آلهة الملاعب: هل الرياضة شكل من الممارسة الدينية؟

آلهة الملاعب: هل الرياضة شكل من الممارسة الدينية؟

إذا كنت من محبي اللاعب البرتغالي كريستيانو رونالدو، فبالتأكيد تتابع إقامته في أراضي المملكة العربية السعودية، ولعبه لفريقٍ عربي، بل ويتحدث أحيانا في المؤتمرات الصحفية بكلمات عربية، ويلقي السلام على جمهوره، ويرتدي جلبابا أبيض، ويحتفل بعيد الفطر.

وقد انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي منشورات تتمنى اعتناق رونالدو الدين الإسلامي، وهنا مربط الفرس، فلطالما شغلت مساحة تقاطع الدين مع الرياضة والرياضيين فضاءا واسعا، سواء في نقاشات محبي الرياضة، أو في حديث الرياضيين أنفسهم.

يرى علماء الأنثروبولوجيا أن جوهر علاقة الدين بالناس هي الروحانية، إذ يعمل الدين على وصلهم بما هو غير مرئي؛ فيما يُنظَر إلى الرياضة عادة على أنها مسعى علماني ومادي بحت، يهتم بعلاقة البشر ببعضهم. لكن المشترك بين الدين والرياضة أن كليهما أنظمة رمزية، تؤكد على القيم، وتتشابه في الأهداف، بما في ذلك تجاوز الرغبات الشخصية المحدودة لصالح الإنجازات المعنوية، والتأكيد على التعاون والتضحية من أجل مصلحة المجموعة، أي أن كل من الدين والرياضة ينقل رسالته بواسطة رموزه.

ولكن هذه الصورة المثالية، عن كل من الدين والرياضة، بوصفها تجاوزا للذات الفردية لأجل ما هو معنوي، لا تنطبق  على كل ممارساتهما، خاصة في عصرنا، فما علاقة الدين بالرياضة بالفعل؟ وماذا يُمثل الدين بالنسبة للرياضيين المعاصرين؟ وكيف تعاملت الدول والسلطات المختلفة مع العلاقة المعقدة بين الدين والرياضة؟  

ألعاب الآلهة: هل استغلّت الأديان الرياضة؟

تبّنت السلطات الدينية الرياضة في بعض الأحيان، ورفضتها في أخرى، منذ قديم الأزل، فكانت المصلحة والمنفعة المتبادلة العامل الرئيسي في تحديد شكل العلاقة بين الرياضة والأديان القائمة.

في أمريكا الوسطى، ارتبطت لعبة الكرة، التي لعبها كل من شعوب الأزتك والمايا قبل وصول الغزاة الإسبان في القرن السادس عشر، بطقوس التضحية البشرية، وكانت ملاعب الكرة موجودة بشكلٍ شائع في مجمّع المعابد، بالقرب من الرفوف التي عُرضت عليها جماجم ضحايا القرابين البشرية. حيث تم تقديم اللاعبين أنفسهم قرابين للآلهة.

وفي اليونان القديمة، أُقيمت الألعاب الأربع الكبرى آنذاك: الأولمبياد، والبيثان، والإسثماني، والنيميان، من أجل الإله زيوس، الذي تركزت عبادته على جبل أوليمبوس؛ فيما أقيمت الألعاب البيثية في مدينة دلفي، وقيل أن الإله نظمها تعويضا عن قتله للثعبان العظيم بايثون. في نهاية المطاف أصبحت الألعاب البيثية تتضمّن مسابقات جسدية وفكرية، بما في ذلك الأحداث الموسيقية والأدبية والدرامية، كما كان الملعب في دلفي أيضا موقعا للطقوس الدينية.

في اليابان القديمة فإن  لعبة “زين فن الرماية” او كيودو  Zen Archery، هي طقس ديني خالص، مرتبط ببوذية الزن، الهدف منه تحقيق التوازن بين العقل والجسد، مما يؤدي إلى نشوء وحدة تربط الروح بالمادة. يُعتبر تحقيق هذا التوازن أكثر أهمية من الفوز، وتتضمّن الطقوس/الألعاب ممارسة تقنيات التنفّس الصحيحة، للتحكم في القوة العقلية والجسدية، وتؤدي في النهاية إلى الهدوء التام.

أما في التاريخ الأوروبي، فقد مرّت العلاقة بين المسيحية والرياضة بعدة مراحل، فقد رفضت الكنيسة الرياضة في البداية، ونظرت إليها بعين الريبة، إيمانا منها بإغواء الرياضة لممارسيها، وصرفهم عن مسؤولياتهم تجاه الإله. وقد بلغ هذا التزمّت ذروته في القرنين السادس عشر والسابع عشر، حين اعتبرت الكثير من الأنشطة الرياضية آثاما، ووصل الأمر إلى حظر الأنشطة الرياضية بين طبقة الفلاحين، لأنها عادةً ما كانت مصحوبة بشرب الخمر والمقامرة.

ثم كانت الانفراجة في منتصف القرن التاسع عشر، حين دُمجت الألعاب في تعليم النخبة في المدارس الحكومية الإنجليزية. وهو ما ارتقى بالرياضة من مجرد نشاط جسدي إلى نشاط ذي فلسفة أخلاقية ودينية. باختصار، استُخدمت الرياضة على وجه التحديد لتعليم الأولاد الصفات، التي من شأنها أن تنتقل إلى جوانب أخرى من الحياة. وعلى هذا النحو أصبحت  الملاعب ساحات تدريب، لإنتاج قادة مدنيين أكفّاء أخلاقيا وبدنيا. وهو ما تعمل به المنظمات المسيحية الحديثة إلى اليوم، التي وفرت فرصا رياضية لأعضائها، مثل جمعيات الشبان المسيحيين؛ وكذلك الكرازة المعاصرة، التي تستخدم المنظمات الرياضية وسيلةً للتبشير.

تبنّى الدين الإسلامي أيضا الرياضة، وحثً على ممارستها لبناء أشخاص أقوياء، يستطيعون خدمة الدين الإسلامي والدعوة إليه. ومارس المسلمون الأوائل الرياضات التي كانت سائدة في بيئتهم، مثل الرماية والسباحة وركوب الخيل، مع فرض ضوابط على بعض الممارسات الرياضية، خاصة ممارسة النساء للرياضة.

اشتبكت الأديان إذن منذ فجر التاريخ مع الرياضة، سواء بتطويعها لخدمة الدين، أو رفض ممارستها، وفرض قيود عليها، لخدمة مصالح الدين أيضا. ولكن ماذا يعني الدين بالنسبة للرياضيين أنفسهم؟

لاعبون صالحون: هل يعزز الدين أداء الرياضيين؟

في مقابلة تلفزيونية، أجرتها جريس مالكوم، أحد أعضاء فريق الجمباز النسائي للولايات المتحدة الأميركية، قبل انطلاق أوليمبياد طوكيو 2020، تحدثت عن الاعتماد على الدين والصلوات في الاستعداد للمنافسات: “يرسل لي والدي بضع صلوات، لأقولها قبل كل تمرين في الصباح، أعتقد أن هذا سيكون مفيدا حقا في إبقائي في سلام“.

نشاهد أيضا لاعبي كرة القدم في ملاعب العالم المختلفة، بديانتهم المتعددة، وهم يمارسون الصلوات قبل انطلاق اللقاءات الرياضية، ثم يبدأون كلامهم في المؤتمرات الصحفية بشكر الله على الأداء والتوفيق، وعلى الفوز وحتى على الخسارة. غالبا ما تحدث النجم البرازيلي كاكا مثلا عن إيمانه، وعن دعائه لله في الملعب، وشكره على تعافيه السريع من كسر في ظهره. وغيره مئات الرياضيين، الذين يعتبرون الدين والإيمان سبيل وصولهم للمجد.

يتذكّر المصريون جميعا المنتخب المصري، في جيله التاريخي، الذي أحرز ثلاث بطولات قارية متتالية، في 2006، 2008، 2010، والذي لُقّب بـ”منتخب الساجدين”، إذ اعتاد لاعبوه على السجود شكرا لله، عند تسجيل الأهداف في المباريات المختلفة.

سمير زاهر الرئيس الأسبق للاتحاد المصري لكرة القدم، قال في الفيلم الوثائقي “الجيل الذهبي” : “البداية كانت من عند محمد أبو تريكة، الذي عكف على السجود احتفالا بالأهداف، ثم بعد ذلك سار اللاعبون على دربه“.

محمد أبو تريكة نفسه، أكد أن الأجواء في معسكرات المنتخب، كان يغلب عليها الالتزام الديني: “كنّا دائما نحرص على الصلاة، كانت هناك قاعة للصلاة، وقاعة لقراءة القرآن، أنا لم أفرض هذا النظام، بل دخلت المنتخب ووجدته“.

إلا الامر لا يقتصر على دولة مثل مصر، ولاعبين اشتهروا بميلهم الإسلامي مثل أبو تريكة، في دراسة لغيونغ كيون بارك، وهو باحث من جامعة سيول الكورية، أجراها عام 2000، تتبّع عروض الرياضيين الكوريين، ووجد أن الصلاة لم تكن فقط عاملا رئيسيا في التعامل مع القلق، ولكن أيضا في تحقيق ذروة الأداء.

يقول أحد المشاركين في دراسة بارك: “كنت دائما أجهّز لعبتي بالصلاة. لقد أودعت كل الأشياء للرب بدون قلق، هذه الصلوات تجعلني أكثر هدوءا وأمانا، وأنسى الخوف من الخسارة. وينتج عنها لعب جيد“.

يتحدث بارك عن دور الدين في تعزيز العامل النفسي للاعبين، ويربط ذلك بما يُسمى في الطب بالدواء الوهمي Placebo. في السنوات الأخيرة، وجد الباحثون أن تأثير الدواء الوهمي يمتد إلى ما هو أبعد من تخفيف الآلام، إذ يمكن أن يعالج القرحة والغثيان وغيرهما من الأعراض،. ويمكن أن يعزز التركيز أيضا. واعتقاد المريض بالتحسّن لا ينبع من العدم، بل يتم تصنيعه ضمن سياق رمزي. فاللون على سبيل المثال، مرتبط بقوة في بعض الثقافات بأنواع معينة من التأثير: الأحمر صاخب، والأبيض مهدّئ. تلعب شركات الأدوية على هذه المعاني.، فتميل الأدوية المنشطة إلى اللون الأحمر أو البرتقالي، ومضادات الاكتئاب إلى اللون الأبيض، وهكذا. يستنتج بارك أن جسم الإنسان قادر على خلق أكثر السيناريوهات المتفائلة، لدى تلقيه نوعا من الدواء الوهمي أو المعنوي، وهو ما يفعله الإيمان والدين عند اللاعبين أثناء المنافسات.

ولكن هل ارتباط اللاعبين هذا بالدين ظاهرة إيجابية من الناحية الاجتماعية والسياسية؟

الرياضة بوصفها دينا: هل يمكن للعب أن يوصلنا للمقدّس والملحمي؟

منذ التوسّع السريع لصناعة الرياضة، خلال القرن العشرين، أصبح من المألوف أن يُشار إلى الرياضة بوصفها دينا معاصر. في هذا الصدد يُقال إن الملاعب عبارة عن كاتدرائيات مصطنعة، بينما يؤدي الرياضيون دور الآلهة الحديثة.

أشار هاري إدواردز، عالم الاجتماع الأميركي، في كتابه “علم اجتماع الرياضة” (sociology of sport) إلى العلاقة الهيكلية الوثيقة بين الرياضة والدين، ويجادل بأن الجوانب العاطفية والتعبديّة لكرة القدم، تحمل معنىً للجمهور، شبيها إلى حد كبير بمعاني الدين، فالشغف والالتزام، والعذاب في الهزيمة، والغبطة في الانتصار، تكشف عن تجربة، توفّر لحظات مقدسة ومجتمعية بين اللاعبين والمشجعين. وتمثّل الرياضة صراعات إنسانية وروحية ملحمية، وكذلك شرحا للصفات الأخلاقية، تعمل على تقديم تجربة دينية للمشاركين، وتغذي جوعا إنسانيا عميقا.

يمكن أيضا اعتبار الرياضة دينا شعبيا، بحسب إدواردز، يمكن فهمه على أنه نتيجة للمُثل الأخلاقية المشتركة والسلوكيات، وينبثق من تجارب الحياة اليومية، لتوفير وسيلة لدمج المجتمع مع القيم الوطنية المشروعة، وإيصال الأيديولوجيات السائدة. وضمن هذا المفهوم، تُعتبر الرياضة نتاجا لسياقها الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، ومؤسسة متواطئة في إعادة إنتاج تلك الأيديولوجيات.

وبالتالي فإن ارتباط الرياضة بالتديّن، قد تكون له نتائج اجتماعية إيجابية، كما قد يساهم، في حالات كثيرة، بزيادة التطرّف، والانقسامات الطائفية والمناطقية، وقد يؤدي حتى لاشتعال نزاعات أهلية عنيفة، أو يمهّد لحملات اضطهاد عنيفة ضد بعض الفئات.

على النقيض من ذلك، فإن أولئك الذين يتحدون ارتقاء الرياضة إلى مرتبة الدين، يجادلون بأن أهدافهما ليست متسقة، وبالتالي فإن المساواة بين الاثنين ستكون تجاهلا للاختلافات الفلسفية الأساسية بينهما. ويقترحون أن الدين مُشتق من العالم الإلهي، في حين أن الرياضة لها مكانة راسخة في التجربة الإنسانية. إلا أن الدين يقدّم حقائق عن الحياة تتجاوز تجربتنا الخاصة. وهو ما يثير قلق المتدينيين من أن المساواة بين الاثنين قد تؤدي إلى علمنة الدين، وتقليل قيمته.

بشكل أساسي، تستند الحجة القائلة بإن الرياضة ليست دينا على الاعتراف بأن النوايا التي تقوم عليها المؤسستان تختلف اختلافا كبيرا، فدور الدين تقديم إجابات وتفسيرات حول أسرار الوجود البشري، في حين ليس للرياضة مثل هذا الهدف المعلن، وحتى أكثر عشاق الرياضة حماسة لا يوافقون على أن الأنشطة الرياضية ستكشف أي شيء عن حياة الناس ومصائرهم وأهميتهم. يجادل أيضا بعض اللاهوتيين وعلماء الاجتماع بأن الرياضة قد تجسّد وتعكس القيم الاجتماعية والأيديولوجيات، ولكن ليس التجربة الدينية نفسها، فهي لا تقدّم أي معان أعمق حول العالم.

لعبة الأقليات: هل الدين سبب للتمييز المنهجي في الرياضة؟

إذا كان للدين والأيديولوجيا الدينية هذه العلاقة المعقدة بالرياضة، فكيف تُعامل الدول الرياضيين من أصحاب الديانات المختلفة عن الدين السائد فيها، سواء في الشرق أو الغرب؟

ذكر موقع Kick It Out أن الحوادث التمييزية، المُبلغ عنها في كرة القدم الإنجليزية، ارتفعت إلى 422 حالة في موسم 2018-2019، بزيادة 97 حالة في الموسم السابق، وهو ما يوضح الحال الذي تُعامل به الأقليات من أصحاب الديانات والألوان المختلفة في إنجلترا. وتوجد حالات أخرى كثيرة في بلدان غربية مختلفة، إلا أن تلك الحوادث لا ترقى إلى مرتبة التمييز المنهجي، وهي دائما تحت أعين الإعلام والمؤسسات الحقوقية.

إلا أن الحالة في العالم العربي تبدو أشد، إذ لا تُولى قضايا الأقليات الدينية اهتماما كبيرا، وغالبا لا تُسجل حوادث التمييز الفردية، في ظل ما يبدو أنه تمييز ممنهج. فمع تأهّل مصر مثلا لكأس العالم 2018، لأول مرة منذ 1990، بدأت قضية التمييز ضد الأقليات الدينية في كرة القدم المصرية بالبروز في الأخبار. وركزت القصص الإخبارية على تقرير حديث، نشرته منظمة التضامن القبطي، وهي منظمة تدعو إلى المساواة في المواطنة للأقباط المسيحيين في مصر. وأكد التقرير على أن كونك لاعب كرة قدم مسيحي في مصر، يمثل عقبة كبيرة أمام مسيرتك في الاحتراف.

وفقا للتقرير، فعلى الرغم من حقيقة أن المسيحيين الأقباط يشكلون ما يقارب 10٪ من السكان المصريين، فقد تمكّن عدد قليل جدا من لاعبي كرة القدم الأقباط، لا يزيد عن ستة، خلال نصف القرن الماضي، من الانضمام إلى أندية كرة القدم في دوري الدرجة الأولى المصري.

وإذ كان يمكن القول إن هنالك ارتباطا بين الديني والرياضي في الجانب الروحاني، فإن ارتباطهما في الجانب السياسي أشد وأكثر وضوحا، إذ يمكن لكل من الدين والرياضة خلق التحيّزات، وكذلك يسهل استخدامها سياسيا، سواء لإنتاج الهوية، أو حشد الجمهور باتجاه معيّن. وبكل الأحوال سيبقى كل منهما مكونا أساسيا في التجربة البشرية، بعنفها وسلامها، وأشكالها التضامنية والعدوانية.  

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
4 1 صوت
تقييم المقالة
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات