القيامة والإرهاب: كيف صار مسيحيو الصعيد هدفاً لـ”الفتنة الطائفية”؟

القيامة والإرهاب: كيف صار مسيحيو الصعيد هدفاً لـ”الفتنة الطائفية”؟

يُحيي المسيحيون اليوم، الأحد الخامس من أيار/مايو، في مختلف أنحاء مصر، أحد “الأعياد السيديّة الكبرى”، وربما أهمها على الإطلاق، وهو عيد القيامة، الذي يأتي ختاما للصوم الكبير، المستمر خمسة وخمسين يوما، وتكون نهايته “أسبوع الآلام”، الذي تقام فيه طقوس مُختلفة، بين صلوات، وأحزان مُرتبطة بصلب المسيح، نهايةً باحتفالات قيامته من قبره.

يُعكّر الاحتفال بالعيد هذا العام “آلام”، تأتي مُختلطة بمخاوف، لاسيما في صعيد مصر، جرّاء اعتداءات طائفية، استهدفت مسيحيين في قريتين بمحافظة المنيا، هما الفواخر والكوم الأحمر، خلال الأيام العشر الأخيرة من شهر نيسان/أبريل 2024، والسبب، كالعادة، محاولة مسيحيي القريتين ممارسة أبسط حقوقهم الدينية: الصلاة.

الحادث، وإن بدت دوافعه غريبة، إلّا أنه ليس بالأول أو الاستثنائي في الصعيد، حيث الاعتداءات الطائفية مُتكررة، ولأسباب باتت، لشدة تكرارها، محفوظة، تماما كما صارت موسما معتادا للرعب، بصورة جعلت من أوقات احتفالات المسيحيين مواعيدَ للاستنفار الأمني، خاصة في جنوبي مصر، ذي الخصوصية المهمة، سواء لأهميته الدينية الكبيرة بالنسبة للمسيحين، أو لتصاعد العنف الطائفي فيه.

ما الخصوصية الدينية لصعيد مصر؟ وكيف بات مسيحيوه هدفا مفضلا لما درجنا على تسميته “الفتنة”؟

صعايدة مسيحيون: كيف حافظ الأسبوع المقدس على “آلامه”؟

دخلت الديانة المسيحية مصر في منتصف القرن الأول الميلادي، على يد القديس مار مرقس الرسولي، الذي خُلّد اسمه بإطلاقه على الكرازة المصرية، لتُعرف باسم “المرقسية”. وتتمركز المسيحية المصرية رسميا في مدينة الإسكندرية، حيث تأسست أول كنيسة في مصر؛ وكذلك في القاهرة، حيث مقرّ البابا في البطريركية بمنطقة العباسية، كما ينتشر المسيحيون في أنحاء مصر كافة. ورغم هذا، يظهر حضورهم القوي جنوبها، أي الصعيد، ليس فقط لأنه صاحب النصيب الأكبر من البقاع التي شهدت رحلة عائلة المسيح المُقدّسة، بل ولأنه كان ملجأ أتباع المسيح، للنجاة من بطش الرومان، وللحياة والتعبّد في أمان. 

لهذا وحتى اليوم، تنتشر الاحتفالات المسيحية في الصعيد، رغم كونه أيضا مُستهدفا بصورة كبيرة من قبل المتشددين المسلمين. فالمسيحيون، رغم الاعتداءات، ما يزالون متشبّثين باحتفالاتهم بالأعياد والموالد، عبر طقوس يحرصون على الحفاظ عليها، مهما اختلفت عوامل الزمن. وربما يعزز من هذا نمط حياتهم القروي، المختلف عن سرعة حياة العاصمة والمُدن الكبرى.

سنجد تقاليد العيد الحالي، القيامة، ثابتة في القرى والنجوع منذ القِدم، خاصة وأنه الأهم بين الأعياد السيديةّ الكبرى والصغرى، لارتباطه بقيام المسيح من بين الأموات، مُتغلّبا على آلامه، وتستمر الطقوس الأكثر أهمية أسبوعا كاملا، بداية من “أحد السعف” وصولا إلى “أحد القيامة”.

في “أحد السعف” استقبل أهل القدس المسيح، حاملين سعف النخيل، ومرددين كلمة “هوشعنا”، أي خلّصنا، مستنجدين به من ظلم الرومان. اليوم بالمثل، يُقطّع المسيحيون في الصعيد فروع سعف النخيل، ويجدّلونه بأشكال مثل الصُلبان والأكاليل، وخواتم وأساور يلبسوها، ويتهادونها للبركة.

يليه يوما “البصخة”، الاثنين والثلاثاء؛ ثم “أربعاء أيوب”، وفيه يصنعون عرائس من سنابل القمح، لتعليقها على أبواب المنزل، كما يتوجّه بعضهم للاستحمام في النيل، اقتداء بالنبي أيوب، ووقاية من المرض.

أمّا الأيام السابقة على قيامة المسيح من قبره إلى السماء في “أحد القيامة”، فتشمل “خميس العهد”، الذي يُمنع فيه التصافح أو القبلات، باعتبارها “ما فعله يهوذا في ذلك اليوم لتسليم المسيح إلى أعدائه”؛ ثم “الجمعة العظيمة”، التي يرتدي الناس فيها الملابس السوداء حزنا؛ ثم يأتي الفرح في “سبت النور”، وتتزين الأعين بالكُحل، “لرؤية نور المسيح، بعد خروجه من قبره يوم الأحد”.

أحد مظاهر الاحتفالات أيضا بعد “عيد القيامة”، تكون خلال “الخمسين المُقدّسة”، وهي الخمسين يوما التي تليه، وصولا لعيد آخر، هو “العنصرة”، الذي يُحتفى فيه بـ”حلول الروح القدس، وتجلّي المسيح من جديد”. وطيلة هذه الأيام الخمسين، لا صيام ولا انقطاع عن أي نوع طعام، كما تكثر الزيجات والاحتفالات، لأنها فترة الفرح، التي أتت بعد صوم طويل، وآلام “قيامة”.

موالد مجهولة: ما الفلكلور الذي لا نشاهده في التلفاز؟

أيام أسبوع الآلام ثم “القيامة”، هي الأعياد الأبرز، لأنها المرتبطة بالفداء والخلاص، لكن هناك أعياد ومناسبات أخرى، لها طقوسها أيضا. أحدها “الغطاس”، الخاص بذكرى معمودية المسيح في نهر الأردن، ولذلك يكتسب الاحتفال به طابعا خاصا، في القرى المُطلّة على النيل، حيث يغطس الناس في مياه النهر. بجانب صنع فانوس الغطاس، ويُسمّى “البلابيصا”، وذلك بطريقة بسيطة، عبر حفر الصليب على قشرة ثمرة برتقال، ووضع شمعة في قلبها.

ولارتباط هذا العيد بمعمودية المسيح، تُقام الصلوات خلاله بأداء مُفرح، كما يُعمّد كثير من الأطفال فيه، تيمّنا بتوقيته. أمّا في البيوت، فتكون الوجبة الرئيسية “القلقاس”، رمزا للمعمودية، باعتباره “يحتوي مادة سامة، تزول بالطهي عند اختلاطها بالماء”، في محاكاة لفكرة تطهّر الإنسان من الخطيئة عبر الاغتسال. كما تكون التحلية بقصب السكر، رمزا لما تفرزه القلوب الطاهرة للآخرين.

قبل الغطاس يكون “البرامون”، وهو طقس استعدادي، يتم عبر الصيام والامتناع عن تناول السمك. وللطعام دلالات في أعياد أخرى، مثل “النيروز”، المرتبط برأس السنة القبطية، المُتعلّقة بـ”تقويم الشهداء”، ففيه يتوجه المسيحيون إلى المقابر إحياءً لذكرى موتاهم، ويتناولون البلح الأحمر والجوافة، إذ تحمل الفاكهة الأولى دلالات متعددة، بلونها المُحاكي لدم الشهداء في عصر الأباطرة، وقوامها الصلب، مثلما كان الشهداء في مقاومتهم، وطعمها المماثل لحلاوة إيمانهم؛ أما الفاكهة الثانية فترمز إلى بياض قلوبهم.

البركات الخاصة بمريم في الصعيد كثيرة، وتُقام لها احتفالات وموالد، كما في محافظة المنيا، بدير “أبو حنس” (كوم ماريا)، الموقع الذي يُعتقد بأن “العذراء مريم استراحت فيه أثناء رحلتها”، ويكون الاحتفال عبر موكب، يضمّ رجال الدين، ومواطنين يرنّمون ألحانا كنسية، ويحملون أيقونات مُقدّسة، تزيّن أيضا مراكب شراعية، يبحرون بها في النيل، حيث نقطة البداية، وصولا إلى جبل مدينة انصنا.

في المنيا أيضا “مولد العذراء”، المُقام سنويا في دير جبل الطير، أحد محطات العائلة المُقدّسة. هناك يزور المحتفلون بقاع مباركة، ولها رموزها، مثل الصخرة المطبوع عليها كف المسيح، “إذ أشار إليها بيده فمنعها من السقوط عليهم”، ليُسمّى الموقع أيضا بـ”جبل الكف“؛ وكذلك “شجرة العابد”، وهي شجرة غار “سجدت للمسيح”، أثناء مروره أمامها، ما يتم التدليل عليه بهيكلها ذي الأغصان الهابطة للأرض، وأوراقها الصاعدة للسماء؛ ويوجد أيضا بئر شربت منه العائلة.

في الموالد، سواء الخاصة بالعذراء، مثل الذي يقام في قرية درنكة بمحافظة أسيوط كل شهر آب/أغسطس؛ أو الخاصة بالقديسين، بما يتوافق مع تاريخ نياحتهم (استشهادهم)، تتنوّع الطقوس، بين زفّة الأيقونة، التي يحمل فيها رجال الدين، محاطين بالمؤمنين، صورة القديس الشهيد، ليتم الصلاة عليها، ثم وضعها في الكنيسة أو الدير، كما يُقدّم الحضور نذورا إلى القديس، تقرّبا لله، وأملا في تحقيق مطالبهم، بجانب شراء الأيقونات والُحليّ المُقدّسة، ورسم وشوم، سواء للصليب أو لوجوه قديسين.

ما الذي يزعج كثيرا من المصريين “الآخرين”، في مثل هذه الطقوس الدينية والشعبية المسالمة؟

من السادات إلى داعش: هل يمكن للصعيد أن يصبح “ولاية إسلامية”؟

الأحداث التي سبقت احتفالية “القيامة” هذا العام ليست مفاجئة لأحد، خاصة في الصعيد، الذي ترصد الجهات الحقوقية الهجمات فيه بشكل متكرر، ما يعكس وضع المسيحيين، وما يتعرضون له من تمييز واضطهاد بأشكال مختلفة.

اضطهاد المسيحيين في مصر ليس جديدا، بل له فصول طويلة على مر العصور، إذ تعرّضوا لاضطهاد روماني، كان أعنفه على يد الإمبراطور دقلديانوس في “عصر الشهداء”، حين واجهوا التعذيب والقتل وحرق الكتب المُقدسة، لتظهر حركة الرهبنة، عبر لجوء المؤمنين لأماكن نائية للتعبّد بأمان، مثل محافظة البحر الأحمر الحدودية، حيث كان أول دير في العالم؛ وكذلك الصعيد، حيث أهم ديرين متعلقين بالرحلة المُقدّسة في محافظة أسيوط، وهما دير درُنكة، ودير المُحرّق.

انتهى الاضطهاد عام 313 بـ”مرسوم ميلان”، الذي أعلن الاعتراف الروماني بالمسيحية. إلا أن اضطهاد ضد المسيحيين عاد في عهد العرب، خاصة حين صار المسلمون أغلبية سكان مصر، كما في العصرين العباسي والفاطمي، بقرارات شملت هدم الكنائس، ومنع بعض الطقوس والاحتفالات الدينية.

إلا أن ما يعنينا، ويعني المسيحيين المعاصرين، هو الاضطهاد في العصر الحديث، وضمن دولة ما بعد الاستقلال، والذي برز على أشهده تحت حكم الرئيس محمد أنور السادات، المُلقّب بـ”الرئيس المؤمن”، والذي عرف عهده صعودا كبيرا للحركات الإسلامية المتطرفة، وشهد هجمات إرهابية عديدة ضد المسيحيين ودور عباداتهم، مثل “أحداث الخانكة” 1972، و”أحداث الزاوية الحمراء” 1981، وهو العام الذي قرر فيه السادات تحديد إقامة البابا شنودة، لتوتر العلاقات بينهما، جرّاء تلك الأوضاع.

ورغم الانفراجة النسبية التي حدثت في عهد حسني مبارك، الذي أفرج عن البابا، إلّا أن العنف استمر، سواء في زمن سيطرة مبارك التامة، كما في أحداث “الكشح”، و”أبو قرقاص”؛ أو قُبيل سقوط نظامه، مثل اعتداءات “نجع حمادي”. وكان التعامل الرسمي مع غالبية الاعتداءات يقتصر على عقد جلسات صُلح عرفية، يضطر المسيحيون للقبول بها، ويُفلت فيها الجُناة من العقاب.

بعد ثورة يناير  لم تتحسن الأوضاع، ووقعت هجمات مثل “أحداث دلجا” 2013، و”حافلة المنيا” 2017، وظهر في الواجهة تنظيم يُعلن صراحة مسؤوليته عن هجمات عديدة، وهو داعش، الذي وصف المسيحيين المصريين في أحد بياناته بأنهم “الهدف الأول والصيد المُفضّل“، بل إن أحد معتنقي أفكار التنظيم، ويُدعى عمرو سعد، اتخذ من الصعيد “ولاية له”.

ولكن هل معاناة المسيحيين تقتصر فقط على التنظيمات المتطرفة؟

ما وراء الإرهاب: هل المشكلة فقط في المتشددين الإسلاميين؟

الاعتداء على المسيحيين المصريين لا يقتصر على الأعمال الإرهابية،  فهناك نوع من آخر يومي من الاعتداءات، لا يقل خطورة، بل ربما يكون مسؤولا بصورة أساسية عن زرع بذرة الطائفية، التي يترتب عليها فيما بعد الهجمات الإرهابية، وما ينجم عنها من خسائر في الأرواح والممتلكات.

هذا النوع هو ما يتم دسّه في الوعي الجمعي بشأن المسيحيين وشؤونهم، نتيجة عقود من عمل أنظمة الإعلام والتعليم المصرية، وتعاليم المؤسسات الدينية الإسلامية، الرسمية وغير الرسمية، والأحزاب السياسية الإسلامية المعارضة؛ فضلا عن التمييز المنهجي في كثير من المؤسسات، من الجامعات وحتى النوادي الرياضية.

انعكس كل هذا على هيئة كتابة عبارات مُعادية للمسيحيين على الجدران؛ أو تحريم تهنئتهم بأعيادهم، وتبادل مظاهر الود معهم، لدرجة أن كثيرين يحتاجون إلى فتوى للقيام بأبسط المجاملات الاجتماعية مع المسيحيين، وهم الجيران وأبناء البلد؛ وكذلك صياغة صورة سلبية تجاههم، تربطهم بالنجاسة وانعدام النظافة؛ والأخطر، انتشار مواد إعلامية، تدّعي وجود تهديد سياسي من المسيحيين، باعتبارهم “قوة لا يستهان بها”.

أمّا الأخطر على الإطلاق، فهو ما يحدث في المدارس. فحتى العقد الثاني من هذه الألفية، وحسبما كشف تقرير صحفي، تبيّن استناد مناهج أزهرية على تفسيرات قديمة متشددة حيال المسحيين، بوصفهم “أهل ذمة”، وكان مما أفتت به بتلك المناهج: “تمييز مقابرهم وملابسهم، وتركيب جرس أو خاتم رصاص في رقابهم، حال دخولهم حمامات المسلمين، وعدم تعلية منازلهم عن منازل المسلمين، كي لا يتساووا بهم، وعدم ركوبهم الخيول، ولا تهنئتهم أو تعزيتهم“.

عموما، خلقت أنظمة الدولة المصرية المعاصرة، بما فيها من دين وإعلام وتعليم، أفكارا ووعيا جماعيا إسلاميا، يشعر بالسلطة والتميّز تجاه المسيحيين، ما يجعل كثيرا من الأفراد مستعدين لممارسة أبشع أنواع الاضطهاد وأعنفها، لأهون سبب، ولمَ لا و”هم الأعلون”؟

في المعارك التي تندلع بين حين وآخر في قرى ونجوع الجنوب، وكذا في الأحياء الشعبية، قد يكون السبب محاولة بناء كنيسة جديدة، أو حتى مجرّد تجمّع عدد من المسيحيين في منزل أحدهم للصلاة، كما في “كوم اللوفي“؛ بل ووصل الأمر إلى حد مهاجمة وتعرية سيدة عجوز مسيحية، لمجرد تداول شائعة عن علاقة حب بين ابنها وفتاة مُسلمة.

تبدو مشكلة المسيحيين في مصر أعمق من مجرد “فتنة طائفية”، بل أمر يجب بحثه في قلب بنية الدولة المصرية المعاصرة، وثقافتها الجماهيرية، ومؤسساتها الدينية؛ كما أن مسؤوليتها لا تقع على عاتق الإسلاميين والمتشددين الدينيين فحسب، بل جميع القوى الفاعلة بالمجتمع، بما فيها القوى “المدنية” و”اليسارية”، التي لم تُسجّل لها مواقف فعالة في التصدي للمسألة القبطية في مصر. ويبدو أن الأمر سيبقى معلّقا كالعادة، إلى ان نسمع عن اعتداء جديد، يثير ردود الفعل المألوفة، في دائرة مفرغة لا تلوح لها نهاية.  

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
3.7 3 أصوات
تقييم المقالة
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات