سيدات الصناعة: كيف باتت النساء في صدارة السينما المصرية؟

سيدات الصناعة: كيف باتت النساء في صدارة السينما المصرية؟

بات الحديث عن المكانة الدونية للنساء في تاريخ السينما أمرا مألوفا، بين كثير من النقّاد والناشطين، بل وأسلوبا لترويج عدد من الأعمال السينمائية الجديدة، التي تصف نفسها بالنسوية. فبعد أن كان الذكور مسيطرين على صناعة السينما، خاصة في مجالات الإنتاج والإخراج والتأليف، فيما اقتصرت مشاركة النساء على الأدوار التمثيلية، المساندة والثانوية، آن الأوان أخيرا لنشوء سينما تحمل أصوات المخرجات والمنتجات والممثلات الإناث. ومن “أفلام المهرجانات” وحتى أفلام “الأبطال الخارقين”، باتت نسائية السينما، وربما نسويتها، معيارا لتقييم الصورة والخطاب السينمائي.

ولكن هل كان دور النساء هامشيا في تاريخ السينما فعلا؟ يبدو هذا السؤال غير مفكّر به بالدرجة الكافية، لأنه بات من البديهي اعتبار الماضي مجرد “خطيئة ذكورية”، آن أوان تصحيحها، مع فجر الوعي الحقوقي والثقافي، الذي هلّ علينا أخيرا.

لن نناقش دور النساء في السينما الأميركية والأوروبية، بل في بلد يصفه البعض بـ”الذكوري” مثل مصر، امتلك صناعة سينما عريقة. فحين كان العالم في بداية تعرّفه على ذلك الفن، كانت مصر مواكبة لما يجري، وتتطوّر على أرضها مختلف الأنماط السينمائية، من التسجيلات الصامتة إلى الأفلام الناطقة؛ ومن الفيلم القصير إلى الفيلم الروائي. لدرجة أن السينما المصرية باتت في وقت مبكّر من القرن الماضي منافسا لوسيلة الترفيه الأهم آنذاك، أي المسرح، الذي سارع بعض رواده وأبطاله لترك الخشبة المسرحية، والانتقال إلى شاشة العرض السينمائي.  

أين كانت النساء في مصر في ذلك الحين؟ لم يكن في “الحرملك” فقط بالتأكيد، بل لعبن دورا أساسيا، قد يفاجئ الباحث المعاصر، في تطوّر السينما المصرية، بل وفي جعلها “سينما وطنية”. ولم يكنّ مجرّد ممثلات أو مغنيات أو راقصات، بل شاركن في كل مراحل صناعة الفيلم، بدءا من وضع فكرته على الورق، مرورا بالإنتاج والإخراج والمونتاج، ووصولا للتوزيع. هذا ما وثّقه أرشيف الفن المصري، منذ كانت السينما مُجرّد مبادرات فردية، وحتى صارت صناعة لها حساباتها. فهل يمكن القول إن النساء احتللن موقع الصدارة السينمائية في مصر؟ أم أنها مجرّد حالات فردية، والسينما المصرية بدورها كانت دائما “خطيئة ذكورية؟

“أمهات السينما”: كيف جعلت النساء الصناعة “وطنية”

في عام 1927 أُنتج أول فيلم صامت طويل في مصر بعنوان “ليلى”، والاسم الأبرز في هذا الفيلم هو السيدة عزيزة أمير، التي لم يقتصر دورها على لعب دور البطولة، بل كانت مشاركة في تأليف الفيلم وإخراجه وإنتاجه، إلى جانب ستيفان روستي ووداد عرفي. لهذا لقّبت عزيزة أمير بـ”أم السينما المصرية”.

عزيزة أمير

لم يُحدث الفيلم ثورة على مستوى المضمون، لكنه لقي إشادة كبيرة، ليس فقط من الجمهور والنقّاد، بل أيضا من شخصيات بارزة على مستوى البلد، ومنها طلعت حرب، الاقتصادي الوطني البارز، والمهتم بالاستثمار في الفن المصري، والذي قال إن أمير “حققت ما عجز عنه الرجال”. فقد نجحت فعليا بكسر احتكار الجاليات الأجنبية لصناعة الأفلام في مصر.

إخلاص عزيزة أمير للسينما دفعها إلى تحويل منزلها إلى استوديو لتحميض وطبع الأفلام، محققةً نجاحات سينمائية كبيرة، إلى أن تعرّضت، مثل كل نجوم السينما الصامتة في العالم، إلى النكسة التي سببها ظهور السينما الناطقة. لم تستلم أمير رغم ذلك، وأصرّت على الاستمرار، وعاودت العمل مع أبطال السينما الناطقة، مثل نجيب الريحاني وعباس فارس ومحمود ذو الفقار.

لم تكن أمير الوحيدة في ذلك المجال، بل عاصرتها بهيجة حافظ، التي دخلت صناعة السينما، مُتحديّة تقاليد عائلتها الارستقراطية، المُقرّبة من السلطان حسين كامل، ابن الخديوي إسماعيل، وحاكم مصر آنذاك، لتُشارك في صناعة السينما، ليس فقط عبر التمثيل، بل أيضا بكتابة السيناريو وتأليف الموسيقى التصويرية، كما أسست شركة إنتاج سينمائي باسم “الفنار”، أنتجت أفلاما شهيرة في زمنها، مثل “زهرة السوق”، و”ليلى بنت الصحراء”، كما أخرجت فيلم “الضحايا”.

لكن العثرات كانت حاضرة في طريق حافظ، إذ تعرّضت للإفلاس، بسبب منع الدولة لعرض فيلمها “ليلى بنت الصحراء”، باعتباره “يتعارض مع المصالح العليا للسلطة”، الأمر الذي جعلها تغيب عن المجال لمدة سبع سنوات، إلى أن عادت إلى الأضواء عام 1944، مع السماح بعرض فيلمها، بعد تغيير عنوانه إلى “ليلى البدوية”، وتعويضها بمبلغ مالي عن خسارتها.

المبادِرَات في عالم السينما كثيرات، والحديث عنهن يطول. لكن من أبرزهن أيضا أمينة محمد، التي خاضت منذ الثلاثينات تجارب الإنتاج والتأليف، بجانب التمثيل والإخراج، ومن أشهر أفلامها “تيتاوونج”؛ وكذلك الفنانة فاطمة رشدي، المُلَقّبة بـ”سارة برنار الشرق”، والتي أسست فرقة مسرحية حملت اسمها، وذلك قبل أن تقرر الاتجاه للسينما، وتأسيس شركة إنتاج، كان أشهر أفلامها بعنوان “العزيمة”.

أمينة محمد

لكن الشركة التي ربما تُعد الأشهر على الإطلاق في بدايات السينما المصرية، كانت شركة “لوتس”، التي أسستها الفنانة آسيا داغر في عشرينيات القرن الماضي، لما كان لها من إنجازات على مستوى الإنتاج والتوزيع، منذ أفلام الأبيض والأسود وصولا للأفلام الملونة، ومن أشهر تلك الأفلام، التي علقت في ذاكرة أجيال من المصريين والعرب، “الحموات الفاتنات” و”ردّ قلبي” و”الناصر صلاح الدين”، وقد كانت تكلفة الفيلم الأخير تعتبر خرافية في زمنه، دون أن يحقق أرباحا كافية. لتنتقل بعده داغر إلى دور المنتج لحساب المؤسسة العامة للسينما، بجانب توزيع أعمال فنية أخرى، وذلك لتعويض خسائرها، التي وصلت إلى درجة اضطرارها إلى رهن أملاكها.

آسيا داغر

كيف استطاعت النساء لعب ذلك الدور البارز في تلك الحقبة من تاريخ مصر؟ ورغم كل المشاكل والعقبات، الاجتماعية والمالية والسياسية؟

زوجات وبنات السادة المهمين: هل الصدارة نتيجة “الامتياز”؟

مغامرات “أمهات السينما” المصرية لم تكن هيّنة، فقد اقتحمن مجالا جديدا، غير مأمون العواقب، سواء لاعتبارات مادية بحتة، تتعلق بكونه لم يكن فنا مفهوما بعد آنذاك، وغير مضمون الربح، في ظل وجود وسائط ترفيهية أخرى، على رأسها المسرح؛ أو لاعتبارات مجتمعية/جندرية، ترى في تجسيد النساء على شاشات السينما، ومشاركتهن في صناعتها، خروجا عن العادات والتقاليد.

لكن، بتفحص مسيرات تلك السيدات، سيظهر لنا أنه بمُقابل الرفض المجتمعي، والعثرات الإنتاجية، توجد عوامل أخرى ساعدتهن على خوض المغامرة، فهن بالنهاية كن من صاحبات “الامتياز”، خاصة الطبقي، التي لم تتمتع به بالتأكيد معظم نساء مصر.

الفنانة فاطمة رُشدي مثلا اكتشفها سيد درويش، وشجّعها على دخول المجال، قبل أن بتبنّاها الفنان عزيز عيد، الذي أشرف على دروس التمثيل التي كانت تتلقاها، لتصبح فنانة في فرقة “رمسيس”، ثم تزوّجها، وواصلا العمل معا حتى انفصالهما، لتؤسس فرقتها الخاصة، ومن بعدها شركة إنتاج.

أمّا عزيزة أمير، التي انتقلت للسينما من مجد المسرح، فربما كانت مغامرتها غير ممكنة بدون دعم أحد أهم باشوات مصر، وهو قليني باشا فهمي، الذي ذكرت بعض المصادر أنه كان أيضا زوجها الأول، فيما بعد تزوجت من “عمدة”،  أي أحد أثرياء الصعيد، وواصلت عملها الفني رغم معارضته.

قليني باشا فهمي

بالنسبة لبهيجة حافظ، ورغم كفاحها لنيل فرصتها السينمائية، إلا أنها كانت في النهاية “بنت ذوات”، أبوها اسماعيل محمد حافظ، رئيس الديوان في عهد السلطان حسين كامل، أما أخوها فكان وزيرا. ويمكن بسهولة أن نتخيّل أن حياة ابنة رئيس الديوان الملكي أسهل من حياة غيرها بكثير.

هذا النوع من “الامتيازات” لعب دورا كبيرا في السينما المصرية، منذ عهد الأبيض والأسود وحتى اليوم، فكثيرات من العاملات في مجال السينما نلن فرصتهن لعوامل تتعلق بعلاقات السلطة والمال والنفوذ، كأن يكون زوج البطلة ممثلا كبيرا، كما في حالة فريد شوقي وهدى سلطان؛ أو مخرجا مشهورا، مثل عز الدين ذو الفقار، زوج فاتن حمامة، التي تزوجت بعده الفنان عمر الشريف؛ فضلا عن ثنائية ليلى مراد وأنور وجدي، الذي امتلك شركة “الأفلام المتحدة” للإنتاج السينمائي، والتي قدّمت مراد في بطولات عديدة.

وهذا الوضع تكرّر بعد ذلك في الثمانينات والتسعينيات مع الفنانة نادية الجندي، التي تزوّجت من المنتج محمد مختار، فجعلها بطلة عديد من أفلامه، وذلك بعد أن دخلت المجال على يد زوجها الأول، الممثل عماد حمدي.

ناديا الجندي ومحمد مختار

وبالنسبة لمنافستها نبيلة عبيد، فقد تزوّجت في بدايات حياتها الفنية من المخرج عاطف سالم، لتتردد بعد طلاقها أقاويل، دون تأكيدات قاطعة، عن زواجها برجال مهمين، من أصحاب النفوذ الفني والسياسي.

رغم كل هذا فلا يمكن للامتياز الطبقي والعائلي أن ينتقص من أهمية الإنجاز الذي حققته سيدات السينما في مصر، فالاستعانة بالامتياز والعلاقات لم يكن يوما حكرا على النساء، وإذا تتبعنا أصول وعلاقات كثير من الفنانين الرجال، فربما نصل إلى نتائج مشابهة. كما أن السلطة، والتفاوت، والثروة عوامل أساسية في معظم تاريخ صناعة السينما.

تطبيع الدور النسائي: من الرائدات إلى المحترفات

بعد عصر المبادرات الأولى، وابتداء من خمسينات القرن الماضي، لم يعد عمل المرأة في كواليس صناعة السينما ظاهرة ملفتة، بل أمرا عاديا، ومن العاملات في ذلك المجال مثلا ليزيت فايد، التي شاركت في كتابة سيناريو وحوار فيلم “صراع في الميناء”، الذي أخرجه يوسف شاهين في الستينات.

 الفنانة ماجدة دخلت بدورها مجال الإنتاج منذ منتصف الستينات، لتُقدّم عديدا من الأعمال، بل وكانت لها  تجربة وحيدة في الإخراج والتأليف. إلا أن الاسم الأبرز في هذا المجال كان السيدة نادية حمزة، التي أسست في منتصف التسعينات شركة إنتاج باسم “سيفن ستارز ستوديوز”، وكانت قبلها قد قدّمت أعمالا تتعلق بأوضاع النساء، مثل “بحر الأوهام” عام 1984، الذي كان من تأليفها، وليس انتاجها فقط، وعالج فكرة جريئة، هي العمل الجنسي.  

احتضنت السينما في فترة الثمانينات أسماء أخرى، مثل الممثلة والمؤلفة نادية رشاد، التي قدّمت أفلاما شهيرة في الثمانينات، تتعلق بقضايا النساء، مثل فيلم “آسفة أرفض الطلاق”، وكذلك “القانون لا يعرف عائشة”؛ والمؤلفة والمنتجة سميرة مُحسن، التي تناولت أعمالها القضايا الخاصة بالمرأة أيضا؛ وعزة شلبي، التي قدمّت أعمالا مماثلة، من بينها فيلم “أسرار البنات”.

عقد التسعينات شهد ظهور واحد من أبرز الأسماء في تاريخ السينما المصرية، وهو إيناس الدغيدي، التي بدأت بصفة مساعد مُخرج في السبعينات، ثم انطلقت في الإخراج منذ منتصف الثمانينات، وارتبط اسمها بأفلام أثارت الجدل، لما تتناوله من قضايا نسائية، ما جعل كثيرين يهاجمونها، بوصفها “تكسر قواعد وتقاليد أخلاقية ومجتمعية”. ولم يقتصر دور الدغيدي على الإخراج، بل لعبت أدوارا متعددة في التأليف والإنتاج والتمثيل.

من الفنانات اللاتي ازدهرت أعمالهن اعتبارا من السبعينات، إسعاد يونس، والتي لم تكتف بالتمثيل فقط، بل تنوّعت أدوارها، بين تأليف وإنتاج وتوزيع، في السينما والتلفزيون، وهي مازالت مستمرة في العطاء حتى فترتنا الحالية، التي شهدت تراجعا لإنتاج كثيرات من الفنانات، سواء من جيلها أو ما تلاه من أجيال.

عصر الاضمحلال: لماذا تراجع دور النساء في السينما المصرية؟

رغم كل ما يقال إذن عن ذكورية المجتمع المصري، فإن مشاركة النساء بإنتاج الأعمال السينمائية، بل لعبهن دورا قياديا فيها، يُعتبر أمرا طبيعيا ضمن الثقافة الفنية في البلد، وغير مثير لأي جدل أو استغراب، وذلك نتيجة كل ذلك التراث الطويل من المشاركة النسائية في صناعة السينما المصرية. ومع الألفية الجديدة، ازاد عدد العاملات في المجال، ليس فقط أمام الكاميرا، بل خلفها أيضا.

وعلى مدار العقدين الماضيين، اشتهرت أسماء كاتبات، مثل مريم نعوم، وشهيرة سلّام، ووسام سليمان، اللاتي ألّفن أعمالا متعددة، بين تليفزيونية وسينمائية، تتعلق بالنساء، مثل “ذات” و”فتاة المصنع” و”أريد رجلا”، و”أحلى الأوقات”، والفيلم الأخير كان ببطولة نسائية كاملة، ومن إخراج هالة خليل، التي قدّمت عدة أفلام ومسلسلات على مدار العقدين الماضيين.

من بين المخرجات الجدد من استفدن من نشأتهن في بيئة فنية، مثل منال الصيفي، ابنة المخرج حسن الصيفي؛ ونادين خان، ابنة المخرج محمد خان؛ بجانب مخرجات أخريات، مثل كاملة أبو ذكرى، ومريم أبو عوف، إلا أنهن جميعا أثبتن موهبة وتمكّنا واضحا في مجالات عملهن.

كل ذلك كان قبل أن يقلّ الإنتاج السينمائي المصري عموما، وتغرق الصناعة في حالة من الانحدار، لدرجة أن مخرجة مثل ساندرا نشأت، صاحبة أفلام جماهيرية، مثل “مبروك وبلبل” و”حرامية في كي جي تو”، غابت عن شاشات السينما لمدة تسعة أعوام، واقتصر نشاطها على تقديم بعض الأفلام التسجيلية.

ساندرا نشأت

تراجع مشاركة النساء حاليا يعود إلى اضمحلال صناعة السينما المصرية عموما، وليس بسبب ضعف مكانتهن في الصناعة، فهي مكانة راسخة منذ نشأة السينما في هذا البلد، وستبقى كذلك على الأغلب. بهذا المعنى فإن الحديث عن تهميش النساء في صناعة السينما قد يكون، للمفارقة الساخرة، “قضايا عالم أول”. مشاكل السينما المصرية، والنساء المصريات كذلك، مختلفة كثيرا عن حرب الصور والخطابات والصوابية السياسية، و”تمكين النساء” في هوليوود وغيرها.

يبقى سؤال شديدة الأهمية: إذا كانت النساء قد لعبن دورا محوريا في السينما المصرية، بل وفي جعلها “صناعة وطنية”، وانتزاعها من أيدي المنتجين الأجانب، فما الصور والأفكار، التي قدّمنها عن قضاياهن؟ هل كان لهن صوتهن الخاص فعلا، أم نطقن بلسان ذكوري؟ قد تحتاج الإجابة إلى مقالة، أو مقالات أخرى.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.