هناك مبدأ تُجاري معروف يقول “الزبون دائما على حق”، أما في الدراما العربية فيبدو أن هناك مبدأ مشابها، يعتمد عليه المؤلفون، منذ أن شاهدنا الممثل يتحرك على الشاشة، ألا هو “الأب دائما على حق”. تطورت الدراما والسينما، وتغيّرت الأفكار ومرت السنين، ولا يزال السائد هو فكرة أن الأب/الأم،  هما الأصح دائما، ويتم استخدامهما رمزا لـ”الهوية”، “الأصالة”، “الأصول”، “التقاليد”، “الحقيقة”، وغيرها من القيم، التي تحيل دوما إلى جوهر ما. بينما الأبناء يتم استخدامهم رموزا للاندفاع وراء التقليد، “الحداثة”، “الخطيئة”. وهكذا، ورغم كل التغير، إلا أن الكُتاب والمخرجين في حالة إصرار على تتبّع الفكرة نفسها دون تغيير.

ينسى القائمون على الدراما غالبا أن الخبرات اختلفت بين الأجيال، ما أدى لفروق شديدة، لا يمكن اعتبارها تعبّر عن الصواب والخطأ، لأن التطور الهائل الذي حدث في العالم، غيّر كثيرا من تفاصيل الحياة، وجعل الأفراد يكتسبون خبرات مختلفة. فتعددت زوايا الحقيقة، ولم يعد هناك منظور واحد مُحتكر لأي طرف، فخبرات الأب تختلف عن خبرات الأبناء، ولكل منهم حياته المستقلة.

ولكن هل تجاوز هذه البديهيات مجرّد “نسيان”؟ لماذا تصرّ الثقافة الجماهيرية العربية، والمصرية خاصة، على جعل الآباء النقطة المرجعية، التي يجب، أيا كانت حبكة العمل الفني، أن نرجع إليها، وأن تنتصر؟

أرواح خاضعة: هل يريد “الأبناء” التمرّد لإقامة حقلة راقصة؟

في كتاب ” الأرواح المتمردة “، يصوّر الأديب اللبناني جبران خليل جبران، كيف تسعى السلطات الاجتماعية للسيطرة على رعاياها:

يقول لك الوالد: أنت عاق إذا كنت لا تفعل مثلي.

ويقول لك الكاهن: أنت كافر إذا كنت لا تصلي صلاتي.

وتقول لك المحكمة: أنت مجرم إذا كنت لا تتبع شرائعي.

فتجيبهم: ولماذا؟

فيقولون: لأن جميع الناس يفعلون ذلك.

فتصرخ متوجعا: ولكن جميع الناس تعساء، وأنا أريد أن أكون سعيدا.

فيقولون: كن مثل جميع الناس، لأنك لست أفضل منهم”.

هذا المنظور الرومانسي، الذي يعود لأوائل القرن الماضي، بات يعتبر شديد “التقدمية” بالمقارنة بالدراما العربية المعاصرة، إذ عُرض في موسم دراما رمضان 2024 عدد كبير من المسلسلات المصرية، والتي تشابهت فيما بينها، من حيث مضامين الانتقام والصراع على الثروة والميراث، أو المشاكل الزوجية والأسرية، في إطارات كوميدية وغير كوميدية، ومن بين الأعمال التي عالجت مشكلة الآباء والأبناء، بأسلوب يبدو تطبيقا فعليا لما انتقده جبران قبل أكثر من مئة سنة، كل من “أعلى نسبة مشاهدة” و”إمبراطورية ميم”.

المنظور الذي يصرّ عليه المؤلفون والمخرجون والمنتجون، وهو “كن مثل جميع الناس”، ربما يمتزج بحالة الخوف بالاصطدام بأي مما يسمى “ثوابت المجتمع”، التي قد تجعل المؤلف عُرضة للسُباب على منصات التواصل الاجتماعي، أو حتى التعرّض للملاحقة القضائية والقمع السلطوي. ولكن هل ما تقدّمه الثقافة الجماهيرية العربية هو بالفعل حياة “جميع الناس”، التي علينا أن نلتزم بها؟

بالتركيز أكثر على النموذجين المذكورين سابقا، يتجلّى أكثر المقصود،  ففي مسلسل “إمبراطورية ميم”، والذي هو في الأصل نص قصصي بالاسم نفسه، ضمن مجموعة “بنت السلطان” القصصية للكاتب المصري إحسان عبد القدوس، ينتصر السيناريو بشكل كبير للأب، ووجهة نظره. فالأب هو الرمز لكل قيمة جيدة، بينما الأبناء هم  كل فكرة حديثة أو غريبة، وبالتالي مدمّرة؛ ويضع الأبناء في قفص الاتهام مجازا، وكأنهم سبب تعاسة الأب، لأنهم لا يدركون مدى حبه لهم.

 هذا على مستوى التلقي الأول، فإذا ذهبنا إلى مستوى آخر، فربما يكون الأب هو الحاكم الذي يحبّ رعاياه؛ والأبناء هم “الرعية”؛ أما المنزل، المرغوب في بيعه في المسلسل، هو الوطن، بكل ما يحمله من هوية. أما الانتخابات التي يجريها الأبناء، ثم حالة الفوضى التي حدثت في العائلة، فتمثلّ الانقلاب على سلطة الأب. هذا كله يُحيل إلى أن الأبناء، عندما يفكرون بمناقشة السلطة، قد يتنازلون عن وطنهم/أرضهم، بينما الآباء هم الجذور الراسية، التي لن تبيع أبدا، وفي كلا المستويين ينتصر العمل للفكرة المكررة مئات المرات في أعمال سابقة.

يسير السياق الدرامي للأحداث في مسلسل “إمبراطورية ميم” في اتجاه واحد، وهو إدانة الأبناء، وحتى لو تراجع الأب في لحظة ما عن قراره، يعود الابن ويقول ما مضمونه إن “الأصح هو الأب”، بعد أن يرى “الحقيقة”. مثلما حدث مع شخصية الابنة الكبرى، والتي كانت تريد السفر في بعثة لدراسة الحقوق، رغم رفض الأب لذلك. فيما بعد افتخر الأب بابنته، التي لم تغادره إلى بعثتها، بل استمرت في العيش معه. أما شخصية الابن المتمرد، الذي يكسب الانتخابات أمام والده، فكل تصرفاته تحيل إلى ضياع الأسرة، بعد أن تولى مسؤوليتها، نتيجة الديمقراطية. فكل هدفه هو “الحرية المطلقة”، وأن ينظّم حفلا غنائيا في منزل العائلة، ويستضيف صديقته فيه لأيام.

 ولكن حتى لو  كانت هذه هي الأهداف التي يريدها “الأبناء” في تمردهم على السلطة، فلماذا تدان بحد ذاتها؟ ربما كانت حفلة غنائية مع صديقة أفضل من تجهّم الأب. ولكن كل الأحداث تخدم الفكرة الأساسية، وهي الولاء والطاعة، والخروج عن ذلك سيؤدي إلى كارثة.

ولكن هل يريد “الأبناء” التمرّد فعلا لإقامة حقلة راقصة؟ ربما كان هذا يتناسب مع حال بعض الفئات المترفة، المتأثّرة بتمرد الشباب العالمي في عصر إحسان عبد القدوس، ولكن جميعنا يعلم أن الموضوع ليس كذلك، لا في عصرنا، ولا حتى في عصر عبد القدوس.

“أعلى نسبة مشاهدة”: عندما ينصحنا طاقم عمل نسائي بتقبّل العنف

يغوص مسلسل “أعلى نسبة مشاهدة”  في بئر عميق من السلطوية ومحاكمة الآخر والنظرة الفوقية، سواء داخل أحداث العمل ذاته، أو وفقا لتصريحات صٌناع العمل، وعلى رأسهم المخرجة ياسمين أحمد كامل. إذ أشار العمل في بعض تفاصيله إلى فقر الأسرة التي تدور حولها الأحداث، واحتياجها لسداد كثير من الديون، وعندما تستطيع الابنة الوسطى أن تحصل على المال من خلال الإعلانات، التي تصنعها لبعض الملابس وأدوات المكياج على منصة تيك توك (بعد صدفة تسببت في تصدّرها التريند، وتعلّق الناس بها) تسعى إلى تسديد ديون الأهل، ومساعدتهم ماليا، بدون إخبارهم بما تفعل، خوفا منهم. ولكن الأمر ينكشف، بسبب بعض المواقف السيئة التي تقع فيها، بفعل فاعل؛ وتتورط في أعمال، يتم وصفها بأنها “منافية للآداب”، بعد انتشار مقطع لها وهي ترقص في خِطبة صديقتها، وعملها على تطبيق يدعو الفتيات للتعارف على الشباب.

في الحلقة الأخيرة توجّه سهام النقد للفتاة الضالة من كل ممثلي السلطة: الأب، وكيل النائب العام، القاضي الذي ينظر لها نظرة احتقار. وتدلل المشاهد، بكل ما يمكن الاستعانة به من مؤثرات، سواء الغناء، أو الحوار، أو الصورة، على خطأ الفتاة، وجعلها مدانة بكل السبل الممكنة. ومن أبرز الجمل التي تعبّر عن المقصود، ما يردده صوت المطربة في خلفية المشهد: “يغور كل دا لو التمن قلة رضا، يا بويا كنت منعتني، حلمي اللي كان بيشدني خلاني أسيب جنة رضاك“.

 والسؤال هنا ماذا فعلت الشخصية لكي تستحق كل هذا؟ رقصة في خطبة؟ الرقص هو طقس مصري لا تخلو منه أية مناسبة منذ قديم الزمان. بل أن المخرجة كانت ترغب في نهاية أكثر قسوة للشخصية، وقالت نصا في حوار صحفي لمجلة “هي”: “كيف لا نحاكمها وهي مخطئة؟ هي دعت الفتيات لدخول غرف دردشة مغلقة للحديث في أشياء خارجة، هذا هو القانون، هل أتدخل في قانون البلد؟ ولماذا نتعاطف معها وهي مخطئة… حبيت أخوّف الأطفال من الموبايل، حبيت أخوفهم إنهم مايرقصوش في أي حتة، حبيت أخوفهم إن إنت لازم يبقى عندك مهنة محترمة، حبيت أخوفهم ان الفلوس السهلة بتروح بالساهل“.

وهنا نلاحظ أن المخرجة لديها نظرة أبوية متسلّطة جدا، افترضت من خلالها أن العمل في تطبيق تيك توك أمر غير محترم، وأن الأموال التي تأتي منه “سهلة”، وأن اللوم يقع على الفتاة العاملة على المنصة لمساعدة أسرتها، وليس على الأب الذي انهال عليها ضربا، فتسبب في هروبها من المنزل، بدلا من حمايتها.

الابنة دائما هي المخطئة، كان يجب أن تتحمّل الضرب بصدر رحب، كي ترضى عنها كل من مخرجة وكاتبة العمل.

مرجعيات الحقيقة: لماذا لا يطال الزمن قيم الآباء؟

لا يحدث كل هذا في مسلسل “أعلى نسبة مشاهدة” فقط، وإنما في غيره أيضا. على سبيل المثال في مسلسل “وبينا معاد”، عندما علمت الأم أن ابنتها تتربّح مالا من العمل عبر منصة، دخلت معها في نقاش مطوّل، تحت المبدأ المغضوب عليه نفسه: “المال السهل”. وينطلق المبدأ من قاعدة تنظيرية غريبة، وهي أن المال يجب أن يكون “صعبا”. ولكن، ألا يصنع العاملون على تيك توك محتوى في شرط شديد التنافسية، ويقومون بالتصوير، واختيار الملابس، وتحديد الجمهور، وخلق عناصر جذب وتصوير ومونتاج، أي عملية إعداد وإعلان كاملة؟ أين “السهولة”، التي يستخدمها الكُتّاب بوصفها مصطلحا على لسان شخصياتهم؟ ما الفرق بين الإعلان الذي تقدّمه فتاة في منطقة شعبية لبعض المساحيق التجميلية، والإعلان التي تقدمه نجمة مثل ياسمين صبري على سبيل المثال؟ لا إجابة إلا أن الفتاة الفقيرة لم تدخل بعد في ترميزات النظام الأبوي، فيما تستطيع النجمات الأغنى أن يجدن لأنفسهن مكانا فيها. الأبوية هنا ليست مجرد قمع أخلاقي وديني، وإنما قمع طبقي.

يضع الكُتاب مجموعة من الافتراضات، التي يظنون أنها مستوحاة من “قيم المجتمع”، وكأنها مسلمات لا يجب أن تتغير أبدا، ونادرا ما يخرج مؤلف عن هذا السياق. وإذا عدنا إلى أحد أهم مرجعيات الكتابة الدرامية العربية، أي أسامة أنور عكاشة، الذي صنّف دوما “يساريا” بالمعايير المصرية والعربية، سنجد أنه من أبرز الكتاب، الذين ينحازون لفكرة المواعظ والحوارات الخطابية، وفكرة الأب/الزعيم، المستبد، ولكن الطيب والأقرب للهوية. وفي أغلب أعماله تتغيّر الملامح فقط، ولكن يظل المضمون، فنرى أبلة وفية في “امرأة من زمن الحب”، وأبو العلا البشري في “رحلة السيد أبو العلا البشري”، دائما على حق، ودائما يعبّران عن الصحيح الذي لا يطاله الزمن.

بالتأكيد لم يخترع عكاشة كل هذا، فهو موجود في الدراما والسينما قبله، وسيتسمر بعده، ولكنه يظل أحد أهم المؤسسين لمخيّلة كتّاب الدراما المعاصرين، ومنتج أهم الشخصيات، التي انطبعت في لاوعي المشاهدين. وهو بالمناسبة لم يكن من مناصري الأنظمة الحاكمة، ولكن يكفي أنه ابن “المشروع” الذي حملته الدولة، التي تجد دائما قيمها مهددة.

ولإنصاف عكاشة فهو قد كسر هذا النمط في أحد أعماله المهمة، وهو الجزء الثاني من مسلسل”الشهد والدموع” (1985) من خلال شخصيتي ناهد وسهير، اللتين خرجتا من عباءة الأسرة، والسياق الذي أجبرتا على العيش فيه، وهو الكره، الذي زُرع في قلوب الآباء. إلا أن هاتين الشخصيتين مجرد استثناء لا ينفي القاعدة.

المضحك في الأمر، أن أبناء الأمس هم آباء اليوم، وبالتالي فمن أين يأتي الآباء بكل هذه الحكمة السرمدية؟ يبدو أن الموضوع لا يتعلق بالعمر أو بالزمن أو بالمجتمع، ولكن بسلطة فوق كل هذا، مهمة الثقافة الجماهيرية أن تكرر خطابها بتنويعات مختلفة.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
تقييم المقالة
1 تعليق
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات
Berboc
1 شهر

مقالة غاية في الابداع وعمق في طرح