“يردن حلاً”: كيف تحدّثت سينما النساء المصرية عن نفسها؟
لعبت النساء دورا محوريا في السينما المصرية منذ نشوئها، وساهمن في تحويلها إلى صناعة وطنية، كما أوضحنا في مقال سابق، لكن بقي سؤال عن الصور والقضايا التي قدّمنها عن أنفسهن، وما إذا كان لهن صوتهن الخاص، أم نطقن بلسان ذكوري.
يبدو السؤال شديد الاتساع والتعقيد، فصور النساء، في الأفلام التي كان لهن دور أساسي فيها، سواء بالتأليف أو الإخراج أو الإنتاج أو البطولة التمثيلية المطلقة، اختلفت عبر الأزمنة، بين الوداعة والرومانسية والتحدّي، وذلك بحسب عوامل مُحيطة بظروف صناعة السينما، والتاريخ المصري والعربي عموما، مثل طبيعة المجتمع وظروفه وقت الإنتاج، ومحاولات التوفيق بينها وبين النجاح والانتشار، الذي تبغيه سيدات السينما.
ولذلك يمكن القول إن النساء عملن دائما ضمن الأطر الثقافية والسياسية والأخلاقية السائدة في عصرهن، وهي أطر أبوية، بالمعنى الأوسع للمفهوم، إلا أن ذلك لا يعني بالتأكيد أنهن كررن صيغة أو خطابا واحدا، ضمن تلك الأطر، إذ يتيح الفن، والإنتاج الثقافي عموما، إمكانيات متعددة للجدل مع ما هو سائد في العصر، أو للتلاعب عليه، أو لتفكيكه ونقده؛ وكذلك لتأييده وتأكيده. وبالتالي فيوجد دائما خيار المبدعة وأفكارها الخاصة، وليس دقيقا القول إن “النساء نطقن بلسان ذكوري”، فلا يوجد طرف، أو نوع اجتماعي، يستعير لسان نوع آخر، أو يخضع له بشكل سلبي، لأن هذا الطرح قد يعني أنه بإمكاننا أن نحدد سلفا ما هو “اللسان” أو الألسنة النسوية “الحقيقية”. كل الصور التي قدمتها النساء عن أنفسهن في السينما هي بالنهاية صور نسائية، ما دامت تعبيرا عنهن وعن نشاطهن الثقافي، وبالتالي فهي قد تشير إلى أفكارهن وانحيازاتهن وخياراتهن، أو حتى مساوماتهن، وليست مجرد “استلاب ذكوري”.
ماذا كانت إذا أهم أفكار وخيارات سيدات صناعة السينما المصرية؟ وعن أي فئات وأوضاع عبّرت صورهن المتعلّقة بالنساء المصريات؟
مع بداية السينما في عشرينيات القرن الماضي، لم تكن الأفلام التي صنعتها النساء ذات قضايا يمكن وصفها بـ”الجادة”، فقط رومانسية، بصورة لا تخرج عن إطار الأعراف المجتمعية، فكان محور الأفلام شبه الوحيد هو الحب، بدءا بما قدمته عزيزة أمير في فيلمها “ليلى” 1927، أول فيلم مصري طويل، والذي أنتجته وأدت دور البطولة فيه.
ورغم مرور السنين، ظل الوضع على ما هو عليه، إذ كررت أمير تقديم الصورة نفسها، بأفلام لم تختلف كثيرا عن ذلك النمط، ومنها “بائعة التفاح” 1939، عن فتاة أحبّت شابا، اكتشفت أنه كان يستخدمها مادةً للرهان. بل إن فيلمها “الورشة” 1940، الذي أبرز إمكانية عمل المرأة، وتحمّلها المسؤولية، أتى في إطار رومانسي بحت، وأظهر عمل المرأة بوصفه نتيجة الاضطرار.

حتى منافسات أمير في ذلك الوقت، لم يُقدمن صورا مختلفة، سواء في الأداء النسائي، الذي كان مسرحيا، نقلنه معهن من “التياتروهات” إلى السينما؛ أو في القصص. مثلما ظهر في أفلام بهيجة حافظ، التي قامت بتأليف وبطولة أفلام، لم تخرج فيها صورة المرأة عن إطارها المُحدد آنذاك: ضعيفة مغلوبة على أمرها كما في “زهرة السوق” 1947، أو تحتاج إلى رجل لإنقاذها، كما في “ليلى البدوية” 1944.
كانت أدوار النساء في غالبية الأفلام، لا تخرج عن حبيبة أو زوجة، أو فتاة تسوء سمعتها، إلى أن تلقى الحبيب الذي ينتشلها من أزماتها، إلى حد أن بعض الأفلام كان ينتهي برسائل واضحة، تعطي دروسا للنساء حول ضرورة الالتزام بالعادات والتقاليد والسمع والطاعة.
وهذا المحتوى ساد أيضا في أفلام من تأليف وإخراج رجال، رغم أن رأس المال المُنتج كان لسيدات، مثلما ظهر في أفلام شركة “لوتس”، لصاحبتها آسيا داغر. وإن تغيّر هذا الوضع قليلا خلال الخمسينيات، أي بعد ثورة يونيو في مصر، في أفلام شهيرة أنتجتها الشركة، مثل “أنا وحدي” 1952، و”رُدّ قلبي” 1957. لكن الأمر لم يصل الأمر إلى طرح مشكلات النساء، والدعوة إلى دعمهن ومنحهن حقوقهن.
في ذلك العقد لا دور محوري للنساء إلّا في أعمال وثّقت قصص حقيقية لنضال حقبة التحرر الوطني، كما في فيلم “جميلة” 1958، عن حياة المناضلة الجزائرية جميلة بوحيرد، التي قاومت الاحتلال الفرنسي، وأدت دور البطولة فيه وأنتجته الممثلة المصرية ماجدة. وقد كان هذا متوافقا مع الأيديولوجيا الرسمية للدولة بكل تأكيد.

ابتداء من الستينات، ازداد عدد الأفلام التي تناقش معاناة النساء في المجتمع، وأبرزها فيلما “بين القصرين”، و”قصر الشوق”، إضافة لـ”السكرية”، الفيلم الأخير من ثلاثية نجيب محفوظ، المُنتج في السبعينيات، وهي سلسلة أفلام، رسمت صورة لواقع كثير من البيوت المصرية. ورغم أن معظم العاملين على تلك الأفلام لم يكونوا نساء، إلّا أنها أظهرت بشكل نقدي سطوة الرجل، عبر شخصية، مازال يُضرب بها المثل في الديكتاتورية داخل أي أسرة، وهي “سي السيد”، وإن كانت تلك الأفلام قد أظهرت النساء إمّا خاضعات أو صائدات للرجال.
بكل الأحوال، أدى نجاح هذا النوع من الأفلام لظهور موجة جديدة في السينما المصرية، أكثر قدرة على مناقشة أوضاع النساء بشكل جدي، بعيدا عن الرومانسيات والصيغ الجاهزة.
ظهرت أفلام عن محاولات النساء للتحرر، مثل “الحقيقة العارية” 1963، إنتاج وبطولة الفنانة ماجدة، عن فتاة مُضربة عن الزواج، بسبب طلاق والديها. كما شهد العام نفسه إنتاج فيلم “الباب المفتوح”، للكاتبة لطيفة الزيات، بمشاركة آخرين، ويتحدث عن الحريّة التي تُحرّم منها الفتاة، بسبب تسلط ذكور عائلتها.
أما في السبعينيات، وعلى الرغم مما قيل عن “هبوط” مستوى السينما، واعتمادها على الإثارة الجنسية والقصص الفضائحية، إلّا أن قضايا النساء كانت حاضرة بقوة، مستفيدة من تراخي قبضة الرقابة المصرية بعد عام 1967. في فيلم “أُريد حلاً” 1975، تأليف الكاتبة حُسن شاه، تمت مناقشة أزمة قانون الأحوال الشخصية بجرأة، وتأثيره على النساء، وحقوقهن في الزواج والطلاق.
في ذلك العقد أيضا، تعاونت المؤلفة كاتيا ثابت مع شركة “أفلام فاتن حمامة للإنتاج السينمائي”، ليظهر مشروعها التليفزيوني “حكاية وراء كل باب” 1979، الذي تناول، عبر أربعة أجزاء، مشكلات اجتماعية تتعلق بالنساء، ومن اللافت أن رجالا شاركوا ثابت في كتابة السلسلة، لتكرّر الكاتبة التجربة فيما بعد، حين شاركت إيناس الديغيدي، المخرجة الشابة آنذاك، في فيلم “ولا عزاء للسيدات” 1979، الذي تناول وضع النساء المطلّقات والعاملات والمتزوّجات.

بعد ذلك بسنوات بسيطة، في الثمانينات، ظهرت أفلام عن معاناة النساء على يد ذوي النفوذ والسيطرة المجتمعية، مثل الفيلم الشهير للكاتبة سكينة فؤاد “ليلة القبض على فاطمة” 1984، والذي تأثّر به فيلم آخر للكاتبة حُسن شاه، وهو “امرأة مُطلقة” 1986، عن جحود رجل في حق زوجته، رغم تضحياتها من أجله.
كما شاهد الجمهور أيضا صورا جديدة لقضايا النساء في الأفلام الرومانسية، مثل “حبيبي دائمًا” 1980، الذي كتبت حواره كوثر هيكل؛ وكذلك تصوّرا أكثر تعقيدا عن العلاقات العاطفية، كما في فيلم “امرأتان ورجل” 1987، للكاتبة ماجدة خير الله.
إلا أن الأمر لم يقتصر على الأفلام، التي تناقش قضايا قانونية ومجتمعية بشكل هادئ، أو الأفلام الرومانسية ذات المنظور الجديد، إذ انتشرت منذ السبعينات وحتى التسعينات موجة أفلام ذات محتوى “صادم”، لأسباب متعددة، منها أنها قدّمت، لأول مرة في السينما العربية، عاملات الجنس، مثلما في فيلم “مبروك وبلبل” 1998، تأليف لميس جابر وإخراج ساندرا نشأت؛ أو لاحتوائها على أحداث تخالف صورة المجتمع الفاضل، المتديّن بطبعه، مثلما في فيلم “لحم رخيص” 1995 لإيناس الدغيدي، الذي يعرض مشكلة حقيقية في الأرياف، وهي الإتجار بالنساء، تحت دعاوى العمل أو الزواج.

ربما كانت الدغيدي هي الأبرز بين “صادمات المجتمع”، لأنها حاولت التعبير عمّا تتعرّض له النساء من ظلم وإنكار للحقوق، تحت دعاوى دينية ومجتمعية؛ مثلما حاولت تعزيز مفاهيم تتعلق بالحرية الفكرية، بل والجنسية؛ فضلا عن فضح الاستغلال الطبقي/الجنسي للنساء، كما كان في فيلم “امرأة واحدة لا تكفي” 1990، بل إنها، وبالتعاون مع الكاتب عبد الحي أديب، كتبت وأخرجت الفيلم الشهير “مذكرات مراهقة” 2001، الذي اعتُبر في قمة الجرأة الجنسية؛ وذلك في العام نفسه، الذي ألّفت فيه الكاتبة عزة شلبي فيلم “أسرار البنات”، ليُحدث الفلمان ضجة كبيرة، إذ أن كثيرين اعتبروهما يشجعان على نشر أفكار وسلوكيات “منافية لعادات المجتمع”، رغم واقعية الأحداث الواردة فيهما.
كذلك كانت الكاتبة وسام سليمان من أهم من ناقشن القضايا النسائية، كما في فيلم “بنات وسط البلد” 2005، الذي استعرض ما تعانيه فتيات مصر من هموم، مثل التحرّش والفقر والمشكلات الأسرية والفروق الطبقية.
أمّا الكاتبة شهيرة سلّام، فتناولت مشاكل العلاقات الزوجية بفيلمها “الحياة منتهى اللذة” 2005، مع المخرجة منال الصيفي. ليكون الزواج محور أفلام عديدة أخرى، مثل فيلم “مفيش غير كده” 2006، للكاتبة كوثر مصطفى، التي ناقشت أزمة المطلقات وأبنائهن؛ وفيلم “واحد صفر” عام 2009، للكاتبة مريم نعوم والمخرجة كاملة أبو ذكرى، والذي تناول مسألة طلاق المسيحيات.
يمكن القول إن الموجة النسائية، الممتدة منذ السبعينيات حتى مطلع الألفية، عبّرت عن قدرة صانعات السينما على تجاوز الصور الأبوية التقليدية، بمجرد تراخي القبضة الأمنية للدولة، ونشوء نوع من الحرية الإنتاجية، في سينما القطاع الخاص. ولكن ماذا عن فترة ما بعد الثورة؟
لم يتوقف إنتاج الكاتبة وسام سليمان عند فيلم “بنات وسط البلد”، إذ قدمت أفلاما أخرى تتعلّق بهموم النساء، ومنها ما كان من بطولة جماعية لعدة ممثلات، فلاقت شعبية كبيرة، لتقاطعها مع المشكلات المجتمعية بصورة عاطفية، كما في فيلم “فتاة المصنع” 2014، من إخراج محمد خان، الذي تصارع فيه فتاة الفقر والعنف الأسري وفشل الحب؛ وكانت قبله قد كتبت فيلم “أحلى الأوقات”، مع المخرجة هالة خليل، الذي تدور أحداثه عن نساء يبحثن عن وقت لأنفسهن.
وهذه التيمة، أي شكوى النساء، خاصة المتزوجات، من عدم نيل وقت لراحتهن الشخصية، ناقشتها أيضا الكاتبة هناء عطية، مع المخرجة كاملة أبو ذكرى، في فيلم “يوم للستات” 2016، الذي تحدّث عن معاناة نساء المناطق الشعبية مع الحياة.
وفي عام 2017 قدّمت الكاتبة إيناس لطفي فيلم “بشتري راجل”، ليتحدث، في إطار رومانسي كوميدي، عن أزمات متعددة، مثل الخيانة وتأخّر سن الزواج، كما قدّمت الكاتبة والمخرجة نيفين شلبي فيلم “النهارده يوم جميل” 2021، الذي يتناول مشكلات اجتماعية، تحديدا المتعلّقة بالحياة الزوجية، سواء الملل أو الخيانة أو الاغتصاب الزوجي.

يمكن القول إن سينما ما بعد الثورة لم تكن أكثر “ثورية” مما سبقها، إذ استمرت صانعات السينما بتقديم مشاكل النساء، على كل المستويات، بدون تجديد فعلي على مستوى الخطاب والمنظور. بل ربما ركّزت أفلام هذه الحقبة على قضايا العلاقات الشخصية، والهموم الفردية، أكثر من التركيز على القضايا العامة الكبرى.
بعد حوالي قرن من المساهمة النسائية في صناعة السينما المصرية، نجد أن الحصيلة متنوّعة إلى حد كبير، كانت هنالك بالتأكيد كثير من الصور نمطية عن النساء، حتى في الأعمال التي ناقشت قضاياهن بشكل متعاطف، والتي كان عدد مهم منها ينتهي بالتأكيد على ضرورة وجود رجل، للحماية وحل المشكلات.
وعلى عادة السينما المصرية تجاه نجومها، تم وضع غالبية الممثلات، حتى اللواتي يؤدين أدوار البطولة المطلقة، في أُطر مُحددة، بسبب اضطرارهن لتكرار نمط أدوار مُعين، فنموذج الفتاة الرقيقة الحالمة، مثّلته قديمًا فنانات مثل فاتن حمامة، وماجدة، ومريم فخر الدين؛ لترث الصورة في جيلنا منى زكي، وحنان ترك، وحلا شيحة. والباحث في أبرز أعمالهن، سيجدها تدور في إطار فتاة، تُحب وتواجه عواقب، ليكون إنقاذها على يد الحبيب.
بينما تم حصر أخريات في دور الخارجات عن تقاليد المجتمع، مثل ناهد شريف، وشمس البارودي؛ والشريرات، مثل برلنتي عبد الحميد، ولولا صدقي، وزوز شكيب. كما اشتهرت كثيرات بدور الأمهات المضحّيات، مثل أمينة رزق، وعقيلة راتب؛ في حين صار دور السيدة الجميلة، التي تنال قلوب الرجال، مرتبطًا بهند رستم، وميرفت أمين، ويسرا، وإلهام شاهين.
أمّا دور البطلة القوية، وربما لعوامل إنتاجية بحتة، فقد ارتبط بنجمتي الثمانينيات والتسعينيات نادية الجندي، ونبيلة عبيد.

ورغم كل هذا التأطير والصور النمطية، فيمكننا أن نلاحظ أن الأدوار والشخصيات، التي لعبتها النساء، كانت متنوّعة للغاية، وبقيت في جدل محتدم، علني أو خفي، مع الصورة التقليدية للأدوار الجندرية، فلم تبق كل النساء في انتظار الرجل المعشوق، المُخلّص من الظروف السيئة، وكثيرات حاولن انتزاع عوامل القوة، سواء من خلال المزاودة في تقديم “قيم المجتمع”، أو في إظهار صور مناقضة لها بشكل مباشر.
هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.