روايات نتنياهو: كيف يواجه الفلسطينيون “السحر” الإسرائيلي؟

روايات نتنياهو: كيف يواجه الفلسطينيون “السحر” الإسرائيلي؟

أمام القناة الفرنسة “lci”، وفي لقاء صحفي خاص، رفع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خريطة يشرح بها الوضعية الجيو سياسية لإسرائيل اليوم. لكن كلام نتنياهو وخطابه تجاوز تفسير وضع حرب راهنة، إلى الكشف عن التصورات والروايات التي يؤمن بها عن إسرائيل، بوصفها موطنا قوميا لليهود.

هذه هي إسرائيل، النقطة السوداء الصغيرة التي بالكاد تراها“، هكذا وصف ناتنياهو دولته، وهو يستعرض موضعها، مذكّرا بالدول العربية السنيّة المحيطة بها، والتي حددها باللون الأخضر، فيما حدّد لون إيران بالأسود، باعتبارها الخطر الحقيقي، والأكثر تهديدا لإسرائيل في الوقت الحالي.

وأضاف نتنياهو أن “إسرائيل هي من تحمي اليوم أوروبا من خطر إيران الداهم، الشيء الذي يحتم دعمها بشكل كامل، لكونها الديمقراطية الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط“.

من المؤكد أن نتنياهو ليس أول سياسي من إسرائيل، ولن يكون الأخير، الذي يرفع شعار “الديمقراطية الوحيدة بالمنطقة”، بالرغم من أن هذا الشعار صار أقلّ مصداقية اليوم، بعد كل مجازر الإبادة الجماعية، وانتهاكات حقوق التي ارتكبتها تلك “الديمقراطية”. إلا أن حديثه يكشف عن أحد الخصائص المؤسِّسة لمشروع إسرائيل، الذي يقدّم نفسه بوصفه “الجدار الحامي للدول الحضارية الأوروبية”، هذه المرة من تهديد إيراني.

التفكير بكلام نتنياهو، بعيدا عن صيغ الإدانة المألوفة، قد يساهم اليوم بإعادة الفهم والقراءة، وتفكيك الروايات المؤسسة لكل قوميات المنطقة. فما الذي يقوله نتيناهو فعلا؟ وكيف يمكن التعاطي مع قول مثل هذا، من رئيس وزراء الدولة النووية الوحيدة في المنطقة؟ وهل يمكن لحركة تحررية فلسطينية فعلية مواجهة خطاب من هذا النمط؟

حاجز الحضارة: ما حدود الحرب ضد “البربرية”؟

جسّد تيودور هرتزل، الذي يُعدّ عرّاب المشروع الإسرائيلي، في كتابه “الدولة اليهودية”، فكرة “الجدار الحامي” بوضوح، وبالتحديد في الجزء المخصص للمفاضلة بين الموقع الجغرافي للوطن القومي المقترح لليهود. فلدى مفاضلته بين الأرجنتين وفلسطين، أكد أن “مشروع الدولة المفترضة في فلسطين سيشكّل حاجزا بين أوروبا وآسيا، وبالتالي سيشكل حضور إسرائيل الفاصل بين الحضارة والبربرية“.

يفصل بين كلام هرتزل وناتنياهو أزيد من مئة عام، لكنه يكشف خاصية التهديد الوجودي، المسيطرة على فكر النخب الإسرائيلية، والذي ينطلق من كون إسرائيل تحمل مشروعا حضاريا، داخل وسط معادٍ للتقدّم والحضارة، الشيء الذي يجعلها مُهدَدة بشكل وجودي على الدوام.

وقد يذهب نتنياهو والنخب الإسرائيلية أبعد من ذلك، ويعتبرون أنفسهم “حملة التنوير”، أكثر من الأوروبيين زمن الاستعمار، وهو ما جسّده رئيس الوزراء الإسرائيلي بالفعل، عند حديثه عن المستوطنات في ذات اللقاء، بقوله “نحن لسنا بلجيكا بالكونغو”، في إشارة للاستعمار البلجيكي للكونغو، وآثاره الوخيمة.

تفسّر خاصية التهديد الوجودي الأسباب العميقة للهوس العسكري الإسرائيلي، والعمليات العسكرية العنيفة التي لازمت تاريخ الدولة، والتي يبدو أنها ستستمر باستمرار “الحضارة” نفسها. هذا إضافة إلى أن خاصية التهديد الوجودي تجد لنفسها تفسيرات في الجذور التاريخية لعملية تأسيس الكيان الإسرائيلي، والتي يُنظر لها بوصفها معجزة لدى المؤسسين. وهذا يقودنا لخاصية أخرى في كلام نتنياهو.

انبثاق المعجزة: بماذا تتميّز إسرائيل عن بقية القوميات؟

يمرّ تاريخ الدول، وصيرورة تشكّلها، عبر تاريخ كبير من الصراعات والحروب، وعديد من محاولات التجميع والتوحيد، كما حدث في إيطاليا وألمانيا على سبيل المثال. وأمام هذا المد التاريخي الطويل، تصبح تواريخ نشأة الدول مكونة من مجموعة من الفصول، يصعب معها تحديد لحظة الميلاد الحقيقية، ولا يستثنى من ذلك إلا بعض الدول، التي ظهرت أبعادها الوطنية والقومية بعد استقلالها، مثل الولايات المتحدة الأميركية.

إسرائيل “استثناء” هنا، فلها تاريخ معلن لتحقق القومية، وهو الرابع عشر من أيار/مايو سنة 1948، يوم إعلان الدولة، المقترن بنهاية الانتداب البريطاني، وهذا الإعلان ليس مجرد إعلان استقلال، وإنما “انبثاق المعجزة”، في قلب محيط قاسٍ ومعادٍ.

يعزز هذا المعطى نظرة إسرائيل إلى نفسها، باعتبارها تجسّد “كيانا سياسيا متفوقا”، أعلن عن نفسه بنفسه دفعة واحدة، ولم ينتظر صيرورة خوض صراعات داخلية مريرة، ليتم إفراز قومية معينة، تشكّل دولة، بل ذهب مباشرة لعملية التأسيس.

ويعتبر مؤسسو إسرائيل قدرتهم على خلق دولة، بطريقة أشبه بالوصفة الجاهزة، والمخطط لها، دليلا على قدرة وقوة المشروع الصهيوني.

يقود هذا إلى الحديث عن مجموعة “اليوتوبيات” و”الطوباويات”، المتعلقة بنشأة تلك الدولة/المشروع. ومن هنا الخاصية الثالثة لحديث نتيناهو.

لمحات سرديّة: لماذا إسرائيل أعلى من القانون الدولي؟

قامت إسرائيل على نوع من اليوتوبيا الحالمة، لكون روايتها المؤسسة الرئيسة تقوم على “أرض لشعب نجا من محرقة، بعد أن عانى من العنصرية في أوروبا، ويخوض حروبا ضارية، انطلاقا من سنة من 1948، بعد أن حقق وطنه الموعود، وسط بيئة معادية له، تطالب بانتزاعه من الأرض”.

وقد تعززت هذه اللمحة السردية أيضا عبر طريقة التنظيم، التي باشرها المشروع الإسرائيلي، والمتعلّقة بـ”الكيبوتس” الإسرائيلي، وهي مجتمعات زراعية، تعتمد على الملكية الجماعية لأدوات الإنتاج، وتقوم على الإنتاج والاستهلاك الذاتي، مما يفسّر تعاطف بعض القوى الشيوعية في البداية مع المشروع، قبل أن يتم خصخصة بعض الكيبوتس فيما بعد.

تتلخص إذن الخصائص الثلاث التي ذكرناها، في التهديد الوجودي المستمر، والذي تتغدى عليه مجموعة من الأطراف الإسرائيلية، خاصة اليمينية منها؛ إضافة إلى النشأة الخاصة والمتفرّدة؛ والنمط الذاتي الخاص لتشكّل الدولة عند بدايتها.

تسعفنا هذه الخصوصيات في فهم جانب من تعاطي إسرائيل مؤخرا مع محكمة العدل الدولية، وعدم احترامها لقرارات أممية، تخصّ المستوطنات على سبيل المثال، إذ يمكن قراءة ذلك على أنه إيمان عميق بالروايات التي ذكرناها، يرى إسرائيل أكثر من مجرد دولة أو كيانا سياسيا، بل خصوصية متفردة، حتى عن شكل الدولة الحديث، وأعلى من القوانين الدولية الوضعية. ويمكن وصف هذه الرواية بأنها “علمنة” للسردية اليهودية حول “شعب الله المختار”، و”الأرض الموعودة”، مما يجعلنا أمام رؤية مشتركة، قد تجمع بين المتدينين والعلمانيين الإسرائيليين.

إضافة للإشكالات التي تطرحها هذه الروايات في بنية الدولة الإسرائيلية، وتعاملها مع المجتمع الدولي، فإنها تطرح أيضا تساؤلات على الجانب الفلسطيني، المٌطالِب بحقوقه وأرضه، تتعلّق بالكيفية الأنفع لمواجهة هذه الروايات وتفكيكها، من أجل “إعادة إسرائيل إلى الأرض”، وإظهارها بصورة دولة احتلال، يجب انتزاع الحقوق الوطنية الفلسطينية منها. وليس أسطورة يجب مواجهتها بأسطورة أكبر منها.

حروب الدول الحالمة: هل يواجه السحر بسحر مضاد؟

قد يرى البعض أن مواجهة الرواية الإسرائيلية، يجب أن يكون برواية فلسطينية مضادة، تنهل بدورها من “اليوتوبيا” و”المقدس”، وتقوم على الانتصار الأكيد والمؤكد، مهما بلغت التضحيات والدمار.

تتشابه هذه الرواية بالفعل مع الرواية الإسرائيلية، الفرق الوحيد أن الطرف الإسرائيلي ينطلق من “الدولة الحالمة”، بينما يؤمن الطرف الأخر أنه سينتهي بتحقيقها. ولن تحقق هذه المعادلة سوى صراعا لا ينتهي، بين روايات فوق سياسية وفوق اجتماعية، قد تخّرب كل شيء في سبيل تحقيق حلمها (فلسطين)، أو تأكيده (إسرائيل).

الخلاصة أنه لن يظهر بالتأكيد حل سحري من السماء، ولذلك فربما من الأجدى  “نزع السحر”. ونزع السحر عن إسرائيل، الضروري للجانب الفلسطيني، قد يبدأ من داخل الصف الفلسطيني نفسه، فوجود مقومات سياسة فلسطينية، ذات ديمقراطية وسيادة، تتجاوز انقساماتها الداخلية، رغم إكراهات الاحتلال، قد يجعلنا أمام احتمال دولة فلسطينية أكثر واقعية وعقلانية في إدارة صراعها، تعمل على وضع إسرائيل أمام حقيقتها، بوصفها دولة تعطي لنفسها الحق في انتهاك القوانين الدولية، وفقا لمنظور يدّعي التفوّق التاريخي والحق الوجودي.

وقد يعزز هذا الطرح التظاهرات التضامنية مع فلسطين في أنحاء العالم، وخاصة حراك الجامعات الأمريكية والأوروبية. فرغم ما قد يؤخذ عن هذا الحراك من تماهيه مع نزاعات “ميليشياوية”، دون تقديم بديل واضح، إلا أنه من الممكن قراءته من وجهة نظر أخرى، باعتباره تأكيدا على الحاجة لبدائل جديدة، على مستوى البعد الرمزي والخطابات المتداولة، خاصة مع تآكل الخطاب الديمقراطية الداخلية في أوروبا وأميركا، نتيجة صعود الشعوبية والجماعات اليمينية.

في نظرية له حول ثورة العبيد في هايتي، يؤكد المفكر السلوفيني سلافوي جيجيك المبدأ الذي ذكرناه، إذ يرى أن ثورة هايتي (1791- 1804) هي الإعلان العالمي الحقيقي عن مبادئ حقوق الإنسان، التي نادت بها الثورة الفرنسية، عبر تجسيد مبادئ تلك الثورة، التي سبقت ثورة هاييتي بسنوات قليلة، في نطاق غير أوروبي. فهل تستغل القوى الفلسطينية التضامن العالمي، لإعادة بعث أسس ديمقراطية وتنظيمية جديدة من قلب قضيتها؟

حسم هذا بالتأكيد بيد الفلسطينيين أنفسهم، لا بيد المتضامنين العالميين. إذ أنهم يملكون الآن فرصة لإنتاج عالمية جديدة، تتجاوز اليوتوبيات القومية، ورواياتها السحرية، التي لا تنتعش إلا في حروب لا نهائية.   

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
4 4 أصوات
تقييم المقالة
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات