الذنب، مقارنة بمن يعيشون حالا أسوأ، وبالطبع تحسين السيء سوف ينمّي شعورا أكبر بالذنب. لذلك يجدر تغذية هذه المتلازمة باستدعاء المقارنة مع من يعانون، سواء كانوا شعبا آخر، أو شخص المتحدث نفسه. وهو ما سبق وصاغه الرئيس في تصريحه الشهير عام 2016: “والله العظيم أنا قعدت عشر سنين تلاجتي فاضية، ومفيهاش غير ميّه“. منوّها عن أن التكتّم على العوز من شيم الكرام الأعزاء مثله تماما، هو المنحدر من أسرة مقتدرة، على حد وصفه. وعلى امتداد سنوات حكمه، تبني خطابات السيسي خريطة الأفعال والأقوال المناسبة لـ”ناجٍ”، لا يصح له الجهر بخوفه، مثلما نهى السيسي الإعلام في كانون الثاني/يناير من العام 2023: “ميصحش تبيّنوا الناس خايفين على الأكل والشرب“.

إذا كان الابتزاز هو المغذي الأول للمتلازمة، فالثاني هو اللوم.

التطبيع مع المعاناة: كيف ينفي الذنب السيادة؟

تنتج متلازمة الناجي بسبب انحراف عن الأوضاع المتفق على صحتها وأخلاقيتها، اجتماعيا وسياسيا، والعيش في عالم يُخلّ بها، ولما كانت المساءلة قرينة الخلل، فينبغي العمل على تغييبها، أو تقييد الحق في استخدامها، لإصلاح الأوضاع المتسببة في شعور الذنب، خاصة ضمن علاقات سياسية، يجب أن تقوم أساسا على المساءلة، بموجب العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم.

وعليه، تستخدم السلطة العتب العاطفي، كما جاء في تصريح للسيسي عام 2018: “لما أجي أخرج بكم من العوز، تقوموا تعملوا هاشتاج أرحل يا سيسي! يبقى أزعل ولا مزعلش؟ في دي أزعل“؛ وصولا إلى تحديد اشتراطات المساءلة، وفقا لما يحدده الرئيس للشعب: “لما الدخل يبقى تيرليون دولار تبقوا تحسابوني”، بحسب تصريح له في حزيران/يونيو 2022.

من تتبّع لتعاقب الخطاب نفسه على مدار سنوات، تتكشّف منهجية التطبيع مع المعاناة عبر متلازمة الناجي، التي دأبت السلطة على تكريسها في مقارنات بمن هم أسوأ حالا، ولا نموذج أبشع من حرب إبادة، يمكن الإشارة لها، بحسب الرئيس السيسي في تعليقه على ارتفاع الأسعار: “إحنا بناكل وبنشرب وكل حاجة ماشية، طب غالية أو بعضها مش متوفر؟ إيه يعني؟ ربنا مدينا مثال حي لناس مش عارفين ندخّلها أكل في غزة، شوية قمح أو شوية زيت علشان يعملوا لقمة عيش ياكلوها، بقالنا 4 شهور“.

من ناحية أخرى، لا يسفر عقد هذه المقارنة، في محاولة تشبيه بين حالين مفترض أنهما متناقضتين، سوى عن نفي لهذا التناقض من قبل من استدعاه. بعبارة أخرى، ينفي عن الدولة المستقلة الوطنية ذات السيادة كل صفاتها، ويجعلها مماثلة لمناطق محتلة. ما يعزز من هذا النفي هو إضافة السيسي نفسه عن أن “الظروف على حدودنا الغربية والشرقية والجنوبية” تؤثّر “علينا وعلى اقتصادنا”. ونحو إيضاح لتأثير لم يذكره هو، يؤكد عديد من الناس، سواء مواطنون عاديون أو محللون متخصصون، أن المحتل ذاته لغزة يتحكّم في وصول الخدمات للمصريين، إذ أثّرت الحرب على تدفّق الغاز الإسرائيلي إلى مصر، وهو ما تجلّى في أزمة الكهرباء الحالية. وهو الواقع الذي من المنتظر أن يتفاقم خلال السنوات القادمة، حين يكون على المصريين مواجهة مصير نقص حصتهم في نهر النيل، بسبب سد النهضة، الذي تساهم إسرائيل أيضا في تمويله.

وإذا ما كان مفهوما لماذا يصبح الشخص عرضة لمتلازمة الناجي، في تعامله مع تأزّمه النفسي حيال غزة، فليس من المنطقي أن يُشرعَن الاضطراب النفسي، ويكون المنهجية الرسمية التي تفرضها السلطة على مواطنيها. لكن الواقع يحيلنا إلى تدعيم هذه المنهجية، ليس فقط على مستوى الخطاب، وإنما بالممارسة أيضا. فالمصاب بمتلازمة الناجي هو فرد من شعب، يعيش في بلد خصخصت السلطة نظامه الصحي مؤخرا، بسن قانون يوافق على تأجير المستشفيات العامة، لذا ستتقلص فرصته، الطفيفة بالأصل، في رعاية نفسية، تُعينه على التعافي.

شعوب “صامدة”: الفلسطيني الذي لا يهزم و”العادي” الذي لا يُقارن

ما الذي يخلّفه تردي أوضاع المذنب، سوى خلق رؤية مشوّهة عن ذاته، يتعاطى من خلالها مع نفسه ومع الأخر الأسوأ وضعا، بافتراض تخييلي عن بطولة الأكثر معاناة، وسلوك تمجيدي للصابرين عليها، دون معارضة وقوعها، أو مساءلة المتسببين فيها؟

أمام نموذج “الفلسطيني” عموما، و”الغزاوي” خصوصا، نحن جميعا أصحاب معاناة لا تذكر. هذه الحالة ليست حصرية على شخص بمفرده، ولكن نموذج تجد السلطة معه فرصة لتعميم الشعور بالذنب على شعب، تقدّر له متلازمة” النجاة”، وتُكرّم إصابته بوصف “الصامد”. كما ردد السيسي عن الشعب المصري، في نعت ملائم لسياق كلمة، ألقاه بحضور رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، وممثلين من الاتحاد الأوروبي، والمؤسسات متعددة الأطراف، والقطاع الخاص الأجنبي والمصري.

وكما يكون الفلسطيني النموذجي صامدا صابرا، يتلقّى الصاروخ ببسالة، ويموت مبتسما، ويُكفّن معطرا بمسك إلهي، يجدر المثل بالمصريين الشرفاء، والذين مهما تعاظمت معاناة الواحد فيهم، فلن تبلغ سماء التضحية والألم الفلسطيني/الغزاوي. هذا التلاعب بالوعي الجمعي، لا يؤدي فقط دوره في التطبيع النفساني للشعب مع معاناته، بل ينسحب على الدعوة للاحتفاء بها، تجنّبا لخطاب نقدي وتعاطي صحي، لا يحتفي بهدر الحقوق الوطنية للمصريين، ولا يقف موقف العاجز عن حشد المناصرة الدولية للفلسطينيين، الذين سئموا تمجيد ألمهم.

ولأن القضية الفلسطينية عادلة، فإن إنهاك وإذلال الشعوب العربية كان ولا يزال طريقة فعالة لتقويض القدرة على مناصرة الشعب الفلسطيني، والاكتفاء بنمذجته، فتصير فلسطين شعارا جامدا، لا واقعا متغيّر المجريات؛ والفلسطيني بطلا أسطوريا، وليس إنسانا عاديا مثلنا.

على مدار عقود استُخدمت “فلسطين” للابتزاز والمزايدات، وكأنها قضية منفصلة عن قضايانا، وتاريخا بعيدا عن واقع، الذي يخبرنا أن ما آل إليه حالنا في مصر، وكافة أنحاء المنطقة العربية، ليس سوى انعكاسا لأزمات سياسية، نتشارك معاناتها، كل على حسب موقعه في هذه المنطقة. ولا أفضل من منهجة متلازمة “النجاة” للإلهاء الجمعي، الذي لا يتوقّف عند الإذلال، بل يمتد ليمثّل طريقة فعالة للإلهاء عن ممارسة الحكومات “الوطنية”.

وإزاء كل ما سبق، ما القدرة الباقية لشعوب أنهكتها، أنظمتها “الوطنية”، لتتضامن مع شعب يبيده نظام استعماري؟ وما فرص أي شعب منها في مراجعة نقدية للمسؤولية الذاتية، بدون مزيد من الإذلال والإرهاب والتخوين؟

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
5 1 صوت
تقييم المقالة
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات