“الفتى ومالك الحزين”: هل تخلّى صانعو أحلام طفولتنا عن أحلامهم؟

“الفتى ومالك الحزين”: هل تخلّى صانعو أحلام طفولتنا عن أحلامهم؟

في تموز/يوليو من العام الماضي 2023، عُرض في السينمات اليابانية فيلم “the boy and heron” (الفتى ومالك الحزين)، في البداية كان اسم الفيلم في اليابان “كيف يمكن أن نحيا؟”، ومع عرضه عالميا أخذ الاسم الأخير. الفيلم من إخراج وقصة هايو ميازاكي، وإنتاج ستوديو Ghibli الشهير، ويأتي في ختام سلسلة من اثني وعشرين فيلما للإستوديو، على أن يكون المشروع الأخير لميازاكي، ولأهميته تلك استغرق إنتاجه ما يزيد عن سبع سنوات، وتكلّف ميزانية، قال عنها أحد المنتجين إنها الأكبر في تاريخ اليابان على الإطلاق.

عُرض الفيلم في نهاية 2023، وبداية 2024 في السينمات العالمية، وحصد عديدا من الجوائز، مثل جائزة البافتا عن أفضل فيلم إنيميشن، والغولدن غلوب، وحتى جائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان. وجاءت تعليقات النقاد إيجابية جدا، لتعتبره أفضل فيلم إنيميشن أنتجه الاستوديو. لكن تلك التعليقات النقدية تتعارض مع ملاحظات أغلب المشاهدين، فالفيلم جاء مبهما بالنسبة لهم في كثير من تفاصيله، وإن اعتمد على ثيمات وعناصر، لطالما عرضها ميازاكي في أفلامه السابقة.

يحكي الفيلم قصة الطفل ماهيتو، الذي تنتهي حياة أمه مبكرا، في بدايات حياته، نتيجة قصف المستشفى الذي تعمل به أثناء الحرب العالمية الثانية، ولذلك يقرر والده، وهو مهندس ومُصنّع طائرات عسكرية، النزوح إلى الريف، والزواج من خالة ماهيتو المقيمة هناك. وفي ضيعة زوجة الأب يلاحظ ماهيتو أنه تحت المراقبة من طرف طائر مالك الحزين ذي اللون الرمادي، وتدريجيا يتقرّب الطائر منه، ويطلب من ماهيتو مرافقته في رحلة الي أعماق الغابة، في حالة أراد أن يرى والدته مرة أخرى.

يتفاجأ ماهيتو من قدرة الطائر على الكلام، ومن إصراره أيضا، وخصوصا أنه يدرك مدى التعاسة التي حلّت عليه منذ وفاة والدته، فعلى الرغم من انتقاله إلى بيئة جديدة، إلا أنه لم يزل في حالة من الحزن، وفقدان الاتصال مع كل من حوله، تحاصره الكوابيس، التي يرى فيها والدته تحترق، ومن شدة ألمه الداخلي يقرر ضرب نفسه بالحجارة وإيذاء جسده.

يحاول ميازاكي أن يصنع فيلما عن قصة حياته هو، فشخصية ماهيتو، خلال النصف الأول من الفيلم، هي قصة طفولته بالكامل؛ وفي النصف الثاني يُرينا شخصيته الناضجة كما نعرفها الآن، مجسّدة في العم العجوز، المهندس ناتسوكو، الذي أراد أن يصنع عالما مثاليا، بعيدا عن مآسي الحروب والفقد.

لكن من هو هايو ميازاكي أصلا؟ وما الأفكار التي استخدمها في أغلب أفلامه؟ وما الذي يريد أن يخبرنا إياه في فيلم “الولد ومالك الحزين”؟ ولماذا استخدم كثيرا من عناصر سيرته الذاتية؟ هل يقول شيئا غير الذي تعودناه في هذا النوع من الأفلام؟

فلسفة التكشُّف: هل يمكننا الهرب من الحرب إلى الطبيعة

هايو ميازاكي رسام إنيميشن ومانجا، ومخرج ياباني، ولد في طوكيو عام 1941، وقضى فترة شبابه الأول في رسم أشهر الأعمال الأدبية، وتقديمها إلى المشاهد الياباني في هيئة رسوم متحركة، مثل “رحلات غوليفر”، و”جزيرة الكنز”، وغيرها. ومن ثم انتقل إلى إخراج أعمال الإنيميشن، وتحديدا مع العمل، الذي نعرفه عربيا باسم “عدنان ولينا” (اسمه الأصلي Future Boy Conan)، لتكتمل مهاراته في الرسم والإخراج، ما أهّله لتأسيس إستوديو خاص به، فأطلق في العام 1985 ستوديو جيبلي Ghibli، الذي استوحى اسمه من نوع من الطائرات الإيطالية، كانت تجوب الصحراء الليبية لاستكشافها، فميازاكي كان مبهورا بالطائرات، لأن والده امتلك شركة لتصنيعها، وقد قضى فترة طفولته في مشاهدة تجاربها وطريقة صناعتها.

هايو ميازاكي

وعلى رغم الأحوال الاجتماعية والمادية الجيدة، التي تمتع بها الوالد، إلا أن هايو ميازاكي يتذكر كيف أثّرت الحرب على عائلته، ففي البداية اضطُر الأب للنزوح من طوكيو إلى مدينة اوتسونوميا، ثم نزحت العائلة مرة أخرى إلى مدينة كانوما. وبعيدا عن القصف والنزوح المتكرر، عانى ميازاكي نفسه من سوء التغذية، ومشاكل في الهضم، وكانت هذه مشكلة أساسية، تهدد المواليد الجديدة في اليابان في فترة ما بعد الحرب مباشرة، ولم يتوقع الأطباء له أن يبلغ عمر العشرين. ولأن المصائب لا تأتي فرادى، توفيت والدته مبكرا، ما جعل حنينه اليها يتحوّل إلى إلهام، لذلك تحضر الأمهات والبطلات النساء بشكل أساسي في أغلب أفلامه.

الحياة العصيبة لميازاكي، وخصوصا نشأته في يابان ما بعد الحرب العالمية، جعلته يدرك المأساة التي تتسبب بها الحرب، ليس من جهة تدمير المباني والمدن فقط، وإنما أثرها الباقي لأجيال طويلة، على الأطفال والنساء خاصة. لكن الحرب بالنسبة لميازاكي نتيجة حتمية لنظرة الإنسان لنفسه وللعالم حوله، وخصوصا الحروب الحديثة هائلة التدمير، لأن نظرة الإنسان الحديثة للعالم تجعله “موضوعا” قابلا للاستعمال والاستخدام، ومصدرا للموارد التي يمكن تعظيم قيمتها، في عملية صناعية مركبة، يتساوى فيها البشر والمعادن، فللجميع قيمة إذا وضعوا في المكان المناسب داخل العملية الإنتاجية.

يقتبس ميازاكي هذه النظرة من الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر، وخصوصا أعماله المتأخرة عن التكنولوجيا، فبالنسبة لهايدغر تحتكر التكنولوجيا اليوم نظرتنا الي العالم، ولا تقبل أي تعددية في النظر، وهو ما يسميه هايدجر “Modes of revealing” أو حالات التكشُّف، ويعطينا مثالا عن الفارق بين حالة التكشُّف التي يختبرها القروي في العصور القديمة، ووضع الإنسان المعاصر، فالقروي أو الفلاح يراعي تربة الأرض، التي يزرعها ويعرفها جيدا، ونوع المحاصيل التي تصلح لها، ومواقيت ومواسم الزراعة، ومتى ترتاح الأرض وتتوقف الزراعة؛ أما الإنسان المعاصر، فلا ينظر للأرض إلا بوصفها مصدرا يمكن أن يعطي قيمة أفضل، حتى لو قام بتبويرها مثلا وبناء ناطحة سحاب مكانها، أو حفرها للبحث فيها عن البترول. هكذا تصبح الطبيعة، بالنسبة للنظرة الحديثة، أشبه بمحطة بنزين كبيرة، ومصدرا مهما من مصادر الطاقة الضرورية، لكي تعمل التكنولوجيا وتنتج.

نجد حضورا قويا للطبيعة في أفلام ميازاكي، فكل شيء تقليدي، ويعتمد تكنولوجيات بدائية لا تتعارض مع الطبيعة، هو عالم البطل أو البطلة بالضرورة، بينما كل شيء معقد الصنع، وذي تكنولوجيا فائقة، يُنسب إلى العدو أو الآخر في الحكاية، الذي يريد فرض هيمنته على العالم الذي بدأت به القصة. وهكذا تدور الأحداث غالبا من أجل مقاومة فرض هيمنة النظرة الواحدية للتكنولوجيا، أو ما يسميه هايدغر “Framing”. فهذه النظرة تعتبر كل ما هو شاعري ورومانسي ومقدس بلا قيمة.

في فيلم princess Mononoke (الأميرة مونونوك)، يقع الصراع بالكامل بين “مدينة الحديد”، وهي مستعمرة صناعية على أطراف الغابة، تديرها السيدة ايبوشي؛ وبين الحيوانات والأرواح المقدسة للغابة، التي تقودها الأميرة مونونوك. وعلى رغم وجود طرفي صراع واضحين، إلا أن ميازاكي لا يطرح نظرة كلاسيكية للخير والشر، فالسيدة ايبوشي، زعيمة مدينة الحديد، تظهر دائما عطوفة وودودة، لكن الصراع تحكمه نظرة فلسفية، تحرّك أطراف الصراع، وهي النظرة للطبيعة على أنها مصدر للموارد.

لدى ميازاكي شهادة في الاقتصاد والعلوم السياسية، وهو يعلم تماما الفلسفة التي امتلكت القوميين اليابانيين والألمان، ودفعتهم للتوسّع والسطو على ثروات الأمم المجاورة، من أجل تحقيق تقدم تكنولوجي ورخاء اقتصادي، ما انتهى بدمار الدولتين، ومذابح هائلة. وهو ما عّبر عنه أيضا عام 2003، الذي رفض فيه تلقي جائزة الأوسكار، أو حتى الحضور إلى الولايات المتحدة لاستلام الجائزة، بسبب الحرب التي شنتها الولايات المتحدة على العراق، والتي رآها تكرارا للنظرة نفسها، التي تعتبر كل شيء مصدرا للطاقة، وموردا ذا قيمة إنتاجية.

كيف انعكس هذا التكوين الحياتي المعقد، وتلك الفلسفة الكارهة للأحادية التكنولوجية على فيلم “الفتى ومالك الحزين”؟

فلسفة اليوتوبيا: ماذا يوجد في العالم المثالي؟

يبدأ الفيلم من نقطة الحرب، فبسبب قصف المستشفى العام، تموت والدة بطل الفيلم، ويضطر للنزوح مع والده إلى الريف، تماما كما حدث لميازاكي في طفولته، لكن الطفل ماهيتو، تظهر عليه أثار الفجيعة والصدمة، جراء وفاة الأم ودمار مدينته والزواج الجديد لوالده، ويأخذ في الانفصال تدريجيا عن الواقع، والوقوع في حالة من اللامبالاة، مع شعوره بالوحدة، وغياب أي نوع من العدالة في هذا العالم.

لكن الفتى ماهيتو يبدأ تدريجيا بملاحظة الطائر الرمادي، الذي تبعه من أول لحظة وصل فيها إلى الريف، ليكتشف أن هذا الطائر في الحقيقة هو روح، سوف تقوده في رحلة مماثلة للرحلة المذكورة في “الكوميديا الإلهية” لدانتي أليغيري، فعلى بوابة البرج، الذي يسير فيه ماهيتو خلف الطائر، كُتبت عبارة “المقدس كلي القوة، والحكمة والحب الأول هو خالقي“، وهي عبارة مقتبسة من جزء “الجحيم” في الكوميديا، وتبدأ من تلك اللحظة تجربة ماهيتو الروحية، التي يخرج فيها من عالم الواقع، إلى عالم أخر لطالما تمنى أن يوجد.

نكتشف أن هذا البرج في الحقيقة هو صخرة من الفضاء، حطت في الغابة، وحاول العم ناتسوكو بناء برج حولها، لكن خلال عمله الهندسي اكتشف أن لتلك الصخرة قوى عجيبة وسحرية، فهي تحقق ما نتمناه، لذلك قضى فيها العم كل حياته، محاولا بناء عالم مماثل للواقع، لكنه عالم العدل والخير والجمال.

يخوض ماهيتو رحلته الروحية في هذا العالم، ليكتشف أنه عالم غير متوازن حقا، وأن محاولة العم بناء عالم مثالي أدت في النهاية إلى الكثير من المظالم والمآسي، وكلما حاول تصحيحها كلما أدت لأزمات أخرى.

يقدم ميازاكي نفسه من خلال الشخصيتين، ماهيتو الفتى وناتسوكو العم العجوز، فمرحلة شبابه هي النصف الأول من الفيلم، والتي بحث فيها ماهيتو عن عالم أكثر عدلا، لا يشعر فيه بالفقد ولا الحنين لأمه وعالمه القديم؛ والنصف الثاني يعبّر عن مرحلة نضوجه، التي قضاها محاولا تقديم عوالم من الرسوم المتحركة، ينتصر فيها الخير دائما وأبدا، ويسود العدل والتوازن في العالم. لكن ميازاكي لا يكتفي بتلك الإشارة، بل يذهب أبعد منها، ليقول إنه كان مخطئا، حينما حاول بناء عوالم الطفولة البريئة المنعزلة عن الواقع، فالعالم المثالي للعم ناتسوكو ينهار في النهاية، لفشله في تحقيق توازن دقيق بين جميع سكانه واحتياجاتهم.

وأمام الاختيار، يقرر ماهيتو التخلّي عن حلمه بعالم مثالي، فهو شاهد تفاصيل هذا العالم عن قرب، ويرفض طلب العم العجوز بأن يحاول أن يبني عالمه الخاص به، ويقرر في النهاية أن يخرج إلى العالم الواقعي، بعد أن تعلّم درسه.

فلسفة النجاة: هل عرف ميازاكي أخيرا كيف يمكن أن نحيا؟

عند ترجمة اسم الفيلم من اليابانية، تكون الترجمة الحرفية هي “كيف يمكن أن نحيا؟” وهي اسم لرواية صدرت عام 1937، أثّرت بشدة في ميازاكي، وحاول أن يقدمها في الفيلم، كي يبحث عنها الجميع، ويحاولوا قراءتها، وفيها يحاول طفل، في عمر الخامسة عشرة، أن يتغلب على عوائق حياته، ومأساة موت والده، لينتهي إلى ضرورة أن ينظر إلى الوجود نظرة أوسع، فالموت هو جزء من عالمنا، وعلينا أن نتقبله، وبتقبّلنا للموت نتقبّل عالمنا، وحياتنا الواقعية بالكامل.

هذا درس مشابه لما خرج به ماهيتو، بعد تجربته الروحية في العالم السريالي لعمه، فالموت هناك هو جزء من حركة الحياة نفسها، فكل موت يقابله روح تنبعث، ولكي يمكن أن نحيا، علينا أن نتقبّل دورة الحياة بكل ما فيها، لأن بديلها، الذي يدّعي المثالية، ليس إلا مجرد خيال، ما أن نقترب من تفاصيله حتى نرى العوار.

في مقابلة للفيلسوف الفرنسي جاك دريدا يقول: “دائما ما كنت مهتما بثيمة النجاة، المعنى الذي لا يحتاج أن تُضاف عليه الحياة أو الموت، بل على الأحرى هو شيء أكثر أصالة، الحياة هي أن تعيش، الحياة هي أن تحاول النجاة“. يعتقد دريدا هنا أن الدرس الفلسفي كله، للكائن الموجود هنا والآن Dasein، هو النجاة، وقبول الحياة والموت معا، النجاة لا تعني مجرد البقاء والهروب من الموت، وإنما عيش الحياة بأقصى ما تعطيه لنا، وعدم الخوف عندما تلوح لنا فكرة الموت، أو عندما نشاهده يحدث حولنا. وهو الدرس نفسه الذي يحاول ميازاكي إعطاءه للجميع، من خلال نقد نفسه طفلا وشابا في النصف الأول من الفيلم؛ ونقد نفسه أكثر، وهو رجل ناضج، في نصفه الثاني.

لكي نحيا علينا إذن أن نتوقف عن الهروب من عالم الواقع، وتقبّل الحياة وعيشها، باختصار علينا “النجاة”، كما قرر ماهيتو في نهاية الفيلم. ويبدو فعلا أن صانع أحلام طفولتنا قد وصل إلى مرحلة جديدة من نضجه؛ كما أنه يدعونا، مجددا، إلى اللحاق به هناك.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
5 3 أصوات
تقييم المقالة
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات