“النقد” الجنسي: هل كان لدى المعارضة السورية ما تقوله عن لونا الشبل؟

“النقد” الجنسي: هل كان لدى المعارضة السورية ما تقوله عن لونا الشبل؟

دار جدل كبير على مواقع التواصل الاجتماعي، عقب وفاة لونا الشبل، الإعلامية والمستشارة الخاصة للرئيس السوري بشار الأسد، إثر حادث سير في العاصمة دمشق. دخلت الشبل إلى العناية المركزة لعدة أيام، ثم توفيت في مستشفى “الشامي”، وفقا للرواية الرسمية للنظام السوري.

كرّست شبل نفسها، لأكثر من عشر سنوات، ومنذ بداية الحرب السورية، في خدمة النظام السوري، وتلميع صورته والدفاع عنه. ومع ذلك، توفيت في نهاية المطاف بطريقة وِصفت بـ”الغامضة“. وعلى الرغم من انتشار شائعات كثيرة حول تصفيتها عمدا، بسبب خيانتها النظام، أو التخابر الخارجي، أو الاختلاس، لم يحاول النظام نفي تلك الروايات، حتى بشكل غير مباشر، بل على العكس، لم تُقم للشبل جنازة رسمية، رغم منصبها في الدولة، ولم تحظ وفاتها بالاهتمام الإعلامي، الذي تلقاه عادةً الشخصيات البارزة في الحكومة السورية.

اختلفت الآراء كالعادة. اختار بعض مؤيدي النظام الصمت، لعدم قدرتهم على اتخاذ موقف، طالما لم يتلقّوا توجيهات رسمية؛ ونَعاها عدد قليل ممن لم يصدق روايات الخيانة والتخابر. من ناحية أخرى، شمّت بعض مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، المعارضين للنظام، بطريقة وفاتها، بسبب ولائها للنظام، وترويجها لروايته؛ رأى آخرون أن وجودها واستمرارها في هذا المنصب يمثّل تأييدا لما يرتكبه النظام من جرائم بحق الشعب السوري، معتبرين أن خطابها كان داعما للعنف، وتزييف الحقائق، على الرغم من أن مدينتها السويداء كانت من المدن التي ثارت على النظام السوري منذ البدايات، وعادت إلى التظاهر بشكل يومي منذ قرابة العام.

هذا الجدل كله قد يبدو اعتياديا، بخصوص أية شخصية سورية إشكالية، تداخلت في مسارات الحرب والسياسة في البلد، إلا أن الانتقادات الموجهة إلى الشبل لم تقتصر على الاتهامات بالفساد والخيانة والتخابر، ودعم نظام مُتهم بارتكاب جرائم حرب. بل تضمّنت أيضا شتائم تتعلق بكونها امرأة،  ووصفها بـ”العاهرة”، واتهامها، دون الاستناد إلى إثباتات دقيقة، بأنها وصلت إلى منصبها عن طريق تقديم التنازلات الجنسية. وهي على ما يبدو طريقة، يجدها المجتمع الأبوي فعّالة، في النيل من كرامة النساء بشكل عام لدى أي خلاف، مهما كان نوع الخلاف وسببه.
ولكن كيف “انتقد” مثقفو المعارضة ممارسات لونا الشبل ومسيرتها؟ هل قدموا ما هو أفضل من مجرد الإساءة السهلة؟ وماذا يقول كل هذا عن الثقافة السورية المعاصرة؟

قضية فرزات: ماذا تعلّمنا من “الفنان السوري-العالمي”؟

قام رسام الكاريكاتير السوري علي فرزات برسم كاريكاتير مهين للشبل، مختارا الإساءة لها بوصفها امرأة، والسخرية منها، عبر رسم يظهر قطعة ملابس داخلية “فاضحة” على تابوتها. ضمن العقلية الذكورية، فهذا يعني أن ذلك النوع من الملابس، دليل على دناءة السيدة، وهو لوحده يكفي رمزا، يختصر كل فسادها وشرها، ويريح من عناء توجيه نقد لفسادها السياسي، أو حتى توجيه نقد أخلاقي فعلي لها، يتجاوز مستوى الملابس الداخلية.

هذه ليست المرة الأولى، التي يقوم فيها فرزات بإهانة النساء عبر أعماله، إذ قام منذ عامين برسم امرأة عارية، يبدو أنها السيدة رنا حبوش، نائب رئيس الائتلاف السوري المعارض، معلّقا على جزء من جسدها بالقول إنه “مدعاة الفخر الوحيدة للائتلاف السوري المعارض” . وقد لاقى ذلك الرسم وقتها انتقادات، وأثار موجة خفيفة من الغضب على وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصا أن الرسم كان يوجه نقدا لامرأة تنشط في الجسم الأساسي للمعارضة.

رغم ذلك، تمسّك فرزات بوجهة نظره، ولم يعتذر. وفي كلتا الحالتين، سواء الكاريكاتير المهين للشبل، أو كاريكاتير السيدة في الائتلاف، لاقى إعجابا كبيرا من أغلب جمهوره، بما في ذلك رجال ونساء، يقدّمون أنفسهم بوصفهم ليبراليين ونَسويين.

ولابد من التذكير هنا أن بعض المعارضين قاموا بوصف النساء بـ”العاهرات” و”الطاهرات”، حسب انتماءاتهنّ السياسية، فكانت التي عارضت النظام طاهرة، ومن أيّدته عاهرة. ويبدو أن نقد النساء، وفق هذا المنظور الأبوي، شديد السهولة، فهن يندرجن تحت نعتين عامين فقط.

من الملاحظ أيضا أن فرزات تلقى بعض انتقادات، عندما رسم امرأة من المعارضة، بينما غابت تلك الانتقادات تماما عندما أهان امرأة من الجهة الموالية للنظام. فلم تُسمع أصوات النسويات في انتقاد عمله، الذي يسيء للنساء جميعهنّ، على الرغم من أنه ليس فنانا مغمورا، بل يُعتبر فنانا ذا تأثير اجتماعي كبير، ويسمّى أحيانا “الفنان السوري-العالمي”، لذلك محاسبته يجب أن تكون أولوية، لأنه يقوم، عبر أعماله، بترسيخ القيم، وفي حالتنا القيم الأبوية الدكتاتورية.

كان فرزات أيضا من أوائل الفنانين، الذين انضموا إلى صفوف المطالبين بالديمقراطية والعدالة، في بداية عام 2011. لكن يبدو أن حقوق النساء واحترام كرامتهن، ليست ضمن قائمة المطالب بالعدالة الإنسانية في سوريا.

الحيّز الذكوري: ما وظائف النكتة الجنسية عن النساء؟

الانتقام من المرأة العاملة في المجال السياسي، عبر التلميحات الجنسية والاتهامات بالعهر، ليس بالأمر الجديد على الحيز العام، في بلدان العالم المختلفة، ويعكس أُبوية المجتمع، والتمييز ضد النساء، المتجذر حتى بين النُخب والرموز الثقافية.

تُعتبر التلميحات الجنسية وسيلة فعالة للتقليل من شأن المرأة، إذ يتلقاها الناس بشغف، ويعيدون تداولها والسخرية منها، خصوصا إذا كانت المرأة تعمل في الشأن السياسي أو المجتمعي. بذلك يتحول التركيز من إنجازاتها أو أخطائها، إلى حياتها الشخصية، ما يقلّل من مصداقيتها واحترامها.

دخول النساء إلى الحيز العام، والعمل بالسياسة، أو إبداء الآراء السياسية، يبدو مستفزّا للمجتمع الأبوي، لأنه يُخرج النساء من القوالب النمطية الجندرية، التي تضعها في خانة الكائن الجنسي ذي الوظيفة الإنجابية، والذي يحمل أيضا شرف الرجال المحيطين به. ما يستوجب إهانتها، عبر اتهامها بتقديم التنازلات الجنسية.

لا تقتصر عواقب مثل هذه الاتهامات، أو الفكاهة الجنسية، التي تستهدف النساء، على تشويه سمعتهن فقط، بل تنزع عنهن شرعيتهن في امتلاك السلطة السياسية أو النفوذ، ويجعلهن يشعرن بالخوف والإحراج. وقد يفضلن لذلك الانسحاب من الحيز العام. وبذلك يطمئن المجتمع الأبوي على استمرار سلطته، وهيمنته الذكورية، وتحكّمه في الفضاء العام.

وطالما أن النساء، والمنظمات النسوية بالدرجة الأولى، لا تتصدى لأفعال كهذه بطريقة فعّالة، فإن هذه التهديدات أو التلميحات الجنسية ستبقى وسيلة أساسية لتشويه سمعة النساء، وتحطيم صورتهن اجتماعيا، مهما كان السبب، وأيا كانت المرأة، وميولها السياسية.

وفقا لتحقيق أجرته جريدة نيوزنايت، استخدم دراسات مقارنة للسياسيين في المملكة المتحدة وأوروبا، تتعرّض النساء العاملات في الحقل السياسي لإساءات أكثر من نظرائهنّ الرجال، وتتسم هذه الإساءات بتركيزها على الجنس والمظهر. وكشف التحقيق أن “حزب البديل من أجل ألمانيا” اليميني الشعبوي على سبيل المثال، ينشر بانتظام إهانات للنساء، أكثر من الأحزاب الأخرى، ويعلّق عليها متابعو صفحات الحزب بتعليقات مهينة، وتلميحات جنسيّة، تتعلق بقدرة النساء على تحقيق أهدافهنّ عبر علاقات جنسية.

تتلقى بعض السياسيات تهديدات بالاغتصاب، وأكثر من ربع الإساءات الموجهة إليهنّ على منصات التواصل الاجتماعي، تركز على مظهرهنّ الجسدي، وجنسهنّ وحياتهنّ الجنسية. بينما لا يتعرّض السياسيون الرجال، الذين يحملون الآراء نفسها، للنوع نفسه من الإساءات.

اعتبار هكذا اعمال مجرد جنون، أو عدم تهذيب، أو حتى إحدى طرق التعبير عن الرأي، أمر جد خطير على المجتمع، لأنه يسهّل التسامح مع التمييز الجنسي ويبرره.  وتُظهر بعض الدراسات أن بعض الرجال يبدون استعدادا أكبر للتقليل قيمة المرأة، بعد تعرّضها للنكات الجنسية.

بكل الأحوال، وفي “الشرق” أو “الغرب”، فإن الفكاهة الجنسية تؤذي المرأة المستهدفة، وتقلل من شرعيتها، سواء كانت سياسية أو فنانة أو معلمة، أو أيا كان عملها، مما يبرز أن القوة الحقيقية مملوكة للرجال، والنساء اللاتي يحاولن المطالبة بها إما سخيفات أو مثيرات للاشمئزاز أو عاهرات. هذه الظاهرة تُعرف بـ “معضلة القابلية للقبول والكفاءة“، إذ تُعتبر المرأة ذات الكفاءة العالية أقل جدارة بالحب، مقارنة بالرجال، ذوي الكفاءة المماثلة.

الصمت النسوي: هل رفض التعريض بالشبل دفاع عن النظام؟

وبعيدا عن جهات يمينية، مثل حزب “البديل” الألماني، فإن التحيّز الجنسي من طرف التقدميين المفترضين، ومن الرجال “الثوريين”، يكون محبطا، أكثر منه عندما يأتي من أولئك الذين لا يدّعون أساسا أنهم مع حقوق النساء، ولا يتظاهرون بدعمهنّ. فمن المعروف أن بعض الرجال “التقدميين” يتظاهرون بدعم النسوية، لكنهم في الحقيقة يحاولون فقط إملاء شروطهم لإسكات النساء.

لكن الأكثر إحباطا هو تلك النسوة، اللواتي يتبادلنّ القهقهات والضحكات، ويبدينّ إعجابهنّ عندما تتعرض امرأة للإهانة، بناء على جنسها، حتى لو كانت مجرمة، وحتى لو كنّ على خلافات جوهرية معها، لأن الأمر لا يتعلّق بها فقط، فهذا سوف يصبح مع الوقت نمط انتقام عادي، ومن جميع النساء، طالما النساء هنّ أول من يتسامح مع الاساءة.

الأكثر إحباطا أيضا هو النسويات اللواتي لا نسمع لهنّ صوتا، عندما ينبغي أن تعلو أصواتهنّ للتنديد بالذكورية وإهانة النساء. هذا الصمت يمكن أن يُفسَّر، من قِبَل البعض، على أنه موافقة ضمنية على التحيّز الجنسي، وأن النسويات انتقائيات في القضايا التي يدعمنها.

في حالة لونا الشبل، التي انحازت للقاتل، وللجرائم ضد الإنسانية، فلا أحد يطالب النسويات بالدفاع عن مجرمة، لكن النساء الأخريات، اللواتي يتم ابتزازهنّ والسخرية منهنّ جنسيا، لسنّ شركاء للمجرمين. والصمت على إهانة امرأة، بناءً على جنسها وجسمها، حتى لو اختلفنا معها، يفتح الباب لإهانة أخريات، ويعكس موافقة ضمنية، بأننا نسمح بإهانة من يختلف معنا.

لا يمكن لمؤيدي النظام ومعارضيه انتهاك خصوصية النساء، والسخرية من كرامتهنّ، وفقا لأهوائهم. احترام كرامة النساء، والوقوف ضد التحيز الجنسي، ينبغي أن يكون موقفا مبدئيا، لا يخضع للانتقائية. ويتطلّب موقفا واضحا من الجميع، خاصة النسويات.

من ناحية أخرى، فإن لجوء مثقفي المعارضة، إلى هذا المستوى السهل والمبتذل من الإساءة، بدلا من النقد المركّب، يشير إلى فشل فكري وسياسي عام لدى تلك المعارضة. بالطبع مثقفو النظام ليسوا في مستوى أفضل. وبالتالي فربما تكون طريقة التعاطي مع مقتل لونا الشبل علامة على فشل عام في الثقافة السورية المعاصرة.

وطالما معظم مثقفينا ذكوريون، مثل علي فرزات، وبما أن مجتمعنا ذكوري، ولا يوجد لدينا قانون يحمي النساء، فنحن مضطرون لمطالبة النساء، سواء كن مواليات أو معارضات، بالتضامن ضد الذكورية، حتى لا تكون كل واحدة منّا ضحية مفترضة قادمة. وربما سيساعد هذا أيضا برفع السوية الثقافية، وكذلك الأخلاقية، لمن يعتبرون “نخبا سورية”.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
4.2 11 أصوات
تقييم المقالة
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات