الفنان والثورة: ما المسكوت عنه في الجدل حول بسام كوسا؟

الفنان والثورة: ما المسكوت عنه في الجدل حول بسام كوسا؟

ما يزال الفنانون السوريون يطلّون علينا، بعد حرب مدمرة مستمرة منذ أكثر من عشر سنوات، يكررون خطابات ممجوجة ومخيّبة للآمال. إما لتثبيت مواقفهم السياسية المعارضة، في لقاءات تفتقر لأي عمق سياسي أو ثقافي، أو لتكرار روايات محور الممانعة، وأننا “كنا عايشين”. وكل منهم يظن أنه يمتلك الحقيقة، ويقف في الجانب الصحيح من التاريخ.

وبعد مرور أكثر من عقد من الزمان، لا يمكن النظر إلى الأمور والمواقف كما في السابق، كما لا يمكن بالطبع توقّع تصريحات ضد النظام من فنانين يعيشون داخل سوريا، لما قد يتعرضون له من مخاطر على حياتهم وحياة أسرهم. ولكن، من المؤسف أيضا أن يتحدث فنان ومثقف شهير، يمكن اعتباره رمزا سورياً، مثل بسام كوسا، عن “الأسكيمو” و”المؤامرة الكونية”، وإن لم يذكرها صراحة، عند كل سؤال عن النظام السوري. أو أن يقول عن بعض زميلاته الفنانات إنهن “يتخذن الفن غطاء لمهن أخرى“. في إشارة شديدة الذكورية، والتعريض بكرامة النساء.

وكانت منصة “المنتدى”، التابعة لقناة “روسيا اليوم”، قد استضافت بسام كوسا في لقاء، أثار جدلا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ اعتبر البعض أن تصريحاته غير لائقة بقامة فنية بحجمه، ووصفوها بأنها “انتحار أخلاقي“. بينما رأى البعض الآخر أن بسام كوسا يحاول أن يشرح في هذا اللقاء حجم الورطة التي وقع بها، ليخرج بهذا الشكل المؤسف، ولا يمكن لمثله أن يقول ما قاله إلا “لسبب ما أرغمه”، وهو المعروف بالنبل والأخلاق والثقافة.

لكن هل يمكننا أن نعرف الدوافع التي تحرّك بسام كوسا، فضلا عن الحكم عليها؟ وما الذي قاله ولم يقله فعلا في تلك المقابلة؟ وماذا تكشف تلك المقابلة عن الجدالات السورية عموما؟

آراء نخبوية: هل هنالك مستقبل للثقافة في سوريا؟

في بداية اللقاء، أكّد بسام كوسا أنه مُقل في لقاءاته الإعلامية، لأنه يشعر بالخجل أمام هول الكارثة التي تحدث في سوريا والعالم. وقال إنه لا يجد من اللائق الحديث عن الدراما والفن، في ظل الظروف الصعبة التي يمرّ بها الناس، من مبدأ أن “كل ما حولي يعنيني”، ومن باب الالتزام بقيم المواطنة، التي يعرّفها من خلال “الملكية”.  بمعنى “أن يحسّ المواطن أنه يمتلك المكان، وأنه يمتلك البلد الذي يعيش فيه”. مشيرا إلى أن “أحد أسباب التخريب، الذي يقوم بها المواطنون، هو عدم إحساسهم بملكية وطنهم”.

أول ما أخذه المتابعون على كوسا، هو هروبه من الحديث عن أي موضوع يخصّ النظام السوري، وتبريره كل ما حدث في سوريا بزراعة إسرائيل في المنطقة. رغم أنه أشار إلى عدة آراء وأسباب أخرى مختلفة “يراها البعض، وقد يكونون كلهم على حق”. كما أكد أن خروج البعض من سوريا، ومعارضتهم السياسية مبرّرة، وشدّد على حقهم باتخاذ الموقف الذي يرونه مناسبا، وأن لكل شخص أدواته وطريقته بالتعبير. إلا أنه اعترض بشدة على تخوين من اختار البقاء في سوريا، أو من ينتقد طريقته هو في التعبير عن موقفه السياسي.

عند سؤاله عن سوريا، أشار بسام كوسا إلى أن ثمن وجود إسرائيل في المنطقة، يدفعه حتى المطبّعون، مستشهدا بانتشار البطالة في الدول المطبّعة، بمعنى أن كل مشاكلنا سببها وجود إسرائيل ببساطة، وحتى لو لم نختر المواجهة معها. وهذا ادعاء أيديولوجي لا يوجد ما يسنده، كما أنه يفسّر كل ما هو سياسي واجتماعي واقتصادي بعامل أحادي، يشبه شيطانا كلي القدرة. وهذا تفكير شديد التبسيط من فنان مثقف كما هو مفترض. خاصة أمام واقع أن دول محور المقاومة تعاني من أسوأ الظروف الاجتماعية والاقتصادية والأمنية، بالمقارنة بالدول التي لا تُحسب على المحور، رغم تدهور أوضاعها. كما أشار إلى أن اسرائيل لم تسع الى تحسين ظروف البلاد التي طبّعت معها، من خلال دعم إمكانياتها أو مساعدتها على استغلال مواردها. وكأن هذه مهمة اسرائيل، وليست مهمة الحكومات العربية.   

عند سؤاله عن لقائه بالأسد، وإن كان هذا اللقاء يندرج تحت بند الموقف السياسي، تهرّب أيضاً من الإجابة، مفضّلا الحديث عن المتغيرات في التعامل مع النظام السوري، والمتغيرات العالمية، و”الجنون الذي تعيشه الكرة الأرضية”. واعتبر أن الملف السوري جزء من ملفات أخرى، مثل “الصراع على الأسكيمو” (ربما يقصد القطب الشمالي) والملف الأوكراني والملف الإيراني.

أكثر ما أثار استغراب مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، هو ردّه ما حدث في سوريا إلى “الاكتفاء الذاتي”، الذي وصل إليه البلد في العام 2010، “رغم العيوب والفساد”. يرى كوسا أن سوريا اكتفت غذائيا، وحققت ازدهارا صناعيا، وكانت تتمتع بعائدات ثرواتها الطبيعية، وكان الإنسان السوري مرتاحاًماديا. لكن هذا التكامل ممنوع على الدول المجاورة لإسرائيل برأيه، ووجبت محاربته مباشرة.

الادعاءات التي ذكرها بسام كوسا ليست دقيقة، أشار متابعون إلى تقارير وإحصائيات، تفيد أن الطبقة المتوسطة في سوريا قد تم تدميرها في تلك الفترة. كان الريف يعاني من التهميش، والعديد من شباب الجزيرة السورية مثلا يضطرون إلى الهجرة الداخلية، للعمل في مهن ذات دخل متدنٍ جدا. وبحسب تقرير، أعدته هيئة تخطيط الدولة في حكومة النظام، عن الخطة الخمسية العاشرة، فإن 30% من سكان سوريا كانوا تحت خط الفقر.

لم يذكر بسام كوسا معاناة السوريين والمعتقلين السياسيين قبل العام 2011، ولا دور النظام السوري في زعزعة أمن المنطقة في تلك الفترة، وتدخّلاته السياسية في كل من العراق ولبنان، وإجهاض “ربيع دمشق” وجميع الحركات السياسية التي نشطت بعد استلام بشار الأسد السلطة. ولا الطريقة الوحشية التي تعامل بها مع معارضيه، الذين ثاروا عليه، ولا قصفهم بالبراميل المتفجرة والسلاح الكيماوي، ولا المعتقلين، وكل من مات تحت التعذيب.
قد يكون مثل هذا التعامل التبسيطي مع القضايا المحليّة والعالمية المعقدة مقلقا فعلا، من فنان يعتبر من أكثر الممثلين السوريين ثقافة، وله اسهامات في المسرح والكتابة القصصية والنحت والدراما. وسبب القلق هنا ليس سياسيا، فإذا كان هذا هو مستوى تفكير أحد أهم رموز النخبة السورية، فربما علينا بالفعل أن نخشى على مستقبل ثقافتنا.

سياقات ثورية: لماذا لا يكون كوسا “صوت الضمير”؟

لطالما كان بسام كوسا شخصية بارزة في عالم الفن السوري، وله احترام خاص، بوصفه فنانا “عبقريا”، ومثقفا وناقدا شرسا. ومع ذلك، فإن خياره الصمت أمام انتفاضة قطاعات من الشعب السوري كان مفاجئا لكثيرين، خاصةً في عام 2011.  

رأى هؤلاء أنه كان بإمكان بسام كوسا أن يكون “صوتا للضمير العام”، من خلال الانتصار للحرية والعدالة، وأن يصبح من القيادات التي احتاجتها الثورة في بدايتها، بالنظر إلى قدرته على استخدام الإعلام والشهرة، للتأثير والتغيير. لكنه اختار البقاء في مركزه المأمون داخل النظام القائم، مكتفيا بـ”النقد البنّاء”، بدون اتخاذ موقف شجاع، وهو ما يبدو وكأنه لزوم ما لايلزم، خاصةً عندما تكون الأوضاع السياسية والاجتماعية تتطلب تضحيات حقيقية، ومواقف واضحة، وبالتحديد عندما يستخدم النظام شخصية مهمة مثل كوسا ليعبّر عن “انفتاحه”، وكأنه يقول: هل ترون كيف أسمح لمن يعيش في كنفي، ولا يعارضني أنا وأفرعي الأمنية، بأن ينتقد ما يشاء؟

رغم كل هذا، ولكي لا نسقط في تبسيط للأمور، شبيه بما سقط به كوسا في مقابلته، فلا بد أن نحاول رؤية الصورة من زاوية أوسع. هل كان بالفعل بإمكان النجم السوري الكبير أن يصبح “صوت الضمير”؟ وأي ضمير بالضبط؟

انضم إلى الثورة عديد من الأصوات المثقفة والعلمانية، مثل عارف دليلة، ميشيل كيلو، برهان غليون؛ وفنانون مثل يارا صبري وفارس الحلو، وغيرهم الكثير. لكن يبقى السؤال الملح: هل تركت صيرورة الأحداث لهؤلاء دورا حقيقيا ليلعبوه في الثورة؟ هل تمكّن مفكر وأستاذ في جامعة السوربون الفرنسية، مثل برهان غليون، من إحداث تحوّل حقيقي، عندما تم تسليمه رئاسة “المجلس الوطني” المعارض؟ وهل استطاع المثقفون والعلمانيون والليبراليون إيقاف الصراعات الداخلية والاقتتال الطائفي والتشدد الديني وتسلّط الإسلام السياسي؟ هل تمكّنوا من توجيه مسار الثورة نحو ما يمكن اعتباره تغييرا ديمقراطيا فعليا لكل السوريين؟

للإجابة على هذه الأسئلة، علينا أن ننظر بعمق إلى السياق السياسي والاجتماعي الذي أحاط بـ”الثورة السورية” وما تلاها، وهي مثل أي ثورة أخرى كانت مزيجا معقّدا من التطلعات والآمال والأحلام، التي تداخلت مع المصالح والأجندات المختلفة.

عندما انضم المثقفون والفنانون إلى الثورة، جلبوا معهم بالتأكيد رؤى وأفكارا تهدف إلى بناء دولة مدنية ديمقراطية، لكن سرعان ما وجدوا أنفسهم محاطين بصراعات داخلية وخارجية، تتجاوز قدرتهم على التأثير. وربما في ظل هكذا ظروف يصبح من المفهوم لشخص مثل بسام كوسا أن يفكّر مرتين، قبل الانضمام إلى الثورة. فالانضمام إلى حركة معقدة ومتشعبة مثل “الثورة السورية”، يعني التعامل مع صراعات داخلية لا تنتهي، وتهديدا بانحدار البلاد إلى ما هو أسوأ من وضعها القائم. خاصة أن تهديد الإسلام السياسي، والاقتتال الطائفي والإثني، كان واضحا في سوريا قبل سنوات طويلة من الثورة.

ربما كان حسابات بسام كوسا، وأشباهه من المثقفين والنخب السورية، قد راعت كل تلك المخاوف، وفضّلت الإبقاء على الوضع القائم، على علّاته، بدلا من انحدار البلد إلى الفوضى. وهو موقف قد يمكن احترامه وتفهّمه من منظور ما، خاصة أن مجريات الانتفاضة الشعبية، والقوى التي سيطرت عليها، لم تقدّم أي مشروع سياسي أو اجتماعي، يمكن فعلا أن يزيل تلك المخاوف.

أيدولوجيات عتيقة: هل تجاوزنا جدل “ليتها لم تكن”؟  

لا يبرر الخوف، ولا حتى القراءة المبكرة لمآلات الأحداث، لفنان مثقف مثل بسام كوسا أن يقف، ولو ظاهريا، في صف قاتل، أو أن يسمح لمرتكب جرائم ضد الإنسانية باستخدامه لتبييض صورته. وحتى لو كان رافضا للمسار الإسلامي والطائفي للثورة، فلا يوجد مبرر يمنعه من اتخاذ موقف أخلاقي أكثر عدالة، على الأقل انطلاقا من تعريفه الشخصي للمواطنة، بدون أن يعني هذا، بأي حال من الأحوال، انضمامه للمعارضة السياسية القائمة.  

ربما كان التفسير الأصح هو الأيديولوجيا السورية التقليدية، التي تحملها نخب مثل كوسا، وهي مزيج من القومية العربية، و”مناهضة الامبريالية”، والارتباط الشديد بجهاز الدولة، والمواقف المحافظة في كل المجالات.

وعلى ذكر “الأيديولوجيا السورية التقليدية”، فربما يجدر بجمهور الثورة السورية أن يوجّه خذلانه للمعارضين، الذين خذلوا الثورة، وارتكبوا باسمها جرائم مروّعة بحق مدنيين، بل وورطوا المجتمعات المؤيدة لها بمعارك، لم تؤد إلا إلى الدمار، ومحاسبتهم. بدلا من الاستمرار في تكرار التعبير عن مفاجأتهم، تجاه ما هو معروف مسبقً لديهم. موقف بسام كوسا لم يتغير، بل وربما تم تثبيته فقط عندما زار بشار الأسد، ولو مُرغما. وربما كانت خيانة كوسا للحقيقة والعدالة ليست أكثر فظاعة من خيانة قيادات “الائتلاف السوري” المعارض، على سبيل المثال، أو أرباب “المنظمات المدنية”، الذين يتعالون عن النزول إلى مستوى الوجع السوري، والعمل الجدي على تخفيفه.

على أية حال، يهاجم كثير من معارضي النظام أي رأي يخالف توقعاتهم، وما يريدون سماعه، وليس لديهم استعداد لقبول النقد، الذي يأتي حتى من داخل المعارضة، ويصرّ البعض منهم على أن الثورة مقدّسة بلا أخطاء، ومستمرة.

في العام 2016 مثلا، كتب الشاعر والفنان التشكيلي منذر المصري مقالا بعنوان “ليتها لم تكن“، ويعني بذلك الثورة، وقال إنه استمد العنوان من امرأة سورية، ردّدت تلك العبارة امامه، بعد أن فقدت زوجها وابنيها. فتعرّض وقتها إلى زوبعة حادة من الانتقادات، من أولئك الذي  كانوا يرون أن الأمل في إسقاط النظام السوري ما يزال حاضرا. عندما حاولت الكاتبة سوسن جميل حسن، الاسهام في النقاش الذي طرحه المصري، في مقال بعنوان “في زوبعة ليتها لم تكن”، ثارت ثائرة المعارضين أكثر، خاصة بسبب جملتها  “وكأن على هذه الحرب، التي تقتات على الشعب السوري، أن تبقى طاحونةً لا تكفّ عن الدوران، وطحن كل أشكال الحياة والهوية الممكنة”، وهاجموها بشراسة، بدون أن يقدموا أي نقد جدي لما كتبته، أو يفكروا في مضامينه.

حتى الأصوات التي تحاول أن تسمي الأشياء بمسمياتها، بدون مواربة وتجميل للواقع لا تلقى أي اهتمام أو رغبة في النقاش، لأن المعارضة فعلا ما زالت تأمل بـ”الانتصار” في “الثورة المستمرة”، رغم أكثر من سبعة ملايين نازح، وعشرات مخيمات اللجوء، وتصاعد الفقر والقهر داخل سوريا وخارجها، وآلاف المفقودين الذين راحوا ضحايا للتعذيب.

يبدو أننا أما خيارين متشابكين: “محور المقاومة” المنتصر دائما؛ و”معارضات الاستبداد” التي تستمر ثوراتها أبدا، رغم كل الفشل والتناقضات، وبالمنظورات والأفكار نفسها، وبدون الحاجة إلى المراجعة والنقد، وتحمّل مسؤولية الأخطاء، والبحث عن مخرج منطقي للاستعصاء. فهل مواقف بسام كوسا، بعد كل هذا، مُفاجئة حقا؟

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
4.4 8 أصوات
تقييم المقالة
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات