ألغاز “المحتوى”: هل يمكن لكل صاحب مايكرفون صناعة بودكاست؟

ألغاز “المحتوى”: هل يمكن لكل صاحب مايكرفون صناعة بودكاست؟

شخصان يتحدثان، بصورة أقرب لجلسة ودية منها لحوار إعلامي. يسأل الأول أحيانا، ويعلّق بالموافقة والإعجاب غالبا على أجوبة الثاني، في دردشة يغيب عنها النقد والمحاججة، اللذين يشعرانك عادة، حتى على المستوى النفسي، بوجود إشكالية ما قيد نقاش ساخن، وهو ما كان سائدا فيما يعرف إعلاميا بـ”hardtalk” (محاورة جادة)، على عكس جلسة الدردشة المذاعة بين شخصين.

ربما كان التجسيد الأفضل لتلك الدردشات الوديّة، ما بات يعرف بـ”البودكاست”. ويقصد به إتاحة “المحتوى” في ملفات صوتية بالأساس (وأحيانا يصحبه فيديو مرئي للمحتوى نفسه)، أشبه ببرامج الراديو، غير أن البودكاست المتاح رقميا يمكن حضوره دون التقيّد بوقت إذاعي محدد، كما كان الراديو العادي.

مع البودكاست، لا تجد نفسك غالبا متأهّبا لسماع ردود متعارضة، وطرح وجهات نظر مقابلة، في لعبة أشبه بالكرة طائرة، ما بين رمية وتسديدة، وصد ورد، حين يجادل المذيع الضيف، ويناقشه فيما يعرض، عبر برنامج تتخلله تقارير إخبارية حينا، أو إحصاء بالأرقام حينا أخر، تنفي أو تثبت وجهات النظر المتعلّقة بالقضية محل النقاش. ما ستسمعه هو حديث مسترخٍ، يمكنك متابعته وأنت تقوم بأي شيء آخر.

ظهر البودكاست قبل حوالي عشرين عاما فقط، ثم انتشر في غضون سنوات معدودة، بصورة توصف بـ”المبتذلة” من قبل بعض المحللين. يوافقهم كثير من الجمهور، الذي يتساءل أحيانا عن تعريف لظاهرة البودكاست، التي غزت الفضاء الرقمي على منصات التواصل الاجتماعي، من كل حدب وصوب.

كيف ولماذا أغرقتنا البودكاستات فعلا؟ وما المشكلة فيها، التي تشعرنا بأن ثمة شيئا ما خطأ فيما نسمع؟

لغز البودكاست: من يذيع الكلم ويوزّع الحِكَم؟

هذا السؤال ليس تعبيرا مجازيا، فالواقع أن الهوية المهنية لمقدمي البودكاست لم تعد معروفة، كما كان الحال بالنسبة لمذيعي التلفاز أو الراديو، بصفتهما القالب التقليدي المقابل لهذه الظاهرة، ما أدى إلى تدفق غزير لأسماء عديدة، يسبقها كلمة “بودكاست”، ويليها اسم فرد أو مؤسسة، لا تعرف ماهيتها، ولا إلى أي مصدر تنتمي، إلا إن أجريت بحثا، تكتشف نتيجة له، تبعية طيف واسع من البودكاستات إلى شركات تجارية، أو نشاطات ناشئة لشباب أو رجال أعمال. يطلق الواحد منهم بودكاستا لهدف تسويقي بالمقام الأول، الأمر الذي تشير إليه الوكالات الإعلانية أو رواد الأعمال، بوصفه إحدى وصفات الانتشار السريع، إما لمقدمي البودكاستات شخصيا، أو لنشاطتهم التجارية.

نظريا تعتبر الدعاية والإعلان أحد تفرّعات الإعلام، الذي لا ينحصر في الصحافة والتلفاز والراديو. إذ يحمل كل تفرّع منها رسالة وهدفا، ما بين نشر المعلومات أو التسويق لمنتج أو خدمة، حسب الرسالة المرجوة. وفي سبيل ذلك يستخدم التقنيات المختلفة، ويوظفها في قوالب، ما بين مكتوب ومرئي ومسموع. ويستخدم البودكاست اليوم التطور التقني في تكنولوجيا إنتاج المحتوى، لأهداف تسويقية، مع سهولة بثها على منصات التواصل الاجتماعي، المتوفرة لأي شخص لديه نفاذ للإنترنت، ولو عبر حساب شخصي للمنتِج الفرد، دون الحاجة إلى مؤسسة إعلامية متخصصة.

المشكلة هنا ليست في الهدف التسويقي من استخدام البودكاست بحد ذاته، وإنما في غياب الالتزامات المهنية للمُنتَج الإعلامي، حتى لو كان دعائيا. يزداد الإشكال حين لا يكون معروفا ومعلنا بوضوح أن الهدف هو التسويق، بل تقديمه كما لو أنه يؤدي أهدافا إعلامية أخرى، مثل التي للصحافة مثلا، دون أن يتبع ذلك التزام بالمعايير الاحترافية للعمل الصحفي.

في التطبيق العملي، فإن الأصول المهنية الحوار الصحفي، تقوم على معرفة يملكها مقدم البودكاست (المحَاور) وتؤكدها الممارسة في إجرائه للحوار مع الضيف. وتُلزم المعايير المهنية المٌقدّم بطرح أسئلة أوليّة، ومن ثم التعمّق لتغطية موضوع الحديث، والتفاعل الإيجابي مع الضيف. والمقصود بالتفاعل الإيجابي ليس التأكيد من عدمه على ما يقوله الضيف، ولكن التعاطي مع الكيفية التي يتحدّث بها، والتجاوب معه، عبر الأدوات والأسئلة الصحافية الخمسة المعروفة: ماذا ولماذا ومن وأين ومتى؟

تقليديا، يفترض بالمقدم أن يكون صحافيا أو مذيعا، لكن مُقدّم “البودكاستات التسويقية”، إن جاز التعبير، لا يتّبع بوضوح اشتراطات صحفية مهنية. يُنتج هذا النوع عادة خارج الإطار المؤسسي لمنصات إعلامية، تُعنى بصناعة الأخبار وإنتاج المعرفة. وإن كان الإطار المؤسسي في حد ذاته لا يعني ضمانة لممارسة إعلامية احترافية، فالمأسسة ليست قرينة المهنية الإعلامية بالضرورة. ويمكن للمنتِج الفرد، الذي يملك معايير صحفية، ويوظّفها بجدية، أن ينتج محتوى احترافيا بالفعل، ولو على المستوى التحرير، بعيدا عن الجانب التقني، المحتاج لموارد مالية ربما لا تكون بمقدور الفرد.

ولكن ما المشكلة في أن لا تلتزم البودكاستات بمعايير ما للعمل الإعلامي؟

بحثا عن معيار: هل المايكروفون منبر إعلامي؟

حين تغيب الاعتبارات المهنية وأخلاقيات العمل الإعلامي، تصبغ السيولة عملية إنتاج البودكاست، السهل نسبيا في صناعته مقارنة بقوالب أخرى، إذ يتطلّب بشكل أساسي مجرد مايكروفون واتصال بالإنترنت. في الإنتاج الإعلامي المهني لا يكفي هذان العنصران.

في دراسة بعنوان “البودكاست: متطلبات العمل وخصائص المحتوى”، صادرة من “أكاديمية الجزيرة الإعلامية”، تُطرح عناصر عديدة لإنتاج البودكاست، متجاوزة للصوت وحده، على رأسها تـوازن القصـة مـع الشـخصيات والحـوارات، وتحديـد الوقـت الملائــم لبنــائها. فأولوية الاهتمام تذهب لطبيعة الخطاب المُقدّم في البودكاست، بوصفه منتجا صحافيا. تنسحب الاشتراطات على متطلبات لازمة التوافر في مُقدّم البودكاست، وحتى بقية أفراد الإنتاج. إذ ينبغي عليهم إجادة مهارات البحث والمتابعة المحترفة، تحريريا وتقنيا لمسار الإنتاج، وضمنها اختيار الضيوف. يصبح الإسهام المعرفي هو المعيار الأساسي لانتقاء الضيف، وهذا يعني أن يجيد المقدم الاختيار، بناء على أساس منحاز لمعرفة الضيف بما سيحكي، والتحقق من توافر هذه القدرة لديه قبل إعطائه حيزا، لا يكون الميكروفون فيه سوى وسيلة. إلا أن كل هذه المعايير هي معايير مؤسسة إعلامية عملاقة، تعمل على الاستفادة من قالب البودكاست، وقوعدته، وليست المعايير الفعلية للبودكاستات المنتشرة.

في الواقع العملي للبودكاستات المنتشرة فإن تحوّل الوسيلة لرسالة، وتسيّد التقنية وتطور تكنولوجيتها، انعكس على تراجع القيمة الوظيفية للمنتج الإعلامي. يقول أستاذ الدراسات الإعلامية نيك ماركس إن القيمة التجارية للمحتوى تصبح هي محدد نموه. كل هذا يتضاعف بالنسبة لمنتج تسويقي ينتجه أفراد غير متخصصين وشركات البيزنس، والتي تتحرك بدوافع الانتشار لعلامتها التجارية، وزيادة أرباحها، بصرف النظر عن الجودة المهنية لخطاب صناع البودكاست؛ وربما لا تكترث كثيرا لكونه منتجا إعلاميا، الأهم هو التركيز على دوره الدعائي، لخدمات وسلع، عبر مسوقين أفراد، في صورة مقدّم وضيف.

إلا أن الدور الدعائي لا يقتصر على التسويق للخدمات والسلع، بمعناها التقليدي، بل بات “المحتوى” بحد ذاته خدمة أو سلعة، حتى لو كان يتحدّث عن قضايا شديدة التعقيد، مثل التاريخ أو الاقتصاد أو الحروب المعاصرة. التسويق هنا يكون لـ”خدمة” ثقافية، تقدّمها جهات لها مصالح متعددة، سواء كانت مادية أو سياسية، أو الاثنين معا، وتعتبر ناجحة بقدر ما تستطيع استقطاع جانب من انتباه الجمهور.  

التعاطف الصوتي: لماذا لم يعد المحاورون يستفزّون الضيوف؟

ينعكس ذلك أيضا على العلاقة بين طرفي البودكاست، والمعايير التي يحتكمان إليها فعليا، خصوصا وأن سمة الآنسنة هي من أهم ما يميز قالب البودكاست بوجه عام، وهذا يفسّر ميله لسرد شخصي، يحكى قصة. في “البودكاست التسويقي”، والذي يشمل أيضا بودكاستات ذات طابع سياسي أو ثقافي، لا يمتنع المقدم فقط عن مراجعة الضيف، في ملائمة قصته للوصول إلى تعميمات يوجهها إلى الجمهور، نصحا وإرشاد، بل يصبح مسوّقا له، بالمدح الصريح لما يقوله، وبمشاركة انطباعاته في تعليقات شفهية، أو بتمتمات الانبهار.

تحتم أخلاقيات العمل الإعلامي على المحاور الصحافي التركيز على المعرفة، والانحياز للناس أولا،  وليس التسويق الشخصي أو التجاري لذاته ولضيفه. في حين يتأثر أداء مقدّم البودكاست بتعريفه لمستمعيه بصفتهم مستهلكين، يريد تحصيل انتباههم عبر سرد قصص مقولبة، لترسيخ قناعات ووجهات نظر، يمكن في نهاية المطاف توظيفها رأسماليا، إذ لا سياقات اجتماعية وسياسية واقتصادية تميّز ما بين البشر، وبالتالي تُفرّق هذا عن ذاك. البطل الواحد، والضيف النموذج، والمسوّق التجاري، كلها تعبيرات عن سعي لجذب انتباه الجمهور.

فيما مضى كان السعي المحموم للفت انتباه الجمهور يتم عبر نمط شهير من الحوارات الهجومية على الضيف، تصل إلى حد التجاوز، عبر الاستفزاز، أو ما يعرف شعبيا بـ “التسخين”، لحصد شهرة وجدل حول المنتج الإعلامي، ما يسهم في زيادة فرص مشاهدته، أو تحقيق مصلحة شخصية للمحاور، بارتفاع أسهمه في الصناعة الإعلامية. لكن في زمن رواج الاهتمام بالصحة النفسية، تتغيّر طرق ومدارس التسويق، لتواكب بدورها التغيرات السلوكية المجتمعية، في إطار التطور الاقتصادي الأشمل، فينمو اتجاه تتبدّل فيه العلاقة بين الضيف والمحاور إلى أقصى النقيض، من الاستخدام القديم لمشاعر الضيف وحياته الشخصية، بوصفها مواد للفضائح والنميمة، فيما يطلق عليه “الصحافة الصفراء”، إلى السؤال عن تلك الأشياء ذاتها، والانصات لسرد الضيف، فلا “تسخين” ولا مساءلة كذلك، فقط تعاطف وتصديق.

تحت تأثير هذا الاتجاه الجديد، تتقهقر أهمية الحصول على أجوبة من الضيف. يتحدث المُقدّم للضيف بتعليق طويل أو قصير، يختمه بعلامة استفهام، ويترك له بعدها الحرية الكاملة للاسترسال، دون اشتراط أن يعني ذلك في كل مرة وجود سؤال، له صفة التماسك من المُقدّم، وإجابة لها سمة الاستيفاء من الضيف، بما يخدم المستمع. لذلك يحتمل أن يجد الأخير نفسه أمام طنين فارغ من القيمة أحيانا، أو إطناب وحشو كلامي، يُعجزه عن الوصول للمعلومة، خصوصا لو أضاع الضيف السؤال في خضم الثرثرة، ولم يلتقط المقدم طرف الخيط، ليعيده مرة أخرى للسياق.

الخلاصة أن الممارسة الحالية للبودكاستات، بوصفها منتجا إعلاميا جديدا، تحتاج إلى مراجعة من قبل متابعيه، وليس فقط منتجيه. من الصحيح أن ذلك النوع من “المحتوى” لديه إمكانية دمقراطية كبيرة، في إيصال أصوات لطالما همشتها وسائل الإعلام التقليدية، إلا أن البودكستات التسويقية لقصص مستهلكة تطرح إشكاليات كبيرة. ببساطة لا يمكن هضم الرؤى المعلبّة في حكايات خاصة، لمجرد أن صاحبها مُنح امتياز الاستضافة في بودكاست، ونال اعتراف مُقدمه، طالما غابت أدبيات الإنتاج الإعلامي، وافتقر الطرفان إلى المسؤولية المجتمعية.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
5 2 أصوات
تقييم المقالة
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات