سلطات أخلاقية: إلى أين يوصل “قانون البغاء والشذوذ الجنسي” في العراق؟

سلطات أخلاقية: إلى أين يوصل “قانون البغاء والشذوذ الجنسي” في العراق؟

لم يعد في العراق ما يمكن اعتباره اتفاقا حول مفهوم العيش والمشترك، ومفهوم الحياة عموما، إذ يعاني العراقيون، في ظل الحكومات المتعاقبة، من تشويش قيمي حول أبسط وأكثر الأمور المتفق عليها عالميا، مثل حق الحياة، والكرامة، والحرية. ولو أعدنا قراءة كل القوانين والإجراءات، التي صدرت منذ العام الماضي وحتى الآن، سوف نجد أنها تضرب أساسيات العيش بكرامة، لينتقل الإنسان من النقاش حول حقوقه العادية، والخدمات المطلوبة من الدولة، إلى مناقشة البديهيات، التي يجب أن تشكّل الخطوط الحمراء للمواطنة.

وهذا الأمر ينطبق بصورة جلية على قانون “البغاء والشذوذ الجنسي”، الذي صُوِّت عليه، في نهاية شهر نيسان/إبريل من العام الجاري 2024، وإذ أردنا، تجنّب العقوبة، التي تصدر بحق الذين يناقشون القانون بصورة علانية، بالسجن لمدة لا تقل عن سبع سنوات، وغرامة لا تقل عن عشرة ملايين دينار، بتهمة “الترويج للشذوذ”، فعلينا أن نكتفي بطرح بضعة أسئلة مهمة: إذا كان القانون يحدد بشكل جدّي من هو “الشاذ”، وعقوبته، وعقوبة من يتحدث عنه، لماذا هناك بعض الفقرات الغامضة فيه؟ ولماذا على المغايرين، أو “الناس العادية”، التي لا تملك ميولا مختلفة، الخوف منها؟ وكيف يمكن استخدام بعض الفقرات لمعاقبة فئات كثيرة من العراقيين، غير “الشاذين”؟

فحوص أخلاقية: من أين نعرف البغي والشاذ؟

تُعرّف المادة الأولى من القانون “البغاء” على أنه “تكرار ممارسة الزنا، مع أكثر من شخص، بأجر أو بدون أجر”. كان الأجر فيما سبق هو المحدد لعملية البغاء، لكن مع القانون الجديد، لا يهم إذ كنت تتقاضى الأجر أم لا. في نهاية المطاف لو تعددت العلاقات، سوف تصبح “بغيا”. إذ لا يهم إن كنت تتعرض للاستغلال الجنسي، أو تقوم بعلاقة رضائية.

الوصف هنا واحد، وهو ينتهك حريات الفرد، باختيار طريقته في العيش. ووفق هذا التعريف، يعتبر البيت (الحيز الخاص) الذي تمارس فيه أفعالك، بيت دعارة، وعلى هذا الأساس يتم الحكم والعقاب على الفعل، ومن هنا أيضا تنتهي الحدود بين الحيزين الخاص والعام، إذ تصبح الدولة قادرة على انتهاك خصوصيتك في أي وقت. وقد تُركت نقطة الكشف عن العلاقة بين اثنين لتقدير الشرطة. ولا نعرف، هل الاعتقال يقوم على أساس التبليغ؟ أو الإضرار بالآداب العامة؟ أم طرق أخرى غيرها؟ هل يحق للشرطة انتهاك الحيز الخاص وفق شكوكها؟

هذه أسئلة تُركت مفتوحة، لتفتح مساحات جديدة من الانتهاكات.

أما عن “الشذوذ”، فلو تجاوزنا كل المصطلحات الفضفاضة، الخاصة بتعريف التخّنث، والقوانين الصادرة بحقه، يبقى هناك أيضا تساؤل، لم يجب عنه القانون: كيف يمكن للدولة أن تكشف مثلية الفرد؟ هل تعتمد آلية التبليغ؟ أم تتجه لمداهمة بيوت المشكوك بأمرهم، وإمساكهم متلبسين؟ أم أنها سوف تلجأ إلى خيارات أشد قسوة؟

من خلال مراجعة إجراءات الدول، التي تمنع العلاقات المثلية، مثل تنزانيا ومصر وأوغندا، وفيما سبق تونس، وغيرها من البلدان، فقد اُعْتُمِدت الفحوص الشرجية لإثبات مثلية المتهمين. والفحص الشرجي طريقة تعود إلى القرن التاسع عشر، تتضمن إدخال الأطباء، أو غيرهم من العاملين الطبيين، أصابعهم قسرا، أو باستخدام أدوات أخرى، في فتحة الشرج، لتحديد ما إذا كان للشخص علاقة جنسية شرجية.

تجارة الحلوين: هل يمنع القانون “البغاء” و”الشذوذ” حقا؟

ورغم أن القانون بفقراته كلها مدعاة إلى العجب، إلا أن هناك مواد أغرب من غيرها، ولا يمكن تجاهلها. تكمن أولى العجائب في المادة رقم (4)، التي حددت عقوبة لمن يمارس “الشذوذ” داخل السجن، تصل لسبع سنوات، أو ماديا بمبلغ يبدأ من ثلاثة ملايين، ولا يزيد عن خمسة ملايين دينار. وهذا المبلغ لا يُقارن بما يدفع للسجون لشراء “الحلوين”، أي الشباب جميلي الوجوه. فمن يملك آلاف الدولارات، لن تثنيه عقوبة ثلاثة ملايين دينار.

 ومن المثير للاهتمام في المادة المذكور أنها لا تشير لمن يستبقي أو يشتري “الحلوين”، على الرغم من ذكر ذلك في المادة التي تليها، وهذا يأخذنا للمادة (5)، التي تعاقب كل من استبقى شخصا، من أجل “الشذوذ أو البغاء”، بسجن لا يزيد عن عشر سنوات، في حين تعاقب المادة رقم (6) كل من مارس العلاقة الجنسية الرضائية بالسجن مدة لا تقل عن عشر سنوات. هنا يمكن للقانون معاقبة المعتدي عليك، إذ كنت فوق سن الثامنة عشر، بصورة أخف مما لو كنت تقوم بعلاقة رضائية، فالاغتصاب يمكن التخفيف من أحكامه، لكن رضا الفرد يعرّضه للسجن سنوات أكثر.

كذلك فَرّق القانون بين المعتدى عليهم، في حال كانوا فوق سن الثامنة عشر أو تحته، في حين لم يفرّق بين من يمارسون “الشذوذ الجنسي”، سواء كانوا مراهقين أو لا، واعتبر العقوبة واحدة. وهذا غير مألوف في أي قانون، فحتى في الجرائم الكبرى، يكون هناك فارق في الحكم بحسب السن، لكن هذا الأمر لا يشمل “قانون البغاء والشذوذ الجنسي”.

نعلم بالطبع، وحسب تقارير كثيرة، كمية العنف التي يتعرّض لها السجناء داخل سجون العراق، من ابتزاز وتعنيف، وحتى الاغتصاب وهتك الأعراض. ورغم حرص الدولة على اعتقال المثليين، إلا أنها بقيت صامتة تجاه ظهور تقارير عدة، تثبت “التجارة بالحلوين”، وهي تجارة تقوم على بيع الشباب من ذوي الوجوه الجميلة، وفي الغالب سنهم صغير، بين 15 و20 سنة، إلى “كبار السجناء”، الذين يتلقون معاملة مميزة، وهم في الغالب سجناء إرهابيون.

وهذا ربما يقودنا للتساؤل حول غياب السن القانوني في أحكام “قانون البغاء والشذوذ الجنسي”: هل يمكن أن تشكّل هذه المواد أرضية ملائمة لرفد السجون بالشباب “الحلوين” دون قصد؟ وخصوصا من هم دون السن القانوني، ومرغوبين من قبل “كبار المساجين”؟ 

لذا تشكل تجربة الدخول إلى الحجز فقط رعبا حقيقيا للشباب من ذوي الميول الغيريّة، فما بالك بالكويريين. ويمكن للسلطات، وفق مطاطية قانون “البغاء والشذوذ الجنسي”، اعتقال أفراد تشك في ميولهم الجنسية، لتعريضهم لشتى أنواع الإهانة، ثم تدخلهم السجون، ليتعرضوا لأهوال هناك، ويصبحوا ضحية للاتجار بالبشر. وبعد ذلك قد تفرج عنهم لعدم كفاية الأدلة، أو ربما عدم توسّع الشرج كفاية.

أما عن النساء، فتعتبر دور إيوائهن شبه معدومة في العراق، والمتوفّر منها يشكّل خطرا على حياة القادمات إليه. إذ عُرضت قبل مدة فيديوهات، تُظهر تعرّض الفتيات للتعنيف.

ومع عدم وجود مأوى، وغياب القانون الذي يحمي النساء من العنف الأسري، ومنعهن من السكن بصورة منفردة في الفنادق، وفي بيوت الإيجار، تلجأ النساء للعمل في مجال الرقص أو الملاهي، إذ تعتبر هذه الأبواب مفتوحة أمامهن، ولا خيار آخر. وتشكّل الملاهي واردا جيدا لكثير من العصابات والميليشيات. فهل يمكن أن يشكّل القانون الأخير المُشدّد طريقة لابتزاز النساء، والضغط عليهن، من قبل تلك العصابات، ليبقين تحت سيطرتها؟

سجون عامرة: هل سيلقى المتهمون مصير “جوجو”؟

في تقرير نشر في موقع “إندبندنت عراقية: بتاريخ الرابع من حزيران/يونيو 2024، كُشفت بعض الحقائق عن وفاة عبد الله عبد الأمير، المعروف بـ”جوجو”، وهو متحوّل جنسيا، اتُهم بقضايا ابتزاز وتشهير بحق شخصيات كثيرة، وأعلن عن وفاته، في الثالث عشر من شهر أيار/مايو 2024، بسكتة قلبية. يؤكد التقرير تعرّضه لاعتداء جنسي متكرر، من قبل حراس “الإصلاحية” التي كان بها، ودس السم له، بعد الانتهاء منه.

قام رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، على إثر نشر التقرير، بتشكيل لجنة من وزارتي العدل والداخلية، للتحقيق في ملابسات مقتله .

لم يكن تقرير وفاة جوجو هو الأول، ولن يكون الأخير، إذ إن الاعتداء الجنسي على المتحولين و”الحلوين”، والمتاجرة بهم، تطفو بين فترة وأخرى على الساحة، وفي الغالب يتم تجاهلها، ومع القانون الجديد، سوف تزداد أعداد الأفراد الكويريين في السجون، ويضاف لهم الأفراد، الذين لا يلائمون الهوية المفروضة من الدولة، سواء كانت هوية جنسية أو سياسية، ليصيروا عرضة للإتجار بهم.

وكما تم استغلال عديد من المواد القانونية الأخرى، في زج كثير من الشباب في السجون العراقية بدون محاكمة، فسوف ينطبق هذا الأمر على قانون البغاء، إلا أن الفرق سيكون بعدم قدرة الشعب على مناقشة القانون، كي لا يتعرضوا لعقوبة “الترويج للشذوذ”. وهذا غريب فيما يتعلّق بقانون، من المفترض أنه أخلاقي، نابع من أفكارهم وقيمهم الثابتة.

يكفي في المجتمع العراقي أن يقال عن شخص ما: “يدور حلوين”، حتى يكفّ الناس عن الدفاع عنه، في حال تعرّضه لأي نوع من الاعتداء، وهذا ما تدركه الحكومة العراقية، إذ يكفي لها أن تلجم أفواه الشعب بقوانين “أخلاقية”، لردعهم عن التدخل في قراراتها.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
4 4 أصوات
تقييم المقالة
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات