سوريات في التريند: ما الذي يجذب عراقيين إلى “الفيتش السوري”؟

سوريات في التريند: ما الذي يجذب عراقيين إلى “الفيتش السوري”؟

تندلع حاليا على وسائل التواصل الاجتماعي مناقشات حول “ظاهرة” زواج الشباب العراقيين من نساء سوريات، إذ انتشرت معلومات وفيديوهات حول هذا الموضوع، مما جعله يتصدّر الترند والهاشتاغات، تحت عنوان “عراقي يتزوّج سورية”.

بدأت القصة بشكل فكاهي في البداية، حين شرع بعض مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي بإنشاء فيديوهات تصوّر شبابا عراقيين يمدحون “المرأة السورية”، ويعبّرون عن رغبتهم بالزواج منها، مصوّرين إياها على هيئة المرأة الوفية، والمتفانية في رعاية زوجها ومنزلها؛ وفي الوقت نفسه المغناج التي تدلّل رجلها، وتتغزّل به بعبارات، تشبه المشاهد المألوفة في مسلسلات البيئة الشامية، التي أثيرت حولها إشكالات عديدة أصلا.

تطوّرت المواضيع قليلا، مع الحديث عن ارتفاع نسبة النساء السوريات اللواتي تزوجن من عراقيين، بعد لجوء عدة عائلات سورية إلى العراق، وسفر بعض العراقيين إلى سوريا للزواج من نساء سوريات، واصطحابهنّ إلى العراق، دون الحاجة إلى دفع مهور، أو تقديم ضمانات، أو تكاليف حفل الزفاف. و أصبح الموضوع بعد ذلك مقارنة بين “المرأة العراقية” و”المرأة السورية”، بشكل أشبه ما يكون بمقارنة السلع والأسعار.

يرى بعض الأشخاص في العراق أن تحويل هذا الموضوع إلى تريند فيس بوكي معيب، ويسيئ لصورة النساء بشكل عام، ولمؤسسة الزواج بشكل خاص، عبر تحويلها إلى سوق تجاري. وعلى الجانب الآخر، عبّر سوريون عن استيائهم من تعاطي بعض العراقيين مع النساء السوريات بهذه الطريقة، التي اعتبروها مهينة ومسيئة لصورتهن. ورغم تناول وسائل إعلام عربية عديدة موضوع زواج الشباب العرب من نساء سوريات خلال السنوات الأخيرة، إلا أن الأرقام التي اعتمدت عليها، وكانت متداولة عبر صفحات فيسبوك، غير صحيحة، وتشير إلى ارتفاع نسب الزواج من سوريات بشكل مبالغ فيه جدا.

قدّم بعض العراقيين مؤخرا معلومات حول كيفية الزواج من امرأة سورية بتكاليف زهيدة جدا، مقارنة بالزواج من العراقية، واعتبر أن المتطلبات المالية، التي يفرضها الزواج في العراق، مثل المهر والمسكن والأثاث، مبالغ فيها، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة في البلاد، وألقى البعض الآخر باللوم على العائلات العراقية، التي ترفع مهور بناتها، ما ينفّر الشباب، ويجعلهم يتوجهون الى الزواج من فتيات سوريات. آخرون اعتبروا أنه حتى لو كان نشر بعض المحتوى، الذي يحتفي بالنساء السوريات، يتم بنية طيبة ربما، إلا أنه “حق يراد به باطل”. فهو يسيء لسمعة السوريات، ويضعهنّ بمقارنة سلبية مع النساء العراقيات.

لكن هل الموضوع مهم لهذه الدرجة فعلا؟ ماذا يقول عن المجتمع السوري والمجتمع العراقي، والثقافة السائدة في المنطقة في هذه الفترة؟ ثم ماذا يعني فيتش المرأة الجميلة الوفية الذكية، وقليلة المتطلبات الاجتماعية في الوقت نفسه؟

أعراس الحرب: هل باتت سوريا بلد النساء الفقيرات؟

لم تقتصر التغيرات الاجتماعية في سوريا على النسب الديموغرافية، بل امتدت أيضا إلى نمط الزواج والعادات الاجتماعية. ومع مرور أكثر من عقد على الحرب المستمرة، تشكّلت نقطة تحول في بنية المجتمع السوري، إذ ارتفعت نسبة النساء مقارنة بالرجال بشكل ملحوظ، سواء بسبب الوفيات أو الاعتقالات أو الهجرة الكثيفة للذكور.

وفي هذا السياق، أظهرت الإحصائيات، التي نشرتها وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل السورية، أن النساء يشكلن حوالي 60 في المئة من سكان بلاد، يعيش  ما يقرب من 90% منهن تحت خط الفقر، وتظهر الدراسات انخفاضا ملحوظا في الإقبال على الزواج، إذ وصلت نسبة العزوبية إلى أكثر من 70% من الشباب.

ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية، زادت حالات الزواج من زوجة ثانية بشكل كبير، مما يعكس تحولا ملحوظا في مفهوم الزواج والعلاقات الاجتماعية، بعد أن كانت هذه عادة مستنكرة في الأوساط المدينية؛ كذلك فإن انخفاض معدلات الزواج، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعصف بالبلاد، دفع الفتيات إلى البحث عن شركاء حياة يعيشون خارج البلاد، مما أدى إلى ارتفاع حالات الزواج من مغتربين، حسب ما أكدته مصادر داخل قصر العدل في حلب ودمشق. وأصبحت عبارات مثل “لم الشمل” و”الزواج من أجانب”، شائعة بشكل كبير في المجتمع السوري.

إلا أن زواج العراقيين من سوريات لم يأت فقط بسبب الظروف، وبشكل عفوي، بل أيضا بوساطة سماسرة ووسطاء، يسوّقون لسهولة العملية وقلّة تكاليفها. فقد أشارت التقارير إلى أن منطقة السيدة زينب في دمشق، التي باتت تسكنها غالبية شيعية، أصبحت مركزا لانتشار سماسرة الزواج، الذين يقومون بالوساطة بمقابل مادي.

على أية حال فإن زواج العراقيين من سوريات، والعكس، هو ظاهرة قديمة بقدم البلدين، وذلك للقرب الثقافي والاجتماعي، وأيضا الاختلاط وعلاقات القرابة العشائرية في المناطق الحدودية. ولذلك فتسمية زواج العراقيين من سوريات بـ”الظاهرة الجديدة” مبالغة، قد لا تكون بريئة بالكامل، ولا تشير إلى واقع اجتماعي مستجد، بقدر ما تشير إلى منظور معين للنساء والأدوار الجندرية عموما.

زواج الأقوياء: لماذا يفضّل الرجال النساءَ الفقيرات؟

عادة الزواج من مجتمعات تصنّف بوصفها “أضعف”، موجودة في غالبية أنحاء العالم، ومنها مثلا زواج الرجال الأوربيين من نساء أسيويات، أو ما يسمى  “Passport Bros”. إذ يفضّل بعض الرجال “البيض” النساء الآسيويات، بحثا عن علاقات أكثر “أصالة”، فهم يعتقدون أن الآسيويات لم يتأثرنّ بالتحولات الثقافية والاجتماعية، التي طرأت على النساء الأوربيات، وبالتالي يرون في الآسيويات فرصة للانسجام والرضا. وفي الوقت عينه، يرى بعضهم أن هذا الاختيار يعيد التوازن بين الأدوار الذكورية والأنثوية، ويتجنّب المشاكل المفترضة مع النساء الغربيات.

يُعتبر “طلب امرأة عبر البريد” mail-order bride، الذي انتشر أيضا في القرن العشرين، ويشير لزواج نساء من دول مثل روسيا وأوكرانيا من رجال “غربيين”، أحد الأمثلة المشهورة عالميا على اللجوء إلى “المجتمعات الأضعف” للزواج. إذ تضع بعض النساء من شرق أوروبا أنفسهنّ في “كاتالوغ”، يراه رجال من دول أكثر تقدما، مثل الولايات المتحدة. الأمر نفسه أيضا في الصين، التي كانت تكاليف الزواج فيها مرتفعة تقليديا، ما دفع بعض الرجال الصينيين، من مجتمعات الطبقة العاملة، لاستقدام زوجات من فيتنام أو كمبوديا، عبر وسطاء زواج مدفوعي الأجر.

ليس الموضوع جديدا إذن، ولا منتشرا للدرجة التي يظهرها التريند، كما أنه لا يحدث فقط بين سوريا والعراق. ولكن يبقى السؤال: لماذا إثارة موضوع النساء السوريات؟

الفيتش السوري: لماذا باتت أنوثة المسلسلات الشامية مفضّلة عربيا؟

لابد هنا من تذكّر تريند آخر، تصدّر مواقع التواصل الاجتماعي في مصر خلال السنوات الماضية، ولكن بنموذج معكوس: “الشاب السوري في مصر”. والذي تداوله بعض المستخدمين بطريقة فكاهية، تظهر رغبة شابات مصريات بالزواج من رجل سوري، يدللهن ويغازلهن على الطريقة الدمشقية، التي تظهر في المسلسلات. ومنهن أيضا من ذكرن محاسن الشاب السوري الوسيم، الذي يدفع مهرا، ويتمتّع بمسؤولية كبيرة تجاه زوجته وعائلته، وقارننه بالرجل المصري، الذي يلقي بكافة المهام على عاتق زوجته. وقد ظهر خلال الفترة نفسها هاشتاغان مسيئان للرجال والنساء المصريات، من داخل المجتمع المصري نفسه: “لا تتزوجي مصري“، الذي ينصح النساء المصريات بعدم الزواج من رجل مصري يستعبدهن؛ و“لا تتزوج مصرية”، الذي يحثّ الشباب المصريين على الابتعاد عن “المصريات النكديات”. وقد تحدّثت وسائل إعلام عن تفضيل السوريين في مصر على السودانيين، في مسائل العلاقات الجنسية والزواج، بسبب لون بشرة السوريين “الفاتح”.

إنه نوع من “الفيتش” إذن. وهو شبيه أيضا بالفيتش الاسيوي، حين كان المستعمرون الهولنديون البيض مثلا يرغبون بشدة بنساء من جنوب شرق آسيا؛ أو الفيتش الافريقي الذي يجد فيه نساء أو رجال بيض أن الشركاء الافريقيين أكثر جاذبية وقوة جنسية. إلا أن الفيتشية هذه لا تتعلق بالقضايا الجنسية البحتة، بل هي ، كما رآها ماركس وأنطونيو غرامشي، مرتبطة ارتباطا وثيقا بأبعاد سياسية واقتصادية، تتخذ فيها العلاقات بين الناس شكل العلاقات بين الأشياء.

لفت عديد من الدراسات إلى العلاقة بين تشييء واستغلال البشر والفيتش الجنسي المنتشر في فترة ما، من خلال إضفاء الطابع الجنسي والتلاعب والتجريد من الإنسانية. إذ تم تصوير النساء السوداوات في وسائل الإعلام على أنهن أدوات جنسية على سبيل المثال، الأمر الذي رأى بعض الباحثين أنه لم يحدث من قبيل الصدفة، بل يعود إلى تاريخ طويل من العبودية والجذور الاستعمارية. وقد أعطت الدراسات ثلاثة معانٍ للتشييء الجنسي: “الأخلاقي المتمثّل في معاملة الشخص كما لو كان في المقام الأول غرضا جنسيا؛ والسياسي، الذي تعتبر فيه المرأة اجتماعيا أداة متعة جنسية للرجال؛ والمعرفي، وهو تشكيل شخص ما اعتقادا جنسيا عن شخص آخر  كما يريد“.

لا توجد علاقات استعمار واستعباد بين الدول العربية الحالية، وبالتالي فإن “الفيتش السوري” لا يتعلّق هنا بتشييء قائم على استغلال تاريخي، ولكن بأمر آخر، يتعلّق أساسا بالمجتمعات التي يصدر منها التريند. فخلف ستارة الكوميديا و”الميمز”، نلمح اعتراضا على ضياع الدور الجندري الذكوري التقليدي. هكذا يصبح “جلب” النساء من بلد يلتهمه الفقر والحرب، إلى بلد اكثر استقرارا، نوعا من المكرمة الذكورية، التي يُتوَقع من النساء أن يكن ممتنات لها، وأن يبقين لذلك تحت السيطرة دوما، ما يعيد التوازن إلى العالم، الذي “اختل” باختلال أدواره الجندرية.

وفي الواقع هذا “الجلب” لا يقتصر على العراقيين فقط، بل يمارسه الذكور السوريون أنفسهم، إذ يسعى كثير من الشباب السوريين في أوروبا إلى الزواج من فتاة “بريئة”، لم تفسدها “الحياة الغربية”، والاطلاع على الحقوق التي يكفلها القانون للنساء في الدول الديمقراطية، ولذلك يفضلون الزواج من فتاة داخل سوريا، ومن ثم لم الشمل معها، بعد فترة تطول أو تقصر.  

بنى الأزمة: ما الذي سيبقى بعد انتهاء التريند؟

ربما كان الأجدى عدم النظر إلى المسألة، بوصفها أمرا بين سوريين وعراقيين ومصريين، أو غيرهم من شعوب المنطقة، فهي تتعلق أساسا بالبنى الاجتماعية السائدة في معظم الدول العربية، سواء التي تشهد حروبا أو لا تشهد. وتلك البنى هي ما يسهم بإحلال النساء في ذلك الدور وتلك الصورة.

يرتبط الزواج المدبّر بشكل وثيق بانخفاض مستوى التعليم وتدهور الأوضاع الاجتماعية، وتشير الدراسات إلى أن الأزمات والحروب يمكن أن تغيّر التركيبة السكانية، مما يؤثر بشكل مباشر على آليات وعمر الزواج، ولا يقتصر هذا التأثير على جيل الحرب وحده، بل يمتد أيضا إلى الأجيال اللاحقة.

وفي البلدان التي تفتقد أصلا إلى العدالة الاجتماعية وإلى أبسط حقوق النساء، يزيد الصراع من تفاقم المشاكل القائمة، وخاصة بالنسبة للنساء؛ ويتيح الفرصة لزيادة سيطرة الرجال؛ ويدفع أيضا بالنساء للزواج من رجال يعيشون في مناطق بعيدة جغرافيا، سواء لتحقيق مصالح مادية لأسرهن،ّ أو لتحويل بعض الموارد من عائلة العريس إلى عائلة العروس، عبر المهر. ولأن دفع المهور يشبه المعاملات التجارية، فإنه يجعل تحرر المرأة أمرا أصعب، إذ يُنظر إليها بوصفها سلعةً للبيع، ويُعزز النظرة التملّكية تجاهها، طالما أنه تم الدفع مسبقا مقابل خدماتها الجنسية والإنجابية.

في كل الأحوال، تمضي الأمور الآن ضمن منطق التريند، وهو قد يثير بعض ضجة، وبلفت انتباه كثيرين، إلا أنه سيمضي في النهاية، مهما تفاعل الأفراد معه سلبا أو إيجابا. ما سيبقى فعليا، وراء كل تريند، هو حال تلك المجتمعات،  الذي لا يبدو من أفق لتحسّنه، وأكثر المتضررين منه هن النساء بالطبع، اللواتي سيبقين دوما “فيتش” الأزمة.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
4.4 9 أصوات
تقييم المقالة
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات