“صحيح التنوير”: هل هناك مستقبل للثقافة في مصر؟

“صحيح التنوير”: هل هناك مستقبل للثقافة في مصر؟

قامت الدنيا ولم تقعد، إزاء تدشين مؤسسة “تكوين” الثقافية في مصر، إذ تصاعد الجدل الثقافي، حول الموقف من الدين والخطاب الديني على المنصات الرقمية، حتى أن صدى الموضوع وصل إلى الشارع المصري، وأذيعت التحذيرات على منابر خطب الجمعة، مع تضامن أجراس الكنائس، التي دعا أحد أعلامها إلى الدفاع عن “السنة النبوية الشريفة”.

دُقّ ناقوس الخطر، بالهيئة المعهودة، عبر التحذير من خيوط المؤامرة، والحرب على الدين الإسلامي، والتشكيك في المسلمات، والطعن في الرموز، والانتقاص من الدين، بما يتضمّنه من شخصيات تاريخيه وتقليد مذهبي وخلافه. ما دشّن بدوره حملة تدعو إلى إغلاق مؤسسة “تكوين”، تحرّك فيها شيوخ أزهريون وسلفيون ونواب في البرلمان، لتحصين وحماية المجتمع والأبناء.

قد يعود جانب من حالة السخط الواسعة إلى نوعية الشخصيات الثقافية المتصدّرة لمشهد “تكوين”، والتي تُشتهر جماهيريا بآراء تُعد “شاذة” حول الدين، مثل إبراهيم عيسى ويوسف زيدان وإسلام البحيري، بينما ركز نقّاد آخرون حول مواقف تلك الشخصيات، المتماهية مع السلطة السياسية، وحالة “الاستبداد العربي”.

من الواضح أن حاضنة الصحوة الإسلامية، وبالأخص النسخة السلفية منها، هي الأكثر انتشارا، إذ ما تزال فاعلة في اللعب على وتر الخوف الاجتماعي، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية المتردية؛ وقادرة على تأجيج العاطفة من أحداث الإبادة في غزة. وبالتالي، تصبح الهوية الدينية آلية دفاعية فاعلة. إلا أن الأكثر إثارة للانتباه أن موقف قطاع واسع من الناشطين “المدنيين”، المعروفين منذ اثني عشر عاما بـاسم “شباب الثورة”، كانت في ظلال الموقف السلفي، الذي ينهج نبذ الرأي وذم العقل. بينما ارتأى آخرون، من التيار اليساري والليبرالي وبعض الباحثين، نقدا مختلفا في النهج، لكنه ربما يكون مقاربا للجو السائد في السياق الحالي، إذ رموا المؤسسة بـ”الثقافوية”، أي اعتبار صيغة خطاب “التنوير” الحالي خطابا ثقافيا مجرّدا، منزويا حول إشكاليات التراث، بدلا من الشروط الاقتصادية والسياسية، وبالتالي ينظر إلى مسألة الاستبداد والتخلّف بوصفها نتاجا طبيعيا للثقافة العربية. وبرأيي النقاد، فإن أفكار تلك النخب الثقافوية بعيدة كل البعد عن تمثيل هموم “الشعب”، إزاء ظواهر التفقير وسياسات الحكومة.

وبناء على ذلك، ظهرت عدة مقولات تذمّ مفهوم مؤسسة “تكوين” عن “التنوير”، مثل: “التنوير المؤيد للاستبداد أعلى مراحل الظلامية”، و”التنوير الحكومي”، و”التنوير الناقص”، وهكذا.

من الملفت بالفعل استعمال لفظة “التنوير” ببلاغة مغرقة بالسخرية، خاصة من جيل “الربيع العربي”، فإذا كان مردود الكلمة التاريخي، يرجع إلى اعتبارات مثل العقلانية والعلمانية والتسامح والحداثة، فإن السخرية منها في الحيز العام المصري تحديدا تدفع للسؤال: ما صحيح التنوير المصري فعلا؟ أم أن المصريين تجاوزا الحاجة للتنوير، بعد أن اكتشفوا “خديعته”؟ أين ذهب إرث التنوير المصري إذن؟ أم أنه كان مجرد خطأ، صحّحه ويصحّحه “شباب الثورة”؟

“عصابة التنوير”: هل كان “العقل” هو الحل؟

جاءت مقالة الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، بعنوان “ما التنوير؟” ردا على القس المغمور يوهان فريدريش تسولنر (1753–1804)، الذي هاجم بشدة، وبحيرة أيضا، مفهوم التنوير، خاصة في مسألة الزواج المدني. وظهرت المقالة في “مجلة برلين الشهرية”، ولم يعلم كانط آنذاك أن الفيلسوف موسى مندلسون، قد نشر في المجلة نفسها مقالة للرد على القس، بعنوان “حول سؤال ما التنوير؟”.

وإضافة إلى شعار التنوير، المشهور عند “كانط”: “لتكن لديك الشجاعة لاستخدام عقلك أنت“، يوضح موسى مندلسون أن “الثقافة في مفهومها الكلي، هي الحضارة والتنوير، الأولى تخصّ إعمار الأرض بشكل عملي؛ والثانية تنصبّ على الجانب النظري، أي على المعرفة العقلية، والقدرة على تأمّل العالم والأشياء والحياة الإنسانية“.

لم يكن غريبا بعد كل هذا أن تُهاجم المجلة، التي لم تسلم ممن أساءوا فهم المقالات، فأطلقوا عليها اللقب التحقيري “عصابة التنوير”، إلى أن توقفت عام 1796.

لا شك أن التنوير ظاهرة منتمية لسياقها التاريخي، فقد كان موقف لفظة “التنوير” آنذاك، هو الدفاع عن قضية حملها ذاك العصر، وهي مبادئ الانتصار لحرية الانسان وتفكيره، والتأكيد على حاجة الإنسان إلى الإستناد إلى المنهج العلمي والعقل. إلا أن موقف كل من كانط ومندلسون لم يكن بسيطا، فقد برز تركيب موقفهما في قضايا المجتمع والسياسة بشكل خاص، فنجد لديهما تمييزا في تناول مفهوم التنوير على مستويين: الأول الحق الإنساني؛ والثاني واجب المواطنة، الذي يعبّر عن الجانب الاجتماعي والسياسي، إذ أن المواطن لديه وظائف في المجتمع والدولة. يشير مندلسون إلى أنه في ظروف تاريخية وسياسية، يقف الاثنان، أي الإنسان والمواطن، في موقف تعارض. كما كان لكانط موقف مركّب من مفهوم الثورة، فضلا عن علاقته بالسلطة حينها، التي جعلته يقيّد استعمال التنوير، فهو رغم تأييده للإصلاح عن طريق التفكير النقدي، يتحدّث عن الرأي الذي يضرّ الدولة ومؤسساتها، فكانط، بشكل أو بآخر، يعتمد أيضا على الدولة في وجود التنوير. وقرر في النهاية الوقوف مع الأمن والاستقرار. (1)

لا يمكننا النظر إلى التنوير بشكل مجرّد في ذاك السياق، باعتباره سببا مباشرا للعلمانية، أو نتيجة حصرية للعلم، فهو، مثل كل الظواهر الاجتماعية والثقافية، مركّب من مجموعة من المتغيرات، وليس تنزيلا كاملا ومقدسا. وهو أيضا لم يكن مؤسسة وتنظيما، بل صيغة ثقافية، تتبلور تدريجيا، لتصبح صيغة كلية في الثقافة الأوروبية، بتنوعها، وتمدّ التأسيس السياسي والاجتماعي بالشرط اللازم لوجود حق التعبير والرأي والتأويل، استنادا إلى العقل.

لقد نتج ذاك الشرط أيضا عن الظرف التاريخي، الذي وصفه الفيلسوف الفرنسي جان دالامبير، بأنه قائم على الثلاثة قرون، التي سبقت منتصف القرن الثامن عشر، والتي “شهدت، على نحو مستمر، انقلابا مهما في الحياة العقلية.. ظهرت “النهضة” في القرن الخامس عشر؛ وبلغ “الإصلاح الديني” ذروته في القرن السادس عشر؛ بينما شهد القرن السابع عشر انتصار الفلسفة الديكارتية” (2) وبالطبع كل ذلك في ضوء الثورة العلمية والصناعية.

لا يمكن أن نفهم وجود الحركات الاجتماعية والسياسية في القرن التاسع عشر، من ليبرالية وأناركية واشتراكية وشيوعية، إلا بناء على شرط التنوير والعقل الحديث؛ حتى الفلسفات الناقدة للعقل التنويري، بداية من الحركة الرومانسية، ثم النزعة الشكيّة الأولى لدى ماركس ونيشته، مرورا بهايدغر ومدرسة فرانكفورت، وصولا إلى ميشيل فوكو وتيار ما بعد الحداثة، لا معنى لها إلا في ظل شرط التنوير ذاته.

لماذا إذن لا يُقبل مفهوم التنوير في الحيز العام المصري، مثلما قُبلت مفاهيم أخرى، تستند إلى إرث التنوير والتنوير المضاد، مثل الأمة والوطن؟

مشاريع ناقصة: ما “الاستبداد” الذي واجهه التنويريون؟

ليس من الدقة الرجوع إلى التنوير الأوروبي باختزاله في نموذج واحد، بل لابد من تعديد صور نماذجه التاريخية، وتمثلاتها في سياقها. كما أن سمة التنوير هي تعدد تياراته، الاعتدالية والراديكالية، وكلاهما اختلفت مواقفه من الاستبداد والدولة القومية الناشئة. فعندما يتم استدعاء مفهوم التنوير في الحيز العربي المعاصر، تبدو الدلالة الذهنية للمفردة، في تعاطي الأطراف المؤيدة والناقدة، كما لو كان التنوير عبارة عن نموذج نهائي، وراديكاليا دائما. وهنا نجد المفارقة، بأن نقد “الثقافوية التنويرية” المتخيّلة، هو بالأساس نظرة غارقة في نموذج ثقافوي حدّي، فإما التنوير حل جاهز؛ وإما يكون وضعا ناقصا أو زائفا بالكليّة.

لا تخرج آفاق “الربيع العربي” عن تلك النظرة التبسيطية المخلّة، ليس فقط لأنها بنت مجتمع الصحوة الإسلامية، بل يكاد يكون الحديث عن “الحل الديموقراطي”، الذي دعت إليه، مقطوع الجذور عن أي إحالة لمشروع وحركة سياسية ذات أبعاد اجتماعية وثقافية. كيف تمّ قبول منتج حداثي بالكامل، مثل الديمقراطية، بدون عناصره الأساسية؟

يمكننا القول إن فكرة التنوير هي بنت عصور فلاسفة الحداثة الأوائل، من العقليين والتجريبين، الذين لم يكونوا يحلمون بذيوع فكرة مركزية العقلانية. ثم جاء فلاسفة ومفكرو عصر الأنوار، سواء من التيار الراديكالي، مثل ديدرو والبارون هولباخ؛ أو من التيار المعتدل، مثل عاهل بروسيا فريدريش الأكبر وفولتير، الذين اتفقوا بشكل ما على أن الجهل هو أصل الشرور، بالطبع تقوم ثقافوية التنوير على فكرة “التقدم”، إذ يسرد المؤرخ البريطاني جوثان إسرائيل عن هولباخ: “لا يمكن التشكيك بأن الأخذ بأنوار العقل، يصبح متعذرا، حين تشتد ربقة الجهل والخرافات” (3). لكن يمكننا أن نرى اختلاف التنويريين في الطرق والأولويات، فكانوا يرون أنه من الصعب، بل من الاستحالة، تأسيس نظام ديموقراطيّ جمهوريّ دون تنوير الجمهور. فتجد من يذهب، مثل كوندورسيه، إلى أنه “لا يمكن تنوير الجمهور إلاّ بتنويرِ مِن يتولَّون السُّلطة أولا“؛ أو من رأى مثل “فولتير” أن “التنوير ليس لكل الناس، وأن قيادة المستبد المستنير هي الشرط لإمكان وجود التنوير لعامة الجماهير، الغارقة في الجهل والخرافات“. في حين نجد دي تراسي، مؤسس الأيديولوجيا، بمعنى علم الأفكار، والمحسوب على التيار الراديكالي، يطرح نظريته في المعرفة موضع التنفيذ في المؤسسة التعليمية، والتي عاداها نابليون بعد ذلك، فهو اعتقد بتنوير الجمهور بالتعليم العام، وبإطلاق الحُريّة الفكرية وحُريّة النقد. ذهبَ دي تراسي إلى أنّ “الجهل والخرافة هما سبب شقاء الإنسان، إذ عن طريقهما يخضع للتسلّط السياسي، ويكون ضحية للتعصّب الديني والطائفية الدينية، التي تنتهي إلى صراعٍ دمويّ“. (4)

أما من ناحية العقيدة والدين، فمن الصعب أن نجد نماذج لعصر الأنوار، لا تستهدف التحرر من قيد المفاهيم الدينية، التي تمثل عائقا عن التقدم، بإعتبار الفلسفة الحديثة قادرة على كشف الحكم الرشيد، والقيم الاجتماعية المرتبطة به، على خلاف التفكير الديني, وحتى التيارات الراديكالية، التي هدفت إلى الثورة وتغيير أنظمة الحكم، كونها عائقا عن التنوير، كانت أهدافها تهتمّ بالاعتبارات اللاهوتية، من أجل تحقيق نظام حكم أفضل.

لا تستقيم النظرة إلى فكرة الأنوار بشكل لا تاريخي، يمكن استدعاء تجاربها أينما شئنا، لكن ما يمكننا إدراكه، بشكل تاريخي متصل، أن المبادئ والأسس الحديثة، هي نتاج تراكم المعرفة والتغيرات الثقافية والاجتماعية، التي لم تتوقف يوما، من نقد للذات والتراث الخاص، واستيعاب معارف الحضارات السابقة، وكل ذلك لم يتم سوى بالمساهمات المضنية، والناقصة بكل تأكيد. وكما ساهم عصر الأنوار في وضع أطر للعلمانية السياسية، فإنه وفّر كذلك شرطا لنشأة العلوم الإنسانية والاجتماعية الحديثة، بعد تحرير المنهج العلمي من اللاهوت.

يمكن القول إنه ليس هناك نموذج جاهز للتنوير، إنما هو بمثابة بوابة ضرورية لمناهج تحثّ على موضوعية المعرفة، ومساهمتها في تحرير الإنسان من قيود الفكر، الذي لا يتلائم مع الطبيعة المدنية. لذا نجد أن التنوير الأمريكي متمايز عن الفرنسي وعن الهولندي والألماني والإنجليزي، وبالتالي العربي.

ولمزيد من التخصيص، لا بد أن نسأل: هل يوجد نموذج للتنوير المصري حقا؟

الشيخ والأفندي: هل حققت سلفية محمد عبده التنوير؟

لا يغيب عن أحد، أن منطقة الشرق العربي ليست جزيرة معزولة عن ما حولها، بل أن تاريخ المنطقة بأكملها هو عبارة عن حركة ثقافات انتشارية من مراكز متعددة عبر العصور المختلفة، سواء مع الغزو أو التجارة أو الهجرة. ولا شك أن تدهور الإمبراطورية العثمانية قد أسهم في فصل زماني ومكاني بينها وبين الغرب الأوروبي، حتى مع محاولاتها التحديثية. لذا فإن التصادم الحديث بين الغرب والعرب كان كافيا لخلق حالة من الصدمة الحضارية، التي ما تزال تسيطر على المخيلة الاجتماعية حتى الآن، وذلك لأن ما هضمته أوروبا من التراث الإغريقي واليوناني والعربي، في قرون عديدة، وجد الانسان في الشرق العربي أن عليه استيعابه في سنوات.

كانت نماذج الحداثة أقرب لتكون جرعات مكثّفة، لم تستطع طبيعة البنى الثقافية استيعابها بتلك الوتيرة السريعة، ناهيك عن طبيعة التحولات في البنى الاجتماعية القديمة، المتمثلة في طوائف الحرف والطرق الصوفية ومشايخ القرى والقبائل، إذ أن نشأة طبقة وسطى بيروقراطية حديثة، وطبقة صناعية عاملة، لم تؤد إلى تغيير الثقافة، بل أفرزت شكلا من الحداثة، لم يصل لوئام كافي مع ضرورات تطوره ونضجه. وذلك بسبب عوامل ومتغيرات داخلية، مثل مسألة الهوية؛ وخارجية مثل الاستعمار، ونهاية عصور الإمبراطوريات الإسلامية.

لم يكن ممكنا الهروب من سطوة المركزية الأوروبية، بأطوارها المختلفة، إذ أن الثورة العلمية والتكنولوجية والصناعية، ناهيك عن نظم الحكم والحقوق والحريات الحديثة. أسهمت في تحسين شروط حياة الإنسان، وأيضا خلقت تحديات، بآفاق أوسع مما تخيله أحد. يبدو أن الثقافة في الشرق، حملت الحداثة، مثل سيزيف في الأساطير اليونانية، الذي حمل قدرا لا يمكن تجاوزه.

لذلك جاءت نسخة التنوير، في النموذج المصري، في قلب تأسيس الدولة الحديثة، مع الوالي العثماني محمد علي، بصيغة ولادة عسيرة، لأنها كانت مهمة السلطة الفوقية حصرا، في ظل جمود مؤسسة الأزهر التقليدية، بينما لفت الفكر المصري والعربي الناشئ إلى معوقات في البنية الثقافية التقليدية، التي لا تتوافق مع المبادئ والمفاهيم الحديثة للأمة والوطن والدولة. لقد رأى المثقفون نتائج فكرة “التقدم” الباهرة، فكانت “الثقافوية” حاضرة منذ البداية في سؤال ومشروع التقدم، برعاية الحكم الاستبدادي.

هكذا كانت الحداثة المصرية بمثابة دمج للتنمية والنهضة والتنوير في آن واحد، وفي قالب ناجز، فكان الحصول على حق التفكير والفهم وتطويع الثقافة بالعناصر الثقافية الوافدة، من أجل السير في ركب فكرة “التقدم”، فرضا فوقيا، يدفع إلى تخطي وتجاوز الضرورات التنويرية، مثل الإصلاح الديني، و”الشجاعة باستعمال العقل”.

كان احتكاك “نهضويين”، مثل حسين المرصفي والشيخ حسن العطار وغيرهم، مع ثقافة الآخر والأفكار الجديدة في رحلاتهما، كافيا لدفع وبلورة أصوات تدعو إلى التجديد في الفهم الديني، ما مهّد لمشروع رفاعة الطهطاوي، الذي يعدّ بمثابة أب التنوير المصري الحديث (5)، وعلامة على طبيعة العلاقة الخاصة بين الإصلاح الديني وطموح التنوير من جانب؛ والتقليد الأزهري ونشأة الدولة الحديثة من جانب آخر. إذ أن نموذج الحداثة المصري كان فوقيا في معياريته، وحتى في ظل ما أحدثه من تصادم اجتماعي بطبيعة الحال، إلا أن اليد العليا بقت للسلطة، في فرض شروط التحديث والاستنارة.

لم يسلم الطهطاوي في صغره من الاتهام بالمروق والكفر. فقد كان  “مستنيرا” في قراءة القرآن، بما لا يخالف النظرة العلمية، مثل كروية الأرض، التي كانت مثارا للرفض والشجب حينها. ما يدلّ أن مشروع التنوير المصري للقرن التاسع عشر هو نتاج التعليم الحديث، القائم على البعثات الخارجية، والذي أفرز حركة تنويرية في الثقافة والفن والأدب والسياسة في مطلع القرن العشرين.

لم تمنع المسألة الاجتماعية في مصر قبل الحروب العالمية، من طرح التنوير في الفكر العربي، تحت دعوات ومسميات “النهضة” و”المدنية” و”الحداثة”، على يد أعلام مثل شبلي شميل وقاسم أمين وفرح أنطوان وغيرهم؛ أو “الإصلاح الديني”، على يد الشيخ محمد عبده، الذي رغم منهجيته الإصلاحية والتوافقية مع موقف الاستبداد المستنير، إلا أن قضيته الدينية في تحرير المسلمين من وساطة الفهم الديني، لا من سلف أو خلف، كانت نموذجا مستنيرا ومؤثرا على جيل متدفق من المفكرين، مثل أحمد لطفي السيد وغيره، فكان محمد عبده على وعي بأن مؤسسة الأزهر تحمل نقيض طموحات حداثة الدولة والأمة الفتية، ويقول: “إن كان لي حظ من العلم الصحيح الذي يذكر، فإنني لم أحصّله إلا بعد أن مكثت عشر سنين، أكنس من دماغي ما علق فيه من وساخة الأزهر“. (6)

رغم أن محاولات عبده انصبّت على جعل السلفية حداثية وليس ماضوية. لكن المفارقة أنها أنتجت الاثنين معا. لا شك أن مسألة التراث كانت بوابة منيعة، لا مناص من اقتحامها، فحق التعبير والفهم العلمي وثيق الصلة بالقدرة على إعمال العقل في التراث الإنساني ككل، وبالأخص الفاعل منه في الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية، لذا أنتج “اقتحام التراث” كتابي “في الشعر الجاهلي” لطه حسين، و”الإسلام وأصول الحكم” للشيخ علي عبد الرازق، اللذين كان لهما مكانة مؤسِّسة في العقل المصري والعربي، لأنهما مثّلا إشكالية ثقافية واجتماعية. فكان لابد من الانتقال إلى شعار “الأنوار المصري”، أو  كما قال سلامة موسى “حرية إعمال العقل هي قدس الأقداس“.

من جهة أخرى حملت الصحوة الإسلامية الأولى الجانب الآخر من مشروع محمد عبده، أي نموذج السلفية الجديدة، المتمسّكة بثوابت الأمة. ومع انحسار التيار الليبرالي، بسبب التحولات الاجتماعية والسياسية في مشروع القومية العربية، باتت تجربة التنوير مدجّنة في حلم الستينات، بالتحرير والتنمية، واتساع الطبقة الوسطى المرتبطة بالدولة القومية، والساعية للترقي الاجتماعي.

خطاب الأولويات: لماذا كان التنوير غائبا عن “يناير”؟

يمكن القول إن رفض “التنوير”، والسخرية منه، عبر خطاب “التركيز على الأولويات”، مشترك بين كثير من الفئات في مصر، ليس فقط “شباب الثورة”، أو المثقفين الليبراليين واليساريين، بل هو ذاته أسلوب السلطة التقليدي، ألم يصرح الرئيس السيسي: “يعمل إيه تعليم في وطن ضائع؟“.

يمكن ملاحظة أن تراث التنوير المصري تمت مصادرته على مراحل سياسية واجتماعية متعددة، مع التوحيد بين الوطن والعقيدة في نموذج الدولة الوطنية في مصر. كان التراث الإسلامي مناطا للانتقاء، سواء من قبل الإسلام السياسي، أو من نموذج دولة يوليو. إذ حصلت عملية من إعادة انتاج للتراث ومخيّلته، عبر تبني سردية أيديولوجية من الماضي، من رموز البطولات والمعارك، والثورات الاجتماعية ضد الحكم الأموي والعباسي، والعدالة الاجتماعية في الإسلام وخلافه. واستفادت السلطة السياسية من مخيال التراث المقدس، حتى تستلهم منه ما يكون بمثابة الأصل لها.

حمل التنوير في الستينات تطلّعا رومانسيا في قالب مشروع القومية العربية، فاستمرت الدولة بمهام حماية التنوير، ضد التبعية الخارجية والظلامية الداخلية الإسلامية. ومع سقوط مشروع تلك الدولة، سادت حالة الارتباك بين أطياف التنويريين، أمام صعود الصحوة الإسلامية، المشحونة بقمع دولة يوليو، والممولة بأموال النفط، في أجواء رومانسية الثورة الإسلامية في إيران.

في تلك المرحلة، أصبحت كلمة “التنوير” وروادها في موضع التكفير، أو الاضطرار لأسلمة أفكارهم، بعد  أن جرت التحولات الاجتماعية والاقتصادية في صالح توغل الحركة الإسلامية، على منابر ومنافذ الثقافة في المجتمع والدولة.

لذا لا يمكننا فهم السخرية الحالية من لفظ “التنوير” إلا في نطاق “تحالفات القمع الديني والقمع السياسي، التي تقوم على صيانة مركزية البنية التسلطية للفكر السياسي، والاجتماعية والاقتصادية، والتأويل الديني على السواء” (7). وهي الحاضنة نفسها التي خرجت منها ثورة يناير، التي كان التنوير غريبا بداخلها منذ اللحظة الأولى، مثيرا للتهكّم والوصم والتكفير، وغائبا عن مشروعها السياسي، المفقود أصلا.

وسط كل هذا، لا أحد يملك التنبؤ بـ”مستقبل الثقافة في مصر”، وهو السؤال الذي طرحه طه حسين، لأن الإنتاج المعرفي والثقافي مسلوب شرط التنوير، في إعمال العقل، وسلك المناهج العلمية الحديثة.

وفقا للأنثروبولوجي الأميركي رالف لنتون فإن “لكل مجتمع شكل رئيسي للشخصية الخاصة به، ولديه كذلك مجموعة معينة من شخصيات المركز” (8)

تعتمد تلك المقاربة على التأثير المتبادل بين الثقافة والشخصية، فبدون الثقافة لا توجد شخصية، وبدون الشخصية لا توجد ثقافة. فإذا نظرنا في مسألة التنوير والإصلاح الديني، نلاحظ أن عناصرها الأساسية، سواء من التراث الغربي أو التراث الإسلامي، كانت مناطا للرفض والتشويه، رغم نتائج حركة التنوير في القرنين التاسع عشر والعشرين. إذ أن ما حصل منذ السبعينات هو أن المكونات الثقافية للتراث التنويري المصري هُمّشت، بدرجة مقاربة لما حصل مع التراث العقلاني في العصور الإسلامية الأقدم.

هنا تقوم التنشئة الاجتماعية في ظل التغيرات الاقتصادية، بالتأثير في الشخصية تبعا للصيغ الثقافية السائدة، عبر تعزيز المقولات والسلوكيات، التي هي بالأساس من جذر اجتماعي وثقافي مناهض لمبادئ الديموقراطية، وفي ظل فشل السياسات الاقتصادية الضاغطة على غالب الطبقات، تميل الشخصية الاجتماعية إلى “مأزق التجمد”، وهي حالة صدمة من الفقدان الثقافي، والاغتراب الاجتماعي.

الغريب حقا أن يتشبث أفراد من المجتمع، يُحسبون على “الفاعليين التغيريين” والثوار والمثقفين، بنسق اجتماعي وثقافي مضطرب وعشوائي لهذه الدرجة، ويسخرون من كل محاولة لنقده، بداعي رفض الاستبداد.

المراجع

(1) شعر وفكر، عبد الغفار مكاوي، هنداوي.

(2) فلسفة التنوير، ارنست كاسيرر، المركز العربي للأبحاث.

(3) ثورة العقل، جوناثان إسرائيل، مركز نهوض.

(4) كيف كانت نهاية عصر التنوير في فرنسا؟ أشرف منصور، منصة معنى. https://mana.net/20400/

(5) بناة مصر الحديثة، رفعت السعيد، مكتبة الأسرة.

(6) الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده، ج3، محمد عمارة.

(7) هوامش على دفتر التنوير، جابر عصفور، المركز الثقافي العربي.

(8) The cultural background of personality, R. linton

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
3 2 أصوات
تقييم المقالة
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات