سياسات التريند: لماذا تتصدّر صور “النساء الفاسدات” الجدلَ العراقي؟

سياسات التريند: لماذا تتصدّر صور “النساء الفاسدات” الجدلَ العراقي؟

تفسّر لنا المخيلة الشعبية في مناطق جنوبي العراق كثيرا من الأفعال المجتمعية، وأنماط الشخصيات المتعددة والمتلوّنة، من خلال القصص الفلكلورية المتداولة. ففي قرى الجنوب، وخصوصا محافظة ذي قار، يردد الناس عبارة “لا تصير بنت بدان”، و”بنت بدان” هي ابنة شيخ كان يحكم قرية، يدعى بدان، كلما جاء يوم استحمام ابنته في النهر (إذ ليست هنالك طريقة أخرى للاستحمام في ذاك الزمن)، يأمر جميع الناس أن يلازموا بيوتهم، ويغلقوا شبابيكم، لأنها سوف تُظهر شعرها الذهبي الطويل، الذي يحتاج إلى شوارع واسعة، كي تفرده وتسير به، دون أن يتعثّر به أحد. وفي أحد الأيام قررت بنت بدان الذهاب إلى النهر كالعادة، وبالفعل توقفت القرية عن العمل والحركة، ودخل الجميع إلى بيوته. إلا أن أحد الشباب أضناه الفضول لرؤية الفتاة، فتسلل إلى الشوارع، واختبئ حتى رآها على النهر، والصدمة كانت أن شعرها لا يصل إلا إلى أذنيها، فخرج في اليوم التالي إلى أهل القرية وهو يصرخ: “بنت بدان شعرها واصل للأذان”. ورغم كشف كذبة الشيخ وابنته، إلا أن أحدا لم يتجرّأ على مواجهته، وهو صاحب المال والجاه، واستمرت حاشيته في مدح شعر ابنته الطويل لسنوات.

عانى الشعب العراقي مع “بنت بدان” طويلا، فلم ير من حكوماته المتوالية إلا الاضطهاد والقهر، ولم يستطع الصراخ في مواجهتها، لكن ربما كان كبت الحريات، وخنق كل النقاشات، الذي يشهده اليوم، غير مسبوق. فمنذ تشكيل الحكومة العراقية الحالية عام 2022، التي تسيطر عليها قوى “الإطار التنسقي” الموالي لإيران، تعيش السلطات مع ذاتها علاقة حميمية، تمدح نفسها، وتتغزّل بها، وتستعمل شاشات التلفاز والإعلاميين، كلٌّ بسعره، من أجل الهتاف لأبسط تحركاتها، واصطناع إنجازات وهمية، لتغطية فشلها حينا، أو لإشغال الرأي العام أحيانا أخرى، وهذا ليس بالأسلوب الجديد، لكنه ربما بات أكثر تشددا وسيطرة على الحيز العام مؤخرا. وليس مستغربا شعور المتابع للواقع العراقي من الخارج أن الوضع الداخلي تغيّر، إذ لا شكاوى، ولا تظاهرات، ولا إعلامي يمكنه التحدّث بسوء عن إدارة الدولة.

وبالتأكيد لا يمكن الحديث عن نقاشات الحيز العام، بدون الكلام عن أشهر الأدوات التي تحاول توجيه اهتمامات العراقيين وأفكارهم، والمقصود مواقع التواصل الاجتماعي، وما عليها من تريندات. فقد باتت صناعة تلك التريندات لإشغال العامة مهنة لكثيرين منذ سنوات؛ وتُدفع الرواتب لمفتعليها ومردديها ومن يديرونها؛ وتندمج وتتلوّن وتتغير وفق شكل الحكومة وأهدافها.

ورغم أن شراء المدونين أمر مألوف، وتعوّد الناس عليه، وازداد بعد تظاهرات تشرين 2019، ولكن ما يختلف الآن أن التريندات لم تعد مهمتها التغطية على فشل أو شبهة فساد، بل تحدد من الأساس ما المسموح تداوله في الحيز العام، وكل شيء آخر يُلغى. لا نقاشات اليوم تدور، إلا حول ما يطرحه كبار مدوني السوشال ميديا، ودائما ما يمتلك الترند هوية محددة سلطويا، إما دينية، او أخلاقية، أو ضربة تحت الحزام لإحدى الشخصيات العامة، ترغب السلطة في التخلّص منها.

ولكن ما آليات صناعة التريند العراقي فعلا؟ ومَنْ أبطاله وضحاياه؟ وكيف يعيد صياغة الثقافة الجماهيرية العراقية، بل و”قيم المجتمع” ذاتها؟  

جدل الاخلاق: كيف باتت النساء بطلات التريند؟

في مراجعة لتريندات شهر نيسان/إبريل من العام الحالي 2024، سوف نجد أنها دائما ما تدور حول النساء، إذ احتلت الصدارة كل من فاطمة قيدار، وهي إعلامية عراقية، قيل إن لها فيديو فاضحاً لم يُنْشَر؛ ومينا الشيخلي، وهي بلوغر عراقية، أُهِينَت بسبب طريقة نشرها لخبر حملها؛ وهمسة ماجد، وهي إعلامية أيضا قيل إنها تطلّقت؛ وشمس الكويتية، والتي نُشر عنها خبر كاذب حول ارتباطها بسياسي عراقي؛ وبالتأكيد لا يمكن إغفال كل من أم اللول وأم فهد، المتربعتين على عرش الترندات العراقية. إضافة إلى مجموعة شخصيات، ظهرت لها فيديوهات إباحية، أو مقاطع تشتم فيها بألفاظ، لا تخرج عن استعمال جسد النساء.

ومن خلال هذه الجردة يمكن فهم ما نوع الشخصيات، التي يمكن استعمالها للسيطرة على التريند، إذ يجب أن تكون التريندات أخلاقية بالمرتبة الأولى، فالمساحة الأخلاقية دائما ما تكون جاذبة، بفضل امتلاكها سلطة الحكم، ويمكن من خلالها استعراض أخلاق المتحدث.

يفقد عامة العراقيين أية قدرة على إدارة الشأن العام، أو حتى حياتهم اليومية، المرتبطة بسياسات الحكومة الحالية، فيشعرون بالعجز، لكنهم يستعيدون شعور السيطرة من خلال الحكم على أخلاق الشخصيات المستهدفة، والقدرة على إدانتها، أو حتى تكفيرها.

هنا تصبح أخلاق الآخر المساحة الوحيدة، التي يمكن فيها للفرد التعبير عن نفسه، وممارسة النقد، بدون المساس بسياسة الحكومة. ولهذا تكون التريندات وسيلة إشباع مؤقت لعجز دائم. وهذا ما تعرفه الحكومة، وحاشيتها من “مؤثرين”، فالقتل في العراق هو عادة الجواب لأي نقد سياسي أو مرتبط بالسياسة، إلا أن هنالك أهدافا أسهل للنقد، وهي مجموعة البلوغرات والفاشينستات، اللواتي يشعر المنتقدون تجاههن بالسيطرة، كما أن نقدهن لا يخالف شرع الحكومة و”قيم المجتمع”، وبالتالي فإن تكراره أمر مستحب.

بالعودة إلى أشهر شخصيتين في التريندات العراقية، فقد كان مصير أم اللول هو السجن لمدة أربعة أشهر، وهي راقصة عُرفت من خلال فيديو إباحي نُشِر لها مع زوجها، واضطرت للخروج أكثر من مرة، وفي برامج مختلفة، لتوضيح أسبابه، بعد تعرّضها للابتزاز؛ أما أم فهد،، وهي عارضة رُبِط اسمها بقضية ابتزاز لسياسيين، فقد تم اغتيالها مساء اليوم الجمعة، السادس والعشرين من نيسان/إبريل من العام الحالي 2024، وذلك بعد أن ظهرت في فيديو تهدد فيه بفضح شبكة من المسؤولين، يترأسها اللواء سعد معن، المستشار الأمني الكبير في القوات العراقية.

ولكن ما الذي كشفه اغتيال أم فهد حقا؟

مأساة أم فهد: هل انتهى الفساد بعد مقتل “الفاشنيستا”؟

يكشف اغتيال غفران مهدي، الملقبة بأم فهد، والبالغة من العمر ثلاثين عاما، والمنحدرة من محافظة البصرة جنوبي العراق، داخل سيارتها في العاصمة بغداد، الطريقة التي تستغلّ بها الحكومة العراقية أمثالها من “المؤثرين”. فقد أصبحت محط ّالأنظار، بعد نشرها فيديو تصوّر فيه دخولها إلى ملعب “جذع النخلة”، في بطولة “خليجي 25” لكرة القدم عام 2023، إذ دخلت بسيارتها الفارهة، وتحت حماية الدولة، واُعْتُبِرَت ضمن الشخصيات المهمة في البطولة. وقد استفزّ الفيديو كثيرا من الناس، ففي وقت دخولها إلى الملعب، بذلك الشكل الاستعراضي، كان هناك آلاف الأشخاص يتصارعون على بوابته للدخول، كانت الصورة دليلا على علاقة الحكومة بـ”المؤثرين”، مما دفع السلطات إلى اتخاذ إجراءات سريعة لاحتواء الموقف، وكان أشهرها قانون “المحتوى الهابط”، لتصدر بحق أم فهد مذكرة اعتقال، في شهر كانون الثاني/ديسمبر 2023، وتخرج من السجن بعدها بأيام.

ظلت أم فهد تختفي ثم تظهر بين فترة وأخرى، وعندما لا يجد رواد مواقع التواصل ما يمكن الحديث عنه، يلجأون إليها، أو إلى أم اللول، أو إحدى الشخصيات المذكورة سابقا.

آخر ظهور مهم لأم فهد كان المشكلة بينها وبين إعلامية وبلوغر تدعى داليا نعيم، إذ هددت أم فهد تلك الإعلامية بفضحها، ونشر فيديو لها، يصوّر علاقتها مع اللواء سعد معن؛ وبكشف علاقتها مع شبكة ابتزاز واسعة، تضمّ عدة ضباط. وقد أحيل بعدها معن والباقون إلى التحقيق.

عملية الاغتيال قد تكون جانبا من معركة ما بين خطوط عصابات ابتزاز داخل المنظومة الأمنية“، هذا ما صرّح به القيادي في ائتلاف دولة القانون سعد المطلبي؛ فيما اعتبر آخرون أن دور أم فهد في لعبة إشغال الحيز العام قد انتهى، وبدأت تشكّل خطرا على كثيرين.

لم تنته القضية بعد، ولم تخرج أم فهد من التريند، فبعد مقتلها بأيام، نُشرت لها صورة من داخل المشرحة، على قناة في موقع تليغرام، أُنشأت خصيصا لهذا الغرض، وقد بلغ عدد مشتركيها ستة عشر ألفا، ومن المثير للاستغراب أن المجتمع، الذي حاكم أم فهد أخلاقيا، لم يكتف بموتها، الذي اعتبره عقوبة عادلة، بل لاحق صور جسدها حتى بعد أن باتت جثة.

وبين مؤيد لقتلها، ومحاكم لأخلاقها، ومتسائل عن قصتها، ومتعاطف معها، انقسم رأي الشارع العراقي، إلا أن كل هذا بالنهاية يؤكد حقيقة واحدة، وهي أنها استُغلت من الجميع، الحكومة وشبكات الفساد والمتابعين، ربما من العراق كله، الذي كانت تجسيدا لافتا لحاله الثقافي والسياسي والاجتماعي.

صورة الفساد: أين تنتعش “أخلاق المجتمع”؟

يمكن كشف التضليل الإعلامي الممنهج من قبل “المؤثرين”، عندما يُخْتَزَل الفساد بقضايا أخلاقية، أو علاقات تربط بعض الضباط مع عارضات على مواقع التواصل، مع جمل على شاكلة “عاهراتك يا وطن”، أو “النسوان تخبّلن” أو “البلوكرات خربن البلد”. فكل هذا يغذّي صورة اجتماعية، يلجأ إليها المتابعون، بسبب شعورهم بالعجز، فالأخلاق المنعدمة برأيهم يمكنها إغضاب الله، وبالتالي تصيب الشعب بمصائب عدة، لا علاقة للدولة فيها. كل هذا يعزز التعاطي مع الواقع من منظور ديني، يبقى في  منطقة الحلال والحرام، لا في منطقة السياسة والقانون.

وما لا يحمد عقباه في هذا المنظور، أنه يحفّز الصورة السائد حول الفساد، المتمثلة دائما بامرأة ما، بالتالي يصبح الأفراد أشد تطرّفا إزاء أفعال النساء في الحيز العام، إذ تصبح كل النسوة الراغبات بالحريات عاهرات، يرغبن في الحصول على الامتيازات، التي تحظى بها العارضات والراقصات، والتي تعدّ  السبب الرئيسي في دمار الوضع العراقي، فيخلق هذا أنماطا جديدة للعنف، مبنية على معطيات التريند العراقي. وفي حال تعرض النسوة المعروفات إعلاميا لأي نوع من أنواع العنف، تكون ردة الفعل شديدة الشماتة، بل ومطالبة بممارسة العنف نفسه على النساء جميعهن. بالتالي تصبح إجراءات الحكومة، التي تُفضي إلى زيادة الكبت، ومنع الحريات عن النساء، طهرانية واجبة، حتى لا يسقطن في أحد أشكال الفساد.

لذا كانت عرقلة تشريع قانون العنف الأسري أمرا مقبولا للجميع، لأن تجريم العنف، أو حتى بناء دور إيواء للمعنّفات، سيؤدي إلى خروج النساء من منازلهن، وبالتالي تحولهن إلى عارضات أو راقصات ملاهي. كما أن منع مفردات بحد ذاتها، مثل “الجندر”، يحمي العائلات العراقية من أجندة خارجية، تريد تخنيث الرجل وتعهير المرأة. هكذا بات الشارع العراقي، حتى  بمثقفيه الأكثر “تقدمية”، لا يتناول قضايا النساء، خوفا من “أخلاق المجتمع”، التي أصبحت الحيز الوحيد المسموح فيه من قبل الدولة للنقاش بدون رقابة.

لم يبع “المؤثرون” أقلامهم وصورهم وضمائرهم فقط، ولم يستبيحوا الحيز العام وحده، لكنهم أيضا، ولتمرير أجندة الحكومة المبنية على كراهية النساء، استباحوا دماء اللواتي قتلن أو تعرضن للعنف. ومع غياب الحريات، وغلق مساحات النقاش جميعها، بأمر من الدولة، لم يبق من مساحة إلا أجساد النساء، التي لا تنتعش “قيم المجتمع” إلا عليها، أو ربما على دمائها.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
3.4 12 أصوات
تقييم المقالة
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات