من “سيمل” إلى “الحشد”: كيف دُمج المسيحيون العراقيون في “دين الدولة”؟

من “سيمل” إلى “الحشد”: كيف دُمج المسيحيون العراقيون في “دين الدولة”؟

أثارت تريسي جاكوبسون، المرشحة الجديدة لمنصب السفير الأميركي في العراق، كثيرا من اللغط بين أنصار الميليشيات الولائية في العراق، بعد تصريحاتها أمام أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي. إذ أكدت أن على رأس سياساتها، في حال تم تأكيد تسليمها المنصب، مواجهة الدور الإيراني في العراق، المتمثل بشكل رئيسي في الميليشيات الموالية لطهران، و”دورها الخبيث” في المنطقة.  

يبدو من هذه التصريحات أنه قد بات هناك اهتمام دولي واسع بوضع الميليشيات في العراق، التي تغلغلت إلى جذور الدولة، وباتت لها تأثيرات إقليمية واسعة، ما استدعى خروج مثل هذا الخطاب الصريح من السفيرة المتوقّعة.

ربما يمكن القول إن منظومة الميليشيات أصبحت جوهر النظام السياسي العراقي، فهي متداخلة في كل جوانبه، على مستوى الحكومة ومجلس النواب والنظام القضائي. وتسيطر بشكل واضح على الشارع والفضاء العام. وهي أوسع من أن تكون مجرّد ميليشيات طائفية شيعية، موالية لإيران لأسباب عقائدية، بل باتت تستوعب طوائف أخرى وأقليات، فيما يمكن وصفه بملشنة الوجود الاجتماعي والسياسي العراقي.

وأبرز مثال على ذلك هو ملشنة الأقليات المسيحية، بتنوّع طوائفها وإثنياتها. وقد تم ذلك أساسا من خلال تنظيم فصائل مسيحية مسلّحة، منضوية تحت إطار “الحشد الشعبي”. وهو بدوره بات رسميا جانبا من القوات المسلّحة العراقية، بعد انتهاء الحرب ضد تنظيم داعش.  

الكلام عن “المسيحيين” في العراق، لا يعني تنميطهم طائفيا، أو نفي تنوّعهم العرقي والثقافي، وإنما يفيد بالتنبيه إلى مسألة تأسيسية في الدولة العراقية، وهو أنها قامت على التمييز بين مجموعات تنتمي لـ”دين الدولة” (المسلمون) وأخرى لا تنتمي له (المسيحيون واليهود وغيرهم من الأقليات غير المسلمة)، وهذا التمييز مستمر معنا حتى اليوم، وحتى بعد انحدار الدولة إلى الحالة الطائفية والميليشياوية الصريحة.  

وحتى تتضح الصورة أكثر، لابد أن نفهم كيف وصل حال المسيحين إلى هنا. ما الأسلوب الذي اتبعته الميليشيات في “دمجهم”؟ وما تبعات هذه العملية على المسيحين انفسهم؟ وهل باتت الميليشيات هي الأسلوب الوحيد لتحقيق وظيفة الاندماج في هذا النمط من المجتمعات والدول؟

أبطال وطن: كيف تعامل “دين الدولة” مع المسيحيين؟

من الملفت للنظر أن تاريخ تأسيس الدولة العراقية الحديثة مرّ بمرحلتين أساسيتين: الأولى تمت على أجساد المسيحيين؛ والثانية تمّت أيضا على أجسادهم.

في المرة الأولى وقعت “مذبحة سميل” عام 1933، التي حصلت بإيعاز من الضابط بكر صدقي، وتحت حكومة رشيد عالي الكيلاني، وتم فيها قتل وتهجير المسيحين الآشوريين من شمالي العراق، بداعي أنهم يدعون للانفصال، ويرفضون الجنسية العراقية. وصُوّرت تلك الحادثة، من قبل القومين آنذاك، بوصفها أول انتصارات الدولة العراقية الناشئة، على المتمردين الذين يريدون تفكيكها، وإثباتا لوحدتها وهيمنتها. عادت كتيبة الجيش العراقي التي قامت بالمجزرة إلى بغداد، لتُستقبل استقبال الأبطال الفاتحين، ورُقّي الضابط بكر صدقي، تكريما لوطنيته الشديدة.

بكر صدقي

المرة الثانية كانت بعد احتلال العراق عام 2003، فدولة ما بعد الاحتلال لم تقم أيضا، رغم اختلاف السياق والمنفّذ، إلا على قمع وقتل المسيحيين، وللهدف نفسه، وهو إثبات هيمنة “دين الدولة”، أو الأمة أو الخلافة، على كل الفضاءات. القتلة هذه المرة كانوا القاعدة وداعش والميليشيات الشيعية. والفظائع التي ارتكبت كثيرة، ولا داعي للتذكير بها، خاصة أن الدماء لم تجف بعد.

يمكننا أن ندّعي أن المرحلة الثانية ما هي الا تطور طبيعي عن سابقتها، وعن الأفكار القومية التي سيطرت على العراق ومحيطه طيلة القرن الماضي. فقد قامت فكرة الدولة الحديثة في العراق، وهو من أكثر بلدان العالم تنوعا عرقيا ودينيا وثقافيا ولغويا، على محاولة الوصول إلى نسيج متجانس، يدمج المختلفين فيه، وينبذ غير القابلين للدمج. ما تغبّر فقط عبر الزمن هو طبيعة ذلك النسيج الأحادي. فقد كان قوميا عربيا/إسلاميا، وازدادت أسلمته بالتدريج على مر العقود، حتى وصلت ذروتها في النصف الثاني من حكم صدام حسين للبلد، وبالتحديد بعد حرب الخليج الثانية. لتتفكك تلك “الإسلامية”، التي كانت ممركزة في الدولة، بعد غزو العراق، وتنتشر بين عدد كبير من الجماعات الإسلامية المسلّحة، السنيّة والشيعية. ونصل بعدها إلى الأحادية الطائفية. فـ”دين الدولة” لا يجب أن يكون الإسلام فحسب، بل مكرّسا لمذهب معيّن. ما أدى للدخول في حرب طائفية شديدة الدموية، للوصول إلى النسيج المتجانس المهيمن. وطبعا كان المسيحيون الحلقة الأضعف في ذلك الصراع. خاصة أنهم “الأقلية الأكبر”، والتي عليها الأضواء. كل الأطراف ضربت المسيحيين، وكلها حاولت تطويعهم بما يتناسب مع النسيج المتجانس، أو إفنائهم بكل بساطة.

وبالرغم من أن النظام العراقي الحالي يُعدّ نظريا ودستوريا نظام “تعددية ثقافية”، ويقوم عقده الاجتماعي المفترض على التفاهم بين “مكونات”، إلا أن إرث الدولة القومية، المنحلة للطائفية والميليشياوية، كان له الدور الأكبر في الممارسة السياسية العينيّة. فسرعان ما تحوّل هذا النظام الى محاصصة فاسدة مستدامة، وساحة للصراع بين “المكونات”، على المكتسبات السياسية والاقتصادية، ومحاولة كل منها فرض إرادتها على الفضاء العام، وتحديد طبيعته.

الحشد المسيحي: مَنْ القادة الجدد لمجتمعات الأقليات؟

إن ملامح محاولة السيطرة على المجتمعات المسيحية، واحتوائها في النظام الطائفي الجديد، بدأت منذ نشأة ذلك النظام، وكانت جزءا تكوينيا منه. ما أدى لهجرة جماعية واسعة للمسيحين العراقيين. فلم يبق منهم إلا ما يقدّر بـ350 ألف نسمة، بعد أن كان عددهم حوالي مليون ونصف، في تسعينيات القرن الماضي.

حاولت الأحزاب الإسلامية المهيمنة منذ البداية، السيطرة على مقاعد كوتا المسحيين في البرلمان العراقي. إلا أن الأمر تجاوز الصراعات السياسية والحزبية، ليتم إدخال المسيحيين في الحالة الميليشياوية بداية من عام 2014، بدعوى مساعدتهم للدفاع عن أنفسهم ضد داعش، فتم تكوين فصيلين مسلحين مسيحيين: و”حدات حماية سهل نينوى” و”كتائب بابليون”.

والفصيل الأخير كان الأقرب للأحزاب الموالية لإيران وميليشياتها، وتربط قائده، ريان الكلداني، علاقات وثيقة مع قادة في الحرس الثوري الإيراني، مثل قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، قبل اغتيالهما. ومن خلال هذا الفصيل، والدعم الذي تلقاه من إيران وولائييها، استطاع ريان الكلداني وضع يده على كثير من ممتلكات المسيحين، وإقناع رئيس الأساقفة السابق للسريان الكاثوليك، يوحنا بطرس موشي، بالتوقف عن معارضة خطط “كتائب بابليون”، لتأسيس قاعدة لها في قضاء الحمدانية، وهو قضاء في محافظة نينوى، تسكنه أغلبية سريانية، وكذلك إرغام “وحدات حماية سهل نينوى”، الأكثر ارتباطا بالكنيسة، على الانضمام إليه.

ريان الكلداني

لم يتوقف الكلداني عند هذا الحد، وإنما عمل على تكوين حزب سياسي، يشارك في الانتخابات، حتى يكون الغطاء السياسي لممارساته. فكوّن “قائمة بابليون”، واستطاع، بدعم حلفائه المقربين من إيران، أن يحصل على أربعة مقاعد، من أصل خمسة مخصصة للمسيحيين.

إنه النمط نفسه، الذي اتبعته بقية الميليشيات تجاه “المكونات” العراقية، وهو يقوم أساسا على تصدير أوجه جديدة، لا حيثية لها في مجتمعها إلا السلاح، ونبذ أو إخضاع القيادات التقليدية، ما يمكّن المسلحين من السيطرة على الأراضي والثروات، وفرض الإتاوات، بحجة الحماية، تمهيدا لتحقيق النفوذ السياسي تحت قبة البرلمان.

تقوم المنظومة الميليشياوية العراقية إذن على نمط من الهرمية، قاعدتها السلاح، وقمتها التمثيل السياسي. وتدمّر المجتمعات التقليدية، وتغيّر ثقافاتها، بما يرضي داعميها الأساسيين (والداعم الأكبر طبعا هو إيران). وبالتالي فهي ليست تعبيرا عن “ثقافة المجتمع”، بقدر ما هي تمزيق شامل لها. هكذا بالضبط أُدمج المسيحيون في الدولة العراقية الطائفية، أحادية الهوية الانتماء. ولكن ما نتائج كل ذلك؟

ضد الكنيسة: لماذا يريد المسلّحون المسيحيون إسقاط البطريرك؟

قبل أن نسرد تبعيات إيجاد فصيل مسلح باسم المسيحيين، لابد أن ننوّه أن شعور الأقليات، تجاه من يدّعى تمثيلهم، عبر فصيل مسلّح أو حزبه السياسي، هو الشعور نفسه لدى بقية الطوائف والقوميات “الكبرى”، ألا وهو أن هذه “الطبقة السياسية” لا تمثّلهم ولا تمثّل مصالحهم، وإنما مجموعة من الفاسدين، الذين يتاجرون بالدم والهوية. وهو شعور يمكن رصده في كثير من المجالات، من التصريحات على الإعلام والمقالات المكتوبة، وحتى الأحاديث الشفوية المتداولة بين الناس.

فمثلا يؤكّد البطريرك الكلداني الكاثوليكي لويس روفائيل ساكو، في أغلب لقاءاته، على ذلك. ولذلك اندفع ريان الكلداني للتضيق عليه، من خلال عدة خطوات. أولها اللقاء مع رئيس الجمهورية العراقية عبد اللطيف جميل، وحضّه على سحب “المرسوم رقم 147″، وهو الأمر التنفيذي الصادر في بغداد عام 2013، الذي يعترف بتعيين ساكو رئيسا للكنيسة الكلدانية الكاثوليكية في العراق والعالَم. وبعدها أصدرت محكمة الكرخ في بغداد أمر استقدام بحق البطريرك ساكو، ما دفعه للخروج من بغداد، والتوجّه إلى أربيل، عاصمة إقليم كردستان، تجنّبا لتلك المضايقات.

البطريرك الكلداني الكاثوليكي لويس روفائيل ساكو

يسعى الكلداني إذن للتضيق على الكنيسة، وتشويه سمعة البطريرك، لتنصيب نفسه زعيما وحيدا على المسيحيين في العراق، وهو دورٌ من شأنه أن يضع الأوقاف المسيحية، التي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات، تحت تصرّفه. فبعد انهيار الركائز السياسية للمجتمع المسيحي، لم تبق إلا الكنيسة عائقا بوجه أطماعه، بوصفها المؤسسة العراقية الوحيدة القادرة على الدفاع عن مصالح المسيحيين.

لا تتحرك “كتائب بابليون” وفق مصالح أي فئة من فئات المسيحيين، وإنما لخدمة حلفائها من الأحزاب والفصائل الأكبر، وتحديدا الموالية لإيران، والتي تسهّل لها عمليات السطو على ممتلكات المسيحين، خاصة المٌهجّرين منهم، الذين خلّفوا وراءهم كثيرا من الأصول المادية والعقارية. ولو قام مسيحي مُهجّر برفع دعوى ضد عمليات الاستملاك تلك، يُهدّد المحامي الذي يمثّله بسلاح الميليشيات.

لقد أفضت الدولة العراقية الحديثة إلى “قومية” صدام حسين، التي خرّبت البلد بحروب عبثية؛ فيما أفضت إعادة بناء تلك الدولة، إلى هيمنة المسلحين، المُدمّرين حتى لأسس حياة المجتمعات الأهلية. وقد تكون هذه أفضل وصفة لإبادة ما تبقى من حياة في العراق.

تريد المرشحة لمنصب السفير الأميركية في العراق أن تواجه “الميليشيات الخبيثة”، لأجل “المصالح الأميركية، وحماية وحدة العراق، وأمن المنطقة”، ولكن هل هذه شعارات جديّة حقا؟ أم علينا أن نستعد لفصول مروّعة جديدة من تاريخ البلد، الذي لم تنقطع مآسيه منذ نشأته على هذه الشاكلة.  

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
5 3 أصوات
تقييم المقالة
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات