مدن الرعب العربية: هل يمكن أن تنهض الموصل من بين الركام؟

مدن الرعب العربية: هل يمكن أن تنهض الموصل من بين الركام؟

يمكن وصف مدينة الموصل، في شمال غرب العراق، بمدينةِ الرعب، خاصة بعد عام 2003، وهي بالتأكيد النموذج الأوضح عن المدينة العربية المدمّرة والمنسيّة والمقسّمة، التي انتظمت على مثالها مدن عربية عدة، تحوّلت، بعد مطلع الألفية، من مدن آمنة إلى مساحات بات الرعب أحد أبرز تعريفاتها.

يمكن عقد مقارنة، مضحكة مبكية، بين الموصل وشقيقاتها من المدن، التي احتلت دائما المرتبة الثانية في دولها، وراء العواصم، مثل توأمها حلب السورية، وبنغازي الليبية، وتعز اليمنية، فكل تلك المدن كانت حواضر اقتصادية وثقافية مهمة، ولها مكانة تاريخية مترسّخة، كما اتسمت بالتنوّع السكاني والعرقي والديني، وانتهت خرائب، مدمّرة المعالم والآثار؛ أو في أحسن الأحول مدنا تعاني من تبعات حروب أهلية شديدة القسوة، مهملة تماما، تنمويا وإداريا وسياسيا، فعادت مدنا متشابهة، ولكن ليس بمعالمها الحضارية، بل بما يصل منها من صور الدمار والخراب. ربما كانت “لعنة المدينة الثانية” هذا مجرد مصادفة، لكنها بالتأكيد تُبدي علامات مثيرة للتأمّل، حول حال المدنيّة العربية.

لطالما عُرفت بالموصل بإنها مدينة تجارية محورية، كانت حلقة ربط بين بغداد وكردستان وحلب والجنوب التركي، ما جعلها مدينة شديدة التنوّع، بين عرب وكرد وآشوريين وتركمان؛ مسلمين ومسيحيين ويهود وإيزيديين؛ فلاحين وتجّار وصناعيين، وهو تنوّع استثمره أهلها، لصياغة هوية تراثية خاصة بهم، قدّموها للتجّار والمارة العابرين بمدينتهم. هذا النمط الخاص من المدنيّة التجارية، التي نجحت بابتكار صيغ مرنة بين المدينة والريف، والشرق والغرب، المحافظة والانفتاح، اضمحلّ تدريجيا، كما في كل مدن المشرق، مع تطوّر دول ما بعد الاستعمار، بسياساتها الاقتصادية وحروبها الخارجية، والتي أقصت التنوّع التاريخي والاستقلالية الاقتصادية النسبية، لمصلحة أيديولوجيات ونماذج تنموية أحادية وصارمة.

رغم هذا فلا يكفي القول إن الموصل، الحاضرة التجارية التاريخية المزدهرة، قد اضمحلّت بالتدريج، فالاضمحلال لا يؤدي بالضرورة إلى التحوّل إلى مدينة رعب. وربما يجب طرح أسئلة أكثر تحديدا: متى بالضبط صارت الموصل خرائب تعمرها الأشباح؟ وكيف حدث ذلك بالضبط؟ وما هو الوضع اليوم في هذه المدينة المنسيّة؟

قبل 2003: المدينة الخضراء في ألاعيب الذاكرة

يتذكّر كثير من الموصليين مدينتهم، قبل عام 2003، بصيغة شديدة الرومانسية، فحتى الطقس اختلف بالنسبة لهم، كانت مدينة خضراء، تزهر بشدة في فصل الربيع، خيراتها كثيرة، وأهلها طيبون ومتضامنون.

إلا أن ألاعيب الذاكرة هذه ليست دقيقة تماما، فرغم أن الموصل كانت مدينة آمنة قبل الاحتلال الأميركي، إلا أنها كانت متراجعة حضاريا، وليس فيها كثير من معالم الازدهار، فهي بالنهاية عايشت حروبا متلاحقة: الحرب العراقية-الإيرانية، ومن ثم حرب الخليج الثانية، والحصار الأميركي للعراق، بين عامي 1991 و2003. 

أدت عمليات التحالف الدولي ضد العراق، في مطلع التسعينيات، إلى تدمير البنى التحتية للبلد فعليا، إذا شُنت 109 غارة جوية، ألقت 88500 طنا من المتفجرات، فتضررت كل القطاعات، وعلى رأسها القطاع الصحي، الذي خسر 88 مستشفى، ما أدى لتضاعف وفاة المواليد الجدد، بحسب تقارير منظمة اليونسيف.

 في التسعينيات كان كثير من أهالي الموصل يذهبون إلى السوق لبيع ممتلكاتهم، بما فيها ألمونيوم الشبابيك، لتوفير لقمة العيش. وربما كان مصدر القوة الوحيد لديهم، الذي يخفف عليهم مرارة الدمار والحصار، هو لمّة العائلة وأمن الشوارع، وهما فقط ما أبقى الموصل آنذاك مدينة آمنة، يمكن الحنين إليها اليوم. 

إلا أن تلك البنى الاجتماعية المتماسكة، التي صمدت في أسوأ الظروف وأبشع الحروب، لم تستطع الاستمرار بعد الحدث الأكبر في التاريخ العراقي المعاصر، أي سقوط الدولة العراقية نفسها بعد الاحتلال الأميركي. لم تؤد إجراءات، مثل حل الجيش العراقي وحزب البعث ومؤسسات الإدارة المركزية، إلى دمقرطة البلد، وتخليصه من القمع، وتكريس تنوّعه، بل على العكس، اسقطت ما تبقى من بنى تنظيمية، وفتحت المجال لاضطراب وفوضى اجتماعية كبيرة، برزت بعدها جماعات وميلشيات، فرضت نفسها على المجتمع بقوة السلاح. وتلك كانت بداية الرعب الكبير.

التطبيع مع الذبح: من “المقاومة” إلى “الحرب ضد الإرهاب”

يمكن اعتبار سنة 2004، أوضح تاريخ لتحوّل الموصل إلى مدينة رعب، حيث يخاف الإنسان من التجوّل في الشوارع، المنفتحة على كل احتمالات القتل. ببساطة بات الأمن مفقودا، وبدأت المدينة تسقط في قبضة الإرهاب، مع ضعف إمكانيات الدولة الجديدة، وقوات الاحتلال، بالسيطرة عليها.

نتحدث هنا عن مجتمع خرج للتو من حصار جائر، متعبا نفسيا وصحيّا واجتماعيا. ومع بدء حرب الشوارع في المدينة، بين السلطات الجديدة والميليشيات المسلّحة، التي وصفت نفسها بـ”المقاومة”، أصبح الجميع مستهدفا، بمجرد التعامل مع الدولة الجديدة، أو الاشتباه بالتعاطف مع “المقاومة”.

أدى انعدام الأمن لشلل كامل فيما تبقّى من الحركة التجارية والثقافية والعمرانية في المدينة، وكان التهديد بالقتل هو أكبر معوّق لحياة لناس، إذ هددت الميلشيات المسلّحة أي موصلي يفكر بدخول المعترك السياسي، أو أي شكل من أشكال العمل العام، لتمثيل أهالي المدينة نيابيا أو سياسي أو حكوميا.

لم تكن غالبية أهل الموصل مؤيدة لـ”مجلس الحكم الانتقالي”، الذي أسسه بول بريمر، الحاكم الأميركي للعراق، إلا أن الأهالي كانوا مضطرين للتعامل مع ذلك المجلس، كي يستطيعوا تصريف شؤون حياتهم، وهذا ما جعلهم في صدام مباشر مع الإرهاب، الذي جرّم كل تواصل مع مؤسسات الحكم، أو العمل في الوظائف الحكومية، رغم أنها وظائف خدمية. هكذا عاش الناس في حالة من الضياع والتشتت.

وابتداء من العام المذكور بدأ الناس يتلقون جرعات عالية من الصور الدموية، وكأنهم يُبرمجون على العنف القادم. يتذكّر كثير من أهالي الموصل، ومنهم كاتبة هذه السطور، قيام أشخاص بتوزيع أقراص مضغوطة (CD) على الأهالي، محذرين إياهم من التعامل مع الأميركيين والبعثات الأجنبية. أحد هذه الأقراص كان يحوي تسجيلا لمترجم عراقي، عمل مع الأميركيين، ثم وقع بين أيدي المسلحين، كان يصرخ: “بريء والله! عوفوني الله يخليكم”، بينما يقوم مسلّح مُلثّم، يُمسك سكينا ضخما يشبه الساطور، بنحره ببطء. ذلك مشهد لا يمكن أن ينسى.

لم تكن داعش إلا مصيرا متوقعا، لمدينة تحتضر تحت الرعب، توقفت كل نشاطاتها الحياتية الأساسية، وصارت العبوات الناسفة، مظهرا عاديا في يومياتها، ناهيك عن التوتر بين القوات الأمنية وأهالي المدينة، نتيجة السياسيات الحكومية بين عامي  2006-2014، التي اتسمت بطابع الطائفية المُنفرة. والخلاصة أن أهالي الموصل لم يكونوا يثقون بالقوات الأمنية، نتيجة ما تعرّضوا له من ضغوطات وممارسات طائفية، فحين كان الإرهاب يهدد ويقتل ويتوعّد، ويفرض إتاوات، ويطارد، كان الناس يتعرّضون أيضا للمضايقات والتوقيف والاعتقالات من طرف القوى الأمنية، مع ما يرافق ذلك من إهانات وتعذيب.

جاءت داعش، وحصل ما حصل من تدمير للمدينة، التي شهدت واحدة من أكبر معارك البشرية منذ الحرب العالمية الثانية، وتضرر حوالي عشرة آلاف بناء فيها، أي 85 بالمئة من عمرانها، حسب تقديرات الأمم المتحدة. فعليا لم يبق شيء من الموصل.

كل الأحاديث الرسمية، المحلية والدولية، حول الموصل اليوم تدور حول “النهوض من بين الركام”، ولكن هل هذا ممكن فعلا؟

السلام السلبي: هل خراب الموصل مشكلة الموصليين فقط؟

تشهد الموصل الآن استقرارا مهما، لا بد من الاستثمار فيه لضمان عدم عودة سنوات الرعب، وذلك عبر حل جذور المشاكل، وعلى رأسها مشكلة مخيمات النازحين، التي ما زالت تشكّل تحدّيا أمنيا واجتماعيا، مع وجود مخيمات قريبة من المدينة، يعيش فيها ناس موصومون بتهمة الإرهاب، أو بالأصح بجريرة علاقات القربى التي كانت تجمعهم بمقاتلي داعش، دون وجود أية بوادر لحل هذه المشكلة، سواء عن طريق تقديم المتهمين بالإرهاب للمحاكم العراقية، أو دمج الأبرياء بالمجتمع، خصوصا الأطفال، لنزع فتيل الحقد، الذي يتحوّل إلى قنابل موقوتة، قد تنفجر في الموصل من جديد، بمجرد حدوث أي اضطراب أمني.

مع وجود هذه الأزمة يمكن القول إن “السلام” الذي تعيشه المدينة اليوم هو “سلام سلبي”، حسب المصطلح الذي صاغه عالم الاجتماع النرويجي يوهان غالتونك، المختص بدراسات السلام والصراع، أي المرحلة التي يتم فيها فرض السلام بالقوة، ولكن دون معالجة الأسباب التي أدت إلى نشوب الصراع في بادئ الامر. وهذا يعني بالطبع إمكانية عودة الحرب من جديد.

إن الانتقال من السلام السلبي الى الإيجابي يتطلّب ما هو أكثر من النوايا الطيبة، مثل إعادة إحياء “مهرجان الربيع” في المدينة، أو حتى زيارة البابا فرانسيس لها في آذار/مارس 2021. السلام الإيجابي يتطلب مصارحة، وحلول جريئة شاملة، تشترك فيها كل مؤسسات الدولة والمجتمع، لمغادرة قائمة مدن الرعب دون عودة.

وضع الموصل وما عاشته، ليس مشكلة محليّة للموصليين فحسب، بل مشكلة المشرق كله. إذ علينا أن ننظر للمدينة مجددا وفق موقعها: حلقة الربط بين الشام والعراق وتركيا وكردستان. وأن يبقى هناك تهديد، وهو وجود المخيمات بالقرب من المدينة، وبدون حل، يُشكّل تهديدا للمنطقة بأكملها.

قد يكون خراب المدن ظاهرة غير جديدة، فلطالما تعرّضت الحواضر الكبرى في المنطقة لأزمات كبرى عبر التاريخ، عطّلت مظاهر الحياة فيها، إلا أننا نتحدث هنا عن أزمات لم تنته بعد، ولم تصل إلى خواتيمها. آلاف الأطفال لا ذاكرة لهم إلا الدم والحرب والعنف العبثي، هذا إذا لم يكن بعضهم مُتهمين، منذ الولادة، بأنهم دواعش أو أبناء دواعش؛ فيما تعاني آلاف النساء من أبشع الظروف، بعد أن خرجن من مآسي، ربما يحسن عدم ذكرها أو تذكّرها. هذا الخراب، الذي يتجاوز العمران، إلى نفسيات وذاكرة البشر، وأوضاعهم الحياتية والحيوية المباشرة، ستكون له نتائج بعيدة المدى، وربما ما تزال أمامنا فصول أخرى من الرعب.

لا يمكن تجنّب الهول القادم من مدن الرعب العربية إلا بمحاولة إنتاج رؤى سياسية جديدة عميقة في المنطقة، قادرة على مجابهة تداعيات ذاكرة متراكمة، وهذا يعني أن دعم الموصليين وغيرهم، لا يكون فقط عبر المشاريع الإنسانية والحقوقية، وإنما عبر إعادة إنتاج مجالات السياسة والاقتصاد والثقافة، والعلاقات الإقليمية.

5 4 أصوات
تقييم المقالة
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات