القاهرة 52: كيف صار بناء “العواصم الجديدة” أساس الشرعية المصرية؟

القاهرة 52: كيف صار بناء “العواصم الجديدة” أساس الشرعية المصرية؟

احتفل كثير من المصريين منذ فترة، بالذكرى الحادية والسبعين لثورة الثالث والعشرين من تموز/يوليو، والتي جاءت هذا العام وسط ظرف اقتصادي وسياسي هو الأصعب على مصر منذ عقود، وعلى خلفية جدل شعبي مُتصاعد، عن جدوى أعمال البنية التحتية، والمُدن الجديدة والإنشاءات الهائلة، التي تنفذها الحكومة المصرية، منذ أحداث الثلاثين من حزيران/يونيو 2013.

يُذكّرنا هذا الجدل بالظرف التاريخي والاجتماعي، الذي عاصر حدث ثورة يوليو، وشكّل برنامج عمل “الضُبّاط الأحرار”، الذين وصلوا للسلطة آنذاك، وهو المشهد الأول، الذي أعطى الشرعية لانقلابهم العسكري، وحوّله إلى “ثورة شعبية مُباركة”، أسست لكثير من “الثورات”، التي عرفتها مصر فيما بعد، ومنها “ثورة الثلاثين من يونيو” 2013. ما نعنيه هنا بـ”المشهد” الفوضى العمرانية، وحالة التدهور المُستمرة، التي سادت مُدن مصر، مُنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وخصوصا بعد حريق القاهرة 1952.

كتب أنيس سراج الدين، وهو مقاول ومعماري مصري، في مجلة “المصوّر” سنة 1953، أن “الخلل المُتزايد في القاهرة، يرجع إلى مشكلات في التصميم، إذ أن بعض الشوارع والميادين كان من المفترض أن تُخطط بطريقة أفضل”. ويُرجع سراج الدين الخلل إلى عدم وجود أنظمة إدارية حضرية شاملة ومركزية. وقد التقط “الضباط الأحرار” هذا النوع من الأفكار، الذي كانت دارجا بشدة آنذاك، فكانت عمليات الإنشاء والتعمير والحضرنة وسيلتهم في إنتاج الشرعية السياسية لنظامهم الوليد، واستخدموها في الدعاية الصحفية والإعلامية للعهد الجديد.

اتجه نظام يوليو لرعاية مشاريع البناء والتخطيط والإسكان الاجتماعي، فبحسب الباحثة الأميركية جانيت أبو لغد، بُني أكثر من 15 ألف وحدة سكنية في القاهرة، بين 1952 و1954، كما شيّدت الأبنية الرمزية الجديدة، مثل إستاد القاهرة وبرج القاهرة ونافورة النيل، والفنادق الجديدة التي تطلّ على النيل. وفي مقال منشور في مجلة “الأهرام” عام  1962، تساءل كاتبه: “ماذا فعلت الثورة للعاصمة الثائرة؟”، وأجاب على سؤاله: “إنشاء 850 مدرسة جديدة، و250000 بناية، و800 أتوبيس بالمدينة، وغيرها من المنشآت الخدمية العامة”.

خطط البناء والإعمار في القاهرة، بعد حريقها الهائل، الذي دمّر مركزها القديم، ترافقت إذن مع التغيير السياسي الحادث في يوليو، وأسست لحداثة وهوية قومية مصرية، تجمع السُلطة والسكان، وهو ما يسميه الأنثروبولوجي الأميركي بول رابينو “الحداثة الوسيطة”، ففي كتابه “فرنسا في المغرب”، يؤكد أن “المدينة الجديدة تشترك فيها أعراف التصنيع والصحة والمجتمع، مع العملية التقنية، التي تهدف إلى تنظيم الممارسات الاجتماعية”. ويقول أيضا: “مشروع الحداثات الوسيطة كان أكثر جرأة، ويسعى لخلق انسان جديد، مُطهّر ومُحرر، يسعى لأشكال جديدة من المجتمعات، يُعتقد أنها ستظهر بشكل حتمي، من منطلق الأماكن والأشكال الصحيّة”. هذه المجتمعات الجديدة، ببنيتها الطبقية، ووظائفها في خدمة بيروقراطية الدولة، كانت العلامة المُميزة للعهد الناصري ما بعد يوليو.

صناعة الحداثة الحضرية احتاجت في الحقيقة إلى ما هو أكثر من مجرد الإرادة السياسية، ما نقصده تحديدا هو حاجتها لـ“المعماريين”، وهم المهندسون الحقيقيون لحالة الحداثة، وحلقة الربط بين الإرادة السياسية والبروباغندا الصحفية، وصولا لـ”الشعب”. خاصة في الظرف الدولي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، حين انطلق المهندسون المعماريون للعواصم الأوروبية لإعادة بنائها؛ وكذلك للعواصم في اسيا وافريقيا، لدعم بناء مُدن جديدة، بعدما استعانت بهم حكومات أنظمة التحرر الوطني ما بعد الاستعمارية. ونخصّ بالذكر، في الحالة المصرية، أسماء معماريين مثل سيد كريم ومحمود رياض.

بالنسبة لسيد كريم، فهو أحد أهم المُهندسين الذين عملوا في مصر، وصاحب أول جريدة معمارية باللغة العربية، صدرت سنة 1939. وكانت قناعته الأساسية في النظرية المعمارية، مبنية على  الوظيفية وليس الأسلوب، أي أن الأساسي في تصميم المبنى هو تأدية الوظيفة التي أنشئ لأجلها، وليس جماليات شكله الخارجي. وقد رأى أن مهمة التصميم الحديث حل المشكلات الحديثة بالمعاني الحديثة، وهو ما يُنتج في النهاية “ثقافة معمارية”، ذات دلالات سياسية واجتماعية مهمة.

هذا التفكير الوظيفي حدد بوصلة النظام الجديد في مصر، فالتخطيط العمراني، والتطوير الحضري، أنتج ما يشبه عقدا اجتماعيا ماديا/مكانيا، بين السلطة والطبقات الاجتماعية الصاعدة، وقد تركزت معظم تلك المشاريع في موطن المركزية المصرية، أي القاهرة، ما حوّلها إلى ما يشبه “العاصمة الجديدة”.

لكن، وبمرور العقود وتبدّل الأنظمة الحاكمة، تراجعت السُلطة السياسية عن دورها في رعاية التخطيط المديني، الموجه لدعم ما سمي “الطبقة الوسطى”، عماد الدولة المصرية الحديثة؛ وحوّلت بوصلتها للمشاريع الاستثمارية، وبناء تجمّعات ومُدن الأثرياء الجُدد؛ وصولا للحظة الحالية، التي تُوجّه فيها المشاريع القومية الضخمة لخدمة طبقة صغيرة بعينها، على حساب أغلبية السُكان.

فهم ما يمكن تسميته “القاهرة الناصرية”، بوصفها مؤسسا للحداثة المصرية التي نعرفها، ضروري لإدراك التغيّرات في على مدنيّتنا، يجوانبها المادية والثقافية، وكذلك مشاريع التطوير الحضري، التي يعارضها كثيرون اليوم، ومنها مشروع “العاصمة الإدارية الجديدة”، التي خُصصت لها موارد هائلة. فما أسس التحديث المركزي المصري، الممتد من “القاهرة الناصرية” وحتى “العاصمة الإدارية”؟ ولماذا يجد الحكّام المصريون المختلفون أن من أسس سلطتهم تشييد “مشاريع قومية عملاقة”؟

القاهرة الناصرية: نهضة “رمسيس” من تحت رماد المدينة

كتب المعماري سيد كريم، في مجلة “المصوّر” عام 1952، مقالا بعنوان “القاهرة مريضة”، صوّر المدينة فيها على هيئة جسد، “تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحُمى”، فهي تحتاج إلى الإزالة، وإعادة البناء بمناهج جديدة، وخطط تضمّ مبان عالية، لاستيعاب العدد الكبير من السكان القادمين إلى المدينة، للبحث عن فرص أفضل. فقد كانت القاهرة في ذلك الوقت تُعاني من انهيار الخدمات، ونظم الصرف الصحي، والمياه والكهرباء، وكانت مبانيها تتداعى. ويمكن القول إن الوضع العام للقاهرة كان مرتبطا بالظرف السياسي، وتدهور نظام الحكم الملكي، نتيجة الصراعات بين القصر وحكومة الوفد والاحتلال الإنجليزي.

سيد كريم

أراد كريم أن يجد لمشاريعه وتصوراته راعيا في القصر الملكي، كما وجد رجل “النهضة المصرية” علي باشا مبارك راعيا لمشاريعه في الخديوي إسماعيل، عند تأسيس قاهرة القرن التاسع عشر، والتي تُعرف حتى اليوم باسم “القاهرة الخديوية”. فالتخطيط الأصلي للقاهرة، جاء بعد رحلة علي مبارك إلى باريس، لتأمل إنجازات المعماري الفرنسي أوجين هوسمان، وكيفية تخطيطه لباريس الحديثة، وتوسعة شوارعها ومبانيها وبنيتها التحتية.

علي باشا مبارك

إلا أن قاهرة علي مبارك الخديوية، وكذلك طموحات سيد كريم لإعادة التجربة، أكلتها النيران عام 1952، في واحد من أكثر الأحداث غموضا في التاريخ المصري، عندما احترق قلب المدينة بأكمله، ومعه مقر مجلة “العمارة”، ومكتب سيد كريم، بكل ما يحويه من مخططات ورسوم معمارية.  

إلا أن انقلاب 1952 أنعش بسرعة آمال كريم وأمثاله من المعماريين، فقد وجد النظام الجديد نفسه أمام حالة من الفوضى السياسية، وبالتبعية الحضرية. عاصمته محروقة، وبناها الاجتماعية مفككة، فبدأ في تصفية المشهد القديم، والقطع معه، عبر عدة إجراءات سياسية واقتصادية وثقافية. ففي عام 1954 قام بإلغاء الأحزاب؛ ثم بدأ بمحاولة تنفيذ عدد كبير من المشروعات والبنى التحتية، دون استشارة القوى السياسية، وحتى دون التأسيس لأي إمكانية حُكم محلي حقيقي، كما تضمّنت توصيات دستوره الجديد، وهكذا بات المجتمع مُتلقيا سلبيا، وفُتح المجال لأصحاب المشاريع الطموحة، ممن تمكنوا من إيجاد حظوة لدى النظام الجديد.

بنهاية عام 1956 تولّى عبد اللطيف البُغدادي، وهو أحد الضباط الأحرار، السُلطة المطلقة على ثلاث وزارات: التخطيط، والشؤون البلدية والقروية، ووزارة بورسعيد. وتحت قيادته وتوجيهاته، عمل المُهندسون والمعماريون على وضع تصميمات جديدة، من أجل تنفيذها عبر الهياكل الجديدة للدولة المركزية، وهي مشاريع جاءت متوافقة مع تصوّر الدولة العام عن المجتمع المحلي، ونوعية الخدمات التي أرادت توفيرها له، دون أي تدخّل منه، وهو ما أضعف المجتمع المدني، وجعله أكثر اعتمادية على الدولة، وما توفره من تحديث، وخدمات، وأساليب ترقي طبقي.

عبد اللطيف البغدادي

بدأ العمل، في سنة 1954، على المشروعين الأكثر رمزية في القاهرة، وهما “ميدان رمسيس” و”ميدان التحرير”. بدأ العمل بنصب تمثال الملك الفرعوني رمسيس الثاني، الذي يُمثّل حاكم مصر القوي المُسيطر، أمام محطة القطارات، حيث الميدان اليوم، فيما تم إبعاد تمثال “نهضة مصر”، الذي يُمثّل مصر على هيئة سيدة، ترتدي ملابس الفلاحين، إلى ميدان جامعة القاهرة، وكان ذلك للتأكيد على هيمنة النظام الجديد، الرمزية والواقعية، على العاصمة، فأول ما ستراه، عند وصولك للعاصمة عبر القطار، نصب لحاكم أبوي شديد البأس.

أما “ميدان التحرير” فكان الأكثر رمزية، لأن موضعه احتوى في السابق ثكنات الجيش الإنجليزي، في مركز العاصمة بالضبط. كان المشروع في البداية إنشاء نصب لـ”الجندي المجهول” في مركز الميدان، لكنه لم يُنفذ، وتم الحفاظ على قاعدة تمثال الخديوي إسماعيل، مع تشييد ثلاثة مبان رئيسية: مبنى البلدية، وفندق النيل هيلتون، ومقر الجامعة العربية، وهي المباني التي أعادت صياغة شكل قلب القاهرة، في صورة جديدة “ما بعد استعمارية”، فيما هُدم فندق “سميراميس” القديم، الذي كان رمزا للقاهرة تحت الوصاية. باختصار أنشئ مركز جديد للعاصمة، بدلا من مركزها القديم المحترق، وتم الخلاص من الرموز القديمة، الملكية والاستعمارية، ونصب أوابد السلطة الجديدة. إلا أن عملية التطوير الحضري هذه لم تكن ذات غايات سياسية وسلطوية فقط، بل لها جانبها الاجتماعي.

يوتوبيا “مدينة نصر”: النموذج الأول للعاصمة الإدارية الجديدة

جاء النظام الجديد لعام 1952 مع رغبة في حل أزمة العاصمة المُستفحلة، وعلى رأسها التجمعات السكنيّة غير الصحية، والضعف الشديد في الخدمات، والعجز في توفير سكن مناسب للقادمين من الريف الي الحضر، الذين شكّلوا القاعدة الاجتماعية للنظام الناصري، ومن هنا ظهر للعلن برنامج “الإسكان للأغلبية”، لإنتاج الطبقة التي سيربط النظام نفسه بها، ويعتمد عليها في تحقيق مهام الدولة البيروقراطية. فانطلقت الدولة في بناء “الإسكان الشعبي” في عام 1952، في مناطق إمبابة وحلمية الزيتون وحلوان، ووعدت ببناء عشرين ألف وحدة سكنية، لعشرين ألف أسرة فقيرة، لكنها لم تنجح في تحقيق هذا الوعد، فركزت على توفير الإسكان لعمال شركات القطاع العام في المقام الأول، مثل عمال سكك حديد أبو زعبل في القاهرة، أو ضباط الشرطة في العباسية، لكن أزمة الإسكان وصلت الي ذروتها في الستينات، مع عجز الحكومة عن توفير التمويل اللازم، لبناء آلاف من المساكن الشعبية، أو حتى التوسّع في عمليات إزالة الأحياء العشوائية.

ومن هنا ظهرت فكرة بناء عاصمة جديدة، لتصبح مقرا تنتقل إليه الحكومة، ويمكن فيه إسكان موظفي الدولة. وتُعتبر “مدينة نصر”، التي أُقيمت في الظهير الصحراوي لمنطقة العباسية، ذروة إنجازات نظام يوليو فيما يتعلق بالإسكان، ومشاريع بناء عاصمة جديدة.

قدّم المعماري سيد كريم مشروع “مدينة نصر”، بوصفه يوتوبيا حداثية، سوف تستجيب لمطالب الوضع السياسي الجديد، فتكوّنت من تجمعات سكنية كبيرة مستقلة، لها خدماتها التجارية والصحيّة والثقافية، مرتبطة معا فيما يُشبه الخلايا، التي لها مدخل ومخرج واحد، ومن خلال تلك التجمّعات السكانية، تم خلق أسواق جديدة للسلع الاستهلاكية المحلية، مثل الثلاجات والغسالات والمكانس، والتي كانت باكورة منتجات الشركات الوطنية، المُنشأة حديثا في مصر.

سيد كريم مع نماذجه المعمارية

في النهاية لم تنجح “مدينة نصر” في أن تُصبح العاصمة الإدارية والثورية الجديدة، فعلى الرغم من انتقال بعض مواقع السلطة إليها، لم تصبح مقرا لعمليات الدولة، إضافة لأنها عانت من البطء في عمليات التشييد والبناء حتى نهاية الستينات، وفشلت في اجتذاب الشريحة المطلوبة من السكان، لارتفاع أسعار العقارت، وصعوبة تحقيق ما تخيّل النظام أنه قادر على تحقيقه.

فساد “مدينتي”: كيف عادت القاهرة إلى ما قبل 1952

توقفت مشاريع الحضرنة، التي رعاها الضباط الأحرار بحلول العام 1967، وتحديدا مع كارثة الهزيمة، وانهماك النظام في جمع الموارد والأموال والمعدات، لإعادة بناء وتسليح الجيش المصري، من أجل استعادة شبه جزيرة سيناء، وظلت المشاريع متوقفة حتى نهاية السبعينيات، مع توقيع الرئيس السادات لاتفاقية كامب ديفيد.

واجهت الدولة المصرية، في نهاية عقد السبعينيات، أزمة اقتصادية طاحنة، أدت إلى تغير عام في توجهها، فاللجوء إلى الاستدانة من صندوق النقد الدولي، وإقرار سياسة الانفتاح، ورفع الحراسات عن ممتلكات النخب الإقطاعية السابقة (الرأسمالية الزراعية الكبيرة)، أدى لحدوث شكل من أشكال الخلخلة في عمليات إعادة الإعمار المقررة. وكان توجّه الرئيس أنو السادات الجديد محاولة جذب القطاع الخاص، لمشاركة الدولة في حل أزمة الإسكان، التي تفاقمت بشدة، وذلك عبر الانتقال إلى خارج العاصمة الضيقة للغاية، بل وحتى بناء مدن صناعية وخدمية جديدة، من أجل جذب الشركات العالمية والاستثمارات، لكن بوسائل لا تتطلب أي تمويل مُستمر من الدولة.

الاتجاه للبناء، من أجل جذب الاستثمار، بدأ مع مشروع بناء “قرية مراقيا” في الساحل الشمالي، بعد أن قدّم السادات ما يُعرف بـ”ورقة أكتوبر”، من أجل تعمير المساحة، من الكيلو 34 حتى الكيلو 100، عند منطقة العلمين، تحت إشراف وزارة الإسكان، التي تولاها للتو المهندس حسب الله الكفراوي، الذي وجده السادات على قدرٍ كبير من الكفاءة، وخصوصا بعد مساهمته في إعادة أعمار مدن القناة، التي دمرتها الحرب. ثم اتجهت الدولة للتوسّع في الصحراء، عبر بناء مدن، تتشارك فيها مع القطاع الخاص، من شركات ومكاتب المقاولات العالمية والمحلية، ما أسفر عن بناء “مدينة العاشر من رمضان”، التي تتبع محافظة الشرقية، ثم تلاها “مدينة 15 مايو” في عام 1978، والتي أقيمت على مساحة 6461 فدانا. وفى السنة نفسها قررت الحكومة إنشاء “مدينة السادات”، ومن ثم مدينة” السادس من أكتوبر”. لم تنجح أي من هذه المدن في أن تصبح “العاصمة الجديدة”، التي تتوق إليها كل السلطات المتعاقبة، أو حتى بإنهاء أزمة الإسكان المتزايدة.

حسب الله الكفراوي مع عبد الفتاح السيسي

وفي عهد مبارك، كان الاتجاه لتخلّي الدولة بالكامل عن مشاريع البناء الضخمة، وخصوصا بعد تعرّضها لحالات تشبه الإفلاس، خلال عقد الثمانينات بأكمله، وحتى حرب الخليج الثانية. ولذلك بدأ نظام مبارك في تخصيص أراض صحراوية قرب القاهرة، للبناء والاستصلاح، ومنحها للقطاع الخاص، وهو ما عرف بـ”الخصخصة”، لكن عمليات البيع ونقل الملكية، شابهها كثير من الفساد والإسناد المُباشر، وأشهرها مشروع “مدينتي”، الذي حكم القضاء الإداري ببطلان عقوده بتاريخ 2010، وفيه بيع متر الأرض الواحد، بالأمر المباشر، بمئتي جنيه، لرجل الأعمال طلعت مصطفى، وهي فضيحة فساد واضحة المعالم، وشديدة الضخامة.

تكرّرت عمليات بيع الأراضي، في مشاريع “العياط” و”بالم هيلز” و”أرض كايرو” و”فيستيفال”، وتحوّلت الأراضي المُباعة، بطرق ملتوية وبأسعار بخسة، إلى مدن مرفّهة لجذب الأثرياء الجُدد، ومحاسيب النظام ورجاله، للخروج من العاصمة الملوّثة، المكتظة بالسكان، والتي لا حلول لأزماتها، أو عقد اجتماعي جديد تقدّمه لسكانها.

القاهرة اتجهت، خلال فترة مبارك، نحو الانحلال الشامل، وعادت أقرب لقاهرة ما قبل عام 1952، فكان لا بد أن “تحترق” مجددا، ولكن ليس على طريقة حريق القاهرة الشهير، بل عبر انتفاضة شعبية هائلة، عُرفت باسم “جمعة الغضب”، في الثامن والعشرين من كانون الثاني/يناير 2011.  

ما بعد الحريق الثاني: “العاصمة الجديدة” مرة أخرى

أسس انقلاب يوليو، الذي تلى حريق القاهرة، لنظام مركزي، تولّى بناء وتعمير وحضرنة المجتمع والدولة المصرية، لكنّه تعرّض لعديد من الأزمات والإخفاقات، وهو ما دفعه لتغيير أولوياته، من إسكان كل المصريين، الي إسكان عُمال الهيئات العامة، وأخيرا إلى تأمين المساحات للأثرياء والمحاسيب الجدد، عبر تشييد “الكومبوندات” والمدن المرفّهة الجديدة. لكنّ الدولة المصرية، وبعد ما يمكن تسميته “حريق القاهرة الثاني” (جمعة الغضب)، اضطرت للعودة إلى “مشاريعها القومية”، لاستعادة زمام المبادرة السياسية مرة أخرى.

تجدّد حلم “العاصمة الجديدة” مرة أخرى في عام 2015، وتولّت المؤسسة العسكرية تنفيذ هذا المشروع مباشرة، وليس عن طريق وسيط حكومي مدني (وزارة التخطيط) كما فعل عبد اللطيف البغدادي في حالة “مدينة نصر”. من المفترض لـ”العاصمة” هذه أن تحتوي على أقسام إدارية وخدمية وسكنية، وحتى مقرات جديدة للوزارات والسفارات والشركات الاستثمارية العالمية، بتكلفة زادت عن خمسين مليار دولار، ومازال العمل فيها جاريا منذ ثمان سنوات، رغم أنه كان مُقدّرا الانتهاء منها خلال خمس سنوات فقط، وبأقل من رقم التكلفة الحالية بكثير.

العاصمة الإدارية الجديدة

يجد المصريون  أنفسهم اليوم مدينين للخارج بأكثر من 160 مليار دولار، وعلى وشك تعويم العملة المحلية للمرة الرابعة خلال عامين، لتصل إلى 38 جنيها لكل دولار، إضافة لمعدّلات تضخّم كارثية، هي الأسوأ على الأطلاق في تاريخ البلد، إذ وصلت لنسبة تتراوح بين 35 و40 بالمئة.

إنها مشكلة الدولة المصرية نفسها، منذ عام 1952 على الأقل: دولة ترى أن من واجبها، وأساس شرعيتها، التحكّم بكل مناحي الحياة، وتقديم المنح والهبات للمصريين، ولذلك فإن كل حاكم مصري قد بدأ عهده بـ”مشاريع عملاقة”، وكأنه يثبت نفسه، من خلال إضافة لبنة جديدة لصرح المركزية المصرية، المقصية للاستقلال المجتمعي. وربما يكون هذا الإقصاء هو جوهر “السيادة” المصرية الحديثة.

مرة أخرى تجد الدولة نفسها اليوم في الأزمة نفسها: أزمة اقتصادية تُعطل كل مشاريعها ومحاولاتها، لكنها لا تنتبه لجوهر المشكلة، رغم أن كل علاجاتها كانت غير ناجعة، سواء الانفتاح او الخصخصة، أو بين البينين، فالمعضلة بالأساس هي المركزية، التي أقرّتها الدولة منذ دستور 1956. وهي مركزية لا هوادة  فيها، جعلت الدولة هي المٌخطط والمنفذ والمموّل الوحيد أو الكبير لكل المشاريع، على أن يكون “الشعب” مجرد متلق سلبي، لا دور له لأسباب أمنية.

هذه المركزية ترافقت مع تغيير تدريجي للبوصلة الاجتماعية، من “الطبقة الوسطى” أيام عبد الناصر، إلى المقاولين والأثرياء الجدد مع السادات، الي رجال “الحزب الوطني” وعناصر النظام السياسي مع مبارك، وصولا إلى “دولجية” عصرنا. ويمكن القول إن كل هذه الانتماءات والصراعات السياسية والطبقية، وتلك المشاريع الفاشلة أو شبه الفاشلة، هي ما رسم ملامح القاهرة التي نعرفها اليوم، والتي كانت دوما على ما يبدو “عاصمة إدارية جديدة”.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
4.4 7 أصوات
تقييم المقالة
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات