فيلم”Civil War”: لماذا باتت الحرب الأهلية الديستوبيا الأميركية المعاصرة؟

فيلم”Civil War”: لماذا باتت الحرب الأهلية الديستوبيا الأميركية المعاصرة؟

عُرض في السينمات الأمريكية والعالمية، في نيسان/ابريل من العام الحالي 2024، فيلم “CivilWar” (حرب أهلية)، بطولة كريستين دونست وفغنار مورا وستيفان ماكينلي هندرسون. من كتابة وإخراج المخرج الشهير ألكس غارلاند، ومن توزيع شركة A24، التي دعمت مشروع الفيلم منذ عام 2022، واعتبرته أحد أهم أفلامها على الإطلاق، وبالفعل حقق الفيلم نجاحا في شباك التذاكر الأميركي، بإيرادات تقدّر بـ107 مليون دولار، في مقابل مصاريف 50 مليونا فقط.

أستُقبل الفيلم المنتظر بإشادة كبيرة، وتعليقات إيجابية في بدايات عرضه، لكنه سرعان ما تلقّى تعليقات سلبية وفاترة جدا، الي حد وصفه من قِبل أحد النقاد بـ”فرصة ضائعة”، فالفيلم من الأساس جاء لحكاية قصة سياسية تماما، وهي وقوع حرب أهلية في الولايات المتحدة، وانقسامها إلى أربع مناطق جغرافية، بأربع قوى تتصارع على الحكم. لكن الفيلم نفسه لا يشرح لنا لماذا يحدث هذا؟ أو مَنْ بدأ هذه الأزمة؟ الفيلم يأخذ موقفا لا سياسيا، ويكتفي بالموقف الصحفي، الذي يريد أن ينقل القصة بكل حياد، حتى المشاهد الأخيرة في الفيلم. هذا التعامل البارد مع القصة جعله أشبه بفيلم ديستوبي، يتحدّث عن غزوات الفضائيين للكوكب، أو حتى أفلام الموتى الأحياء، كما في مسلسلات The Walking Dead أو The Last of Us، وغيرها من الأعمال المسيطرة على ثقافة البوب المعاصرة.

لكنّ هناك فريقا أخر من النقّاد، وجد الفيلم أكثر كابوسية مما يبدو عليه، فهو لا يحكي قصة ناجين من الحرب، أو حكاية مطاردة من كائنات مجهولة الهوية، إنما يسرد، لأول مرة، قصة عن “الأمة الأميركية”، وهي تتفتت، ويقتل بعضها بعضا، لأسباب عنصرية ومناطقية، في صراع مُستعر على السلطة. وهذه الوحشية تظهر في عدسات الكاميرا، الحاضرة في تنقلاتها بين المدن والولايات، وفي عيون أبطال الفيلم الباردة، التي لا تكترث كثيرا بأسباب الأزمة، وحتى لا تكترث للنجاة الشخصية، وخصوصا في بلد انقسم للتو، بلا قانون ولا سلطة محلية، وحتى بلا عملة.

يحكي الفيلم عن ثلاثة صحفيين ومديرهم، ينطلقون في مهمة صحفية من نيويورك حتى العاصمة واشنطن، هادفين في رحلتهم إلى مقابلة الرئيس المتحصّن في العاصمة، والذي يريد أن يقضي فترة حكمه الثالثة المخالفة للدستور، ومن هناك يقود القوات الحكومية، التي أصبحت تسيطر على أقل من ربع عدد الولايات، وهي أخذة بالتقهقر أمام خصومها، سواء “التحالف الغربي” WF بين تكساس وكاليفورنيا؛ أو تحالف فلوريدا. وخلال رحلة الصحفيين، يتوقفون في عدد من المحطات، سواء معسكرا للنازحين؛ أو محطة وقود يسيطر عليها أهالي المنطقة المسلحون، الذين يقتلون كل من يشتبهون به؛ وصولا إلى جنود التطهير العرقي، وحافري المقابر الجماعية. ومن هناك تنتهي رحلتهم بمقابلة القوات التي تستعد لاقتحام العاصمة واشنطن، وقتل الرئيس المنتهية ولايته.

خريطة متخيّلة للولايات الأميركية بعد الانقسام

ما الرسالة التي يحاول الفيلم ايصالها من خلال هذه الصورة الكابوسية، التي تبدو مقبلة من دول العالم الثالث، وليس من أكثر دول العالم تقدّما وقوة؟ وهل ما يحذّر منه حقيقي فعلا؟ أم أنها واحدة من المبالغات، التي عودتنا عليها السينما الأميركية، والتي نشاهدها ثم ننساها بعد ساعات معدودة؟

ما بعد “كازبلانكا”: هل يمكن لليبرالية الصمود بدون قصص كبيرة؟

عقب هزيمة دونالد ترامب في الانتخابات الأميركية الأخيرة، أمام الرئيس الحالي جو بايدن، وقعت حادثة اقتحام مبنى الكابيتول، في السادس من كانون الثاني/يناير من العام 2021، لتمثّل ذروة الانقسام الأمريكي الداخلي، والذي كان قد استمر على مدار سنوات حكم ترامب الأربع، الذي نجح في اختراق الإدارة الأمريكية، وإحداث شق داخلها، انتقل من مجرد أزمة داخلية في الحزب الجمهوري، أو بين الحزبين الرئيسيين في أميركا، إلى أزمة مجتمعية واستقطاب سياسي حاد، بدأ ربما من لحظة أحداث تشارلوتسفيل Charlottesville، وهي البلدة التي تجمّعت فيها حركات يمينية ومنظمات مسلّحة من كل الولايات، في مشهد استعراضي بالمشاعل، وبصيحات “jews will notreplace us” (اليهود لن يحلوا محلنا) في مشهد مماثل لما حدث في ألمانيا النازية مع وصول هتلر للحكم. وقد امتنع ترامب عن تحميل القوميين البيض مسؤولية دهس عدد من المتظاهرين، صبيحة اليوم التالي للمظاهرات، بعدما وقعت اشتباكات بين المتظاهرين اليمينيين، وآخرين يساريين.

من أحداث تشارلوتسفيل

عادت تلك الأحداث الي الذاكرة، مع اكتساح دونالد ترامب الانتخابات الداخلية للحزب الجمهوري هذا العام، واعتباره الأوفر حظا على الساحة السياسية كي يصبح الرئيس الأميركي القادم، وخصوصا مع انخفاض شعبية جو بايدن، وضعف قدراته الذهنية، وسياساته التي أدت لاندلاع صراعات، مثل الصراع الروسي الأوكراني، إضافة لاعتماده اقتصادا داخليا، يقوم بشكل موسّع على الاقتراض، وتشديد السياسات النقدية، ما أدى لنوع من فقدان الثقة في الاقتصاد الأميركي عالميا.

وأثناء كل هذه المعضلات، يأتي فيلم Civil War، ليحكي قصة رئيس ديكتاتوري متطرّف في البيت الأبيض، يتسبب بأزمة، يتم فيها اللجوء الي العنف، وتدهس الدبابات الديموقراطية، ومعها كل وسائل تداول السلطة السلمية المدنية.

يعلّق الكاتب الأميركي جون بليك على هذا التصوّر، في مقالة على موقع CNN :”يصعب تخيّل أي مستقبل أخر للولايات المتحدة، في ظل شهرة أفلام مثل “حرب أهلية”، فنحن الآن في زمن تحتل فيه قصص فشل أميركا الخيال والثقافة الشعبية، إنها النقيض من قصص الأمل، التي اعتاد عليها الأميركيون، من أجل توحيدهم في الأوقات الصعبة“.

يعتقد جون بليك أن وفرة أفلام ومسلسلات الديستوبيا، واكتسابها زخما واسعا مؤخّرا، يعتبر بمثابة علامة على قلق من المستقبل، سواء لأسباب سياسية، مثل التي نعيشها اليوم؛ أو بيئيّة وصحية، مثل احتمالية تكرار وباء كورونا؛ أو اجتماعية، كما في حادثة تشارلوتسفيل. مثل تلك القصص تأتي في لحظة لا تمتلك فيها الديموقراطية الليبرالية أية قصة مؤثّرة وفعّالة، كما سبق لها في أزمات سابقة. فمثلا فيلم “Casablanca” جاء في فترة الحرب العالمية الثانية، عندما كانت الولايات المتحدة محجمة عن الدخول في الحرب، والديموقراطية في أوروبا تتهشّم على وقع صعود هتلر، وانتصاراته المتوالية، فجاء الفيلم ليحكي قصة للأميركيين، من أجل تحفيزهم للدفاع عن ديمقراطيتهم، ضد الأخطار المحدقة. بينما غياب مثل هذه القصص الآن مؤشّر سيء، ويقربنا أكثر من إمكانية تحقّق الديستوبيا.

من فيلم كازبلانكا

لكن هل يكفي اختفاء القصص الحالمة، للتنبؤ بإمكانية انهيار القوة الأكبر في العالم؟ ماذا يمكن أن تكون الأسباب الواقعية الملموسة لتحقّق هذه الاحتمالية؟

أفول الحضارات: هل تؤكد البيانات المعاصرة اقتراب “انهيار الإمبراطورية”؟

دأب الفلاسفة والمؤرخون وعلماء الانسانيات على التفكير في أسباب انهيار الحضارات والمجتمعات المعقدة، من الحضارة المصرية القديمة إلى الحضارة الرومانية وغيرها، ولطالما ساهم هؤلاء المفكرون في تحديد الأسباب الملموسة، التي تراكمت على مر التاريخ، فأدّت في النهاية إلى سقوط هذا المجتمع أو ذاك. مثل كتاب “تاريخ ضعف وسقوط الإمبراطورية الرومانية” للمؤرخ إدوارد جيبون، الذي شرح، في ستة مجلدات، كيف انهارت الفضيلة المدنية، نتيجة اعتماد الرومان على البرابرة في الدفاع عن أنفسهم، أو إيمانهم بالفكر الخلاصي للمسيحية. كذلك شرح ابن خلدون، في مقدمة تأريخه الشهير، كيف تنهار الدول والمجتمعات، بفقدانها عصبيتها، التي تُشكّل لحمتها الأساسية أمام الأعداء، أو حتى تحوّل هذه العصبية الي عصبيات متنازعة فيما بينها.

كتاب “تاريخ ضعف وسقوط الإمبراطورية الرومانية” للمؤرخ إدوارد جيبون

ومن ابن خلدون وجيبون إلى المثالية الألمانية، كما لدى هيغل، مرورا بمادية ماركس، وانتهاءً بثقافوية شبينغلر، أخذت شروط تطور المجتمعات ونموها من ثم انهيارها، تشغل جانبا كبيرا في الفكر الإنساني، لكن دائما ما تم التشكيك فيها، أو نقدها باعتبارها تخرّصات، أو على الأقل نظريات غير دقيقة، لا تعتمد على معلومات دقيقة، وانما تحيزات أيديولوجية وثقافية خاصة بأصحابها، حتى جاء القرن الحادي والعشرون، وأمدّنا بأدوات جمع وتخزين ومعالجة وتحليل للبيانات، لم تكن متاحة لأي فيلسوف تاريخ أو مُنظِّر اجتماعي من قبل.

نشرت مجلة “Nature” العلمية في العام 2010، مساهمة للباحث في مجال علوم التعقيد بيتر تورشين، يتوقّع فيها اندلاع اضطرابات اجتماعية في الولايات المتحدة، بداية من العقد الثاني للقرن الحادي والعشرين، وإذا أن لم تتمكن النخب الأميركية من مواجهة تلك الاضطرابات، فسوف يحدث انقسام في الدولة، يحوّلها الي ثلاث دويلات متنازعة فيما بينها. ويقول: “عندما تعاني أمّة ما، مثل الولايات المتحدة، من ركود أو انخفاض الأجور، واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، والإفراط في إنتاج الخريجين الشباب، الحاصلين على درجات علمية متقدّمة، وتراجع ثقة الجمهور، وانفجار الدّين العام، فإن هذه المؤشرات الاجتماعية، التي تبدو متباينة، تترابط في الواقع بعضها ببعض، بشكل ديناميكي“.

يحاول تورشين أن يقدّم دراسة إنسانية شاملة، من خلال بناء قواعد بيانات ضخمة، تحاول استكشاف الأسباب المادية وراء دورات نهوض وتفكك الإمبراطوريات والدول. ومن معهد علوم التعقيد بفيينا، يقود فريقا من المتخصصين في الأنثروبولوجيا والأثار وعلوم الحاسب الآلي والإحصاء، لبناء قاعدة بيانات ضخمة، يمكنها أن تجيبنا عن احتمالات انهيار الدول الكبرى اليوم، وفي مقدمتها الإمبراطورية الأميركية.

بيتر تورشين

يشرح تورشين في كتابه “نهاية الأزمنة: النخب والنخب المضادة ومسار التفكك السياسي”، أن هناك أربعة عوامل، يمكن نمذجتها رياضيا، لتجيب على سؤال البناء والانهيار، الآن وقديما، وهي: التفاوت المتزايد في الثروة والفجوة في الأجور، الإفراط في انتاج نخب من أبناء الأسر الثرية، المتنفّذة إلى موارد السلطة والثروة؛ وجود حالة من اللامبالاة السياسية والإحباط؛ وأخيرا نمو غير منضبط للدَين العام.

يقول تورشين إن تلك العوامل يمكن تلافيها دائما من قِبل النخب الحاكمة، سواء عسكرية أو مالية أو بيروقراطية أو أيديولوجية. لكنه يعتبر أن هذا يصبح مستحيلا، عندما تتنافس النخب فيما بينها، وتصل الي حد الصراع، وعدم إمكانية صياغة شكل من أشكال التوازن، وهو الأمر المتكرر في كل حالات الانهيار التي درسها فريقه، ويحدث الآن في الولايات المتحدة.

كتاب “نهاية الأزمنة: النخب والنخب المضادة ومسار التفكك السياسي” لبيتر تورشين

تتعرض أراء تورشين للنقد، إلى حد وصفه بأنه “نبي مزيّف”، فالاعتماد على الأرقام والإحصاءات لا يعطيها سلطة الحقيقة، وانما يمكن دائما إخفاء التحيزات داخلها، وخصوصا عندما نكون بصدد الإجابة على سؤال كبير جدا، مثل كيف تنهار المجتمعات المعقّدة على مر التاريخ؟ وهو ما يجعلنا نتجه إلى تخصيص السؤال في حالتنا، أي الحالة الأميركية، التي ينشغل بها فيلم “الحرب الأهلية”.

الوسيلة والقيادة: هل تنجو الولايات المتحدة من الانتخابات القادمة؟

معظم الأمريكيين لا يمكنهم أن يتخيّلوا حربا أهلية جديدة في بلدهم، لكن ذلك فقط لأنهم لا يعرفون كيف تبدأ الحروب الأهلية“.

باربرا والتر، باحثة سياسية أميركية

نشرت جامعة دالوير في الولايات المتحدة عام 2022، ورقة بحثية بعنوان “هل تتجه الولايات المتحدة للحرب الأهلية؟ سيناريوهات 2024\2025″، تشرح فيها عددا من النظريات والأفكار، لعدد من المفكرين السياسيين، وتخلص فيها الي أن كل عوامل قيام تمرّد مسلّح في الولايات المتحدة في الحقيقة تتوفّر الآن. وتتحدد أربعة عوامل لذلك، وهي: الوسيلة، الدافع، الفرصة، القيادة.

يحلل الباحثون هذه عوامل، فتأتي في المقدمة “الوسيلة”، وهي انتشار الأسلحة النارية بتنوعاتها في يد الأفراد، وحتى الميليشيات، مثل مجموعات اليمين المتطرّف، التي اقتحمت الكونغرس يوم السادس من كانون الثاني/يناير؛ ثم “الدافع”، وهو الرغبة في فرض رأي شعبوي بقوة السلاح، وفي هذه الحالة سوف يكون الدافع فرض دونالد ترامب رئيسا، في حالة فشله، أو تأييده لفترة رئاسية ثانية بعد انتهاء حظوظه الدستورية؛ وبعد ذلك تأتي “الفرصة”، وهي حدة استقطاب الرأي الشعبي بين الحزبين الرئيسيين في أميركا، حول أهم القضايا، ما يجعل احتمالات اندلاع الصراع تبرز على أكثر من مستوى، ديموغرافي وطبقي وأيديولوجي؛ وأخيرا “القيادة”، وهي مربط الفرس في راهنية الأزمة، وتحديدا وجود دونالد ترامب، أو من يشبهه داخل الحزب الجمهوري.

لهذه الأسباب وأكثر، شعر عديد من المشاهدين والمعلقين على فيلم Civil War، أنه فيلم كابوسي، وكابوسيته تأتي من مدى واقعيته، ونضوج كل شروط تفاقم الأزمة، سواء كانت غياب سردية ديموقراطية؛ أو أدلة إحصائية تقول بزيادة معدلات اللامساواة والتفاوت الطبقي؛ أو حتى وجود شخصية سياسية مثل دونالد ترامب.

لكن ألكس غارلاند، مخرج الفيلم، لا يترك المشاهدين لتلك السوداوية، فيشير دائما لاحتمالية النجاة، مؤكدا على دور الصحافة، ومدى إيمان العاملين فيها بالحقيقة، وكشفهم للتزييف، والإجرام المرتكب باسم الحرية والقومية، خلال تلك الأزمة السياسية العميقة. وكيف يمكن أن يدفع أصاحب الأقلام الشجاعة، وحاملي الكاميرات، حياتهم، في مقابل مجتمع وظروف أفضل. ولعل هذه هي الرسالة التي يريد توجيهها للصحافة والنخب اليوم، وكيف يمكنهم أن يعملوا لتفادي ذلك المصير الكابوسي.

المراجع

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
4 4 أصوات
تقييم المقالة
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات