رحيل صلاح السعدني: كيف مارس “العمدة” الفن والسياسة؟

رحيل صلاح السعدني: كيف مارس “العمدة” الفن والسياسة؟

خليك في الفن“، نصيحة وجهها صحفي وناقد متمرّس، اسمه محمود السعدني، إلى شقيقه الصغير صلاح، مُحذّرا إياه من المشاركة في تعقيدات الوسط السياسي، الذي لم ينل منه محمود سوى الضرر، وغضب السلطات، ليستجيب الأخ الأصغر إلى النصيحة، ويصبح مع الأيام فنانا شهيرا له جمهوره، اسمه صلاح السعدني.

رغم استجابة صلاح لتلك النصيحة منذ كان شابا، إلّا أنها لم تمنعه من اتخاذ مواقف، وإعلان آراء، سواء سياسية لم تكن بالمُفضّلة لدى السلطات، أو اقتصادية، أو فنية إشكالية. ما جعله مُقربا من أوساط كثيرة من المهتمين بالشأن العام المصري، فضلا عن محبة الجمهور له، منذ بداياته مسيرته الفنية، وعلى مدار نصف قرن، قدّم خلالها ما يقارب مئتي عمل، منها ما يُعدّ علامات عالقة في ذاكرة كل المتكلمين باللغة العربية، ومتابعي فنونها الجماهيرية.
ما يزال الموضوع يستحق التأمّل: هل استمع السعدني الصغير فعلا إلى نصيحة أخيه الأكبر؟ أم أنه ظل دائماً في قلب “السياسة”، بمفهومها المصري؟ وكيف انعكس كل ذلك على حضوره الفني والاجتماعي، وارتباط الجمهور به؟

تربية “الولد الشقي”: أين رأى السعدني “العمدة”؟

كان للمنشأ الأسري والاجتماعي سرّه في تشكيل شخصية صلاح الدين عثمان إبراهيم السعدني، المولود عام 1943. فهو ابن أسرة متوسطة الحال، انتقلت من قرية “كفر القرينين” التابعة لمحافظة المنوفية، إلى حارة “سمكة” بمحافظة الجيزة، ليتربّى بين مواطنين بسطاء، فلاحين وصنايعية، استفاد منهم بشدة، واستقى من شخصياتهم، في الأدوار التي أداها خلال مسيرته.

للبيئة عاملها طبعا في نضج شخصية صلاح السعدني، لكن الدور الأبرز كان لأخيه الكاتب الصحفي الساخر محمود السعدني، الذي يكبره بستة عشر عاما، ما جعله أبا روحيا، يتولى مهمة تربية صلاح، ليحتك الصغير بأصدقاء أخيه المثقفين، مثل زكريا الحجاوي وفتحي غانم وصلاح جاهين وعباس الأسواني.

بجانب تلك العوامل، نمت موهبة صلاح بفضل نشاطه المدرسي، فبعد انتقاله من مدرسة “العهد المنير”، إلى “السعيدية” الثانوية، التحق بمسرحها، الذي ظلت له هيبة في نفسه، ما جعله، حين عاود الوقوف على خشبته بعد أن صار فنانا مُحترفا، يشعر بالإحساس القديم نفسه، كتلميذ قلق يمرّ بالتجربة لأول مرّة.

ورغم حرص السعدني الأكبر على إتمام أخيه الصغير دراسته قبل أي شيء، إلّا أن محبة الفن تغلّبت عليه، فالتحق صلاح بفرقة التمثيل الجامعية، وكان رئيسها، الأكبر منه بعامين، ويدرس معه في كلية الزراعة أيضا، هو عادل إمام، الذي أفسح له المجال، حين علم أنه شقيق الكاتب الساخر الشهير، الذي كان مُعجبا بمؤلفاته، وأخذ في تشجيع السعدني، والتأثير عليه؛ وهو الدور نفسه الذي لعبه سعيد صالح، الذي كان في الفرقة نفسها مع إمام. وانطلق الثلاثة في مسيرتهم الفنية، ليكونوا أهم نجوم جيلهم.

لهذا، ورغم مرور الأيام وتغيّر المواقع، بحسابات العمل والشهرة، لم تتغير المحبّة، وظل صلاح مُخلصًا لصداقته بالاثنين، وكان يشهد بنجاحهما، سواء صالح الذي وصفه بـ”شديد الموهبة“، أو إمام الذي اعتبره “الأذكى فنيا“، رافضا إرجاع نجاحه إلى “الحظ”. لتتوسع بعدها صداقاته مع فنانين آخرين، منهم ابن حي شعبي مثله، هو نور الشريف، الذي امتدت صداقته معه، من لقاءات المناسبات العامة إلى منازل أسرتيهما.

بجانب حبّه للفن، ساعد صلاح السعدني احتكاكه، منذ بدايات عمله، بأسماء مهمة، إذ شارك في أداء نص “خماسية الساقية” لعبد المنعم الصاوي، وذلك بدور الأخرس “أبو المكارم” في مسرحية “الضحية” عام 1964، وهو العام نفسه الذي أدى فيه دور صبي الفندق في مسرحية “لوكاندة الفردوس.” وبدأ الفنان الشاب المشاركة في أعمال عديدة، مع محترفي كتابة وتمثيل وإخراج، مثل وحيد حامد ويوسف شاهين؛ وكل من إحسان عبد القدوس ونور الدمرداش في مسلسل “لا تطفئ الشمس”، وقد  كسب تعاطف الجمهور لبراعته في أداء دوره، لدرجة أن بعض المعجبين أقاموا مظاهرة أمام مقر مجلة “صباح الخير”، التي كانت تنشر كل حلقة مكتوبة قبل تمثيلها وعرضها، احتجاجا على نهاية المسلسل بوفاة البطل، وطالبوا عبد القدوس بتغييرها.

في “لا تطفئ الشمس” التقى السعدني واحدا من أهم رواد المسرح، هو كرم مطاوع ،الذي أخرج له في منتصف السبعينات مسرحية “حُب وفركشة”، للكاتب صلاح جاهين. وكان السعدني أيضا البطل في  فرقة “مسرح الشباب” التي أسسها مطاوع. ليأتي فيما بعد اللقاء الشهير بينهما في مسلسل “أرابيسك”، لأسامة أنور عكاشة، مؤلف “ليالي الحلمية”، الذي صنع بأجزائه الخمسة نجومية كبيرة للسعدني، ليصير لقبه منذ التسعينات “عُمدة الدراما المصرية”.

هذا اللقب الذي ناله عن جدارة، أتى محبّةً في شخصية سليمان غانم، التي أدّاها بإتقان كبير لمدة ناهزت عقدا من الزمن، بين منتصف الثمانينات والتسعينات، بمختلف مراحلها العمرية، كأنه رآها في أحد رجال قريته، ممَنْ، وكعادة كبار رجال الريف، يحظون بهيبة أمام الجميع، لكن، حين يكبرون في العمر، يصبحون ألطف وأكثر عاطفية. هكذا عندما صار السعدني “جدو سليمان” في المسلسل، أخذ يُدلل أحفاده دون قيود، إعمالا لمقولة “أعز الولد”.

كان صلاح السعدني ابن بيئة اجتماعية وثقافية شديدة الغنى، فمن الأرياف والحارات الشعبية، مرورا بتجمّعات المثقفين المسيّسين، وصولا إلى المسرح المدرسي والجامعي النشط في عصره، توفّر له إطار واسع لإبراز موهبته. ربما ما خسرناه مع السعدني، هو غياب أحد آخر أبناء جيل، عبّر عن حيوية الثقافة المصرية آنذاك.  

قضايا وصُدف: لماذا غاب السعدني تدريجيا عن الساحة الفنية؟

نجح “العمدة”، ومازال الجمهور يذكر انفعالاته وعباراته المضحكة، سواء أمام نازك السلحدار أو خصمه سليم البدري، لتشعر وكأن الدور كان مكتوبا له بالفعل، رغم أنه ذهب إليه بترتيب قدري، بعد أن اعتذر عنه مُرشحان قبله، هما سعيد صالح لانشغاله بالمسرح؛ ويحيى الفخراني لإعجابه بشخصية البدري. فأجاد السعدني استغلال الصدفة، بخفة ظل، استثمرها بعد أعوام عديدة، في برنامج قدمه بعنوان كوميدي، هو “الليلة يا عمدة“.

الغريب أن القدر لعب دوره معه في عمل آخر بارز، وكأنه يضع عراقيل أمام تحقق الاختيارات الأولى للمثلين، من أجل أن تذهب الأدوار للسعدني، فتلتصق به في مخيلة الجمهور. فهو لم يكن المُرشّح الأول لشخصية حسن النعماني في مسلسل “أرابيسك”، لكن حين أدّاها، رأينا، بصورة لا تُنسى، النجّار الماهر متقلب المزاج، إلى حد تلقيبه بـ”أبو كيفُه”، الحائر في تزيين منزل بما يعبّر عن هوية مصر، لحيرته من الأساس في تحديدها.

هكذا فإن السعدني كان مُهتما دائما بأن يكون ما سيشارك فيه عملا له هدف، أيا كان دوره، فكان ربّ أسرة قلق في مسلسل “رجل في زمن العولمة”؛ ومدرّسا صاحب مبادئ، وحريصا على التاريخ، في مسلسل “حلم الجنوبي”، بل كان يرغب في أداء عمل لتوثيق سيرة السياسي مصطفى النحاس، أحد زعماء حزب الوفد وثورة 1919. لكن الأمر لم يتم، مثلما حدث في أعمال أخرى، كان يتمنى خروجها للجمهور، أحدها بعنوان “الولد الشقي”، عن حياة شقيقه محمود؛ وكذلك “الزوجة الثانية”، الذي لم يظهر للنور بسبب الظروف الاقتصادية بعد ثورة يناير؛ ومسلسل عن صديقه الكاتب محمد صفاء عامر، لكن لم يُنتج أيضًا. ليختفي صلاح السعدني بعدها من الوسط الفني النشط.

لم تكن أسباب الاختفاء مُعلنة صراحة، وإن كانت ربما تعود إلى ما رآه في الوسط من “خمول وتراجع“، بحسب تعبيره، خاصة وأن إيمانه بالأهداف “السامية” للفن، ظل حتى آخر أعماله، وهو مسلسل “القاصرات” عام 2013، الذي ناقش مشكلة زواج القاصرات المستمرة في الأرياف.

كان يمكن للصدف أن تخدم قضايا السعدني في كثير من الأحيان، ولكن تغيّر الوسط والإطار الثقافي والسياسي والاجتماعي لم يساعده على الاستمرار، فخبا نجمه تدريجيا، مع تراجع القضايا التي أيديها، والمنظورات التي اعتبرها صلب الفن. كما لم يستطع، أو لم يرد، أن يجد نفسه في إطار ثورة يناير، رغم كل ما فيها من “قضايا”. ولا ندري إن كانت هذه خسارة للسعدني، أم لجيله، أم للثورة. يختلف هذا حسب منظورك السياسي.

بكل الأحوال كان السعدني ابن زمنه جدا، وليس “عابرا للعصور”، كما هو الحال مع عادل إمام مثلا. ولكن ما قضايا السعدني بالفعل؟ 

أدوار “حقيقية”: كيف ابتكر السعدني فن “المواطن العربي العادي”؟

انتقاد السعدني للوسط، أتى في حوار، لم يتردد فيه بمناقشة وانتقاد أمور عديدة تتعلق بالبلد وأوضاعها، لاسيما وأنه اعتاد على هذا الأمر منذ كان شابا، ودون تخوّف من السلطات، ورغم ما لحق به من أضرار بسبب صراحته في إعلان الرأي.

لكن، لا غرابة في أن تكون هذه مواقف مَن تربّى على يد رجل “مغضوب عليه” من السلطات مثل محمود السعدني، ليصبح صلاح تحت نظرها ورقابتها، رغم مشاركته في أعمال “وطنية” في عصر الرئيس أنور السادات، دارت حول الحرب ضد إسرائيل، مثل “أغنية على الممر”. وطنية السعدني لم تمنعه من توجيه انتقادات للنظام في تلك الفترة، بسبب ما سمّاه “حالة اللاسلم واللاحرب”.

بسبب هذا الموقف، نال نصيبه من العقاب، بمنعه من التمثيل لمدّة لم تقل عن عامين، حرمته من فرص، أهمها مسرحية “مدرسة المشاغبين”، التي كان سيؤدي فيها الدور الذي جسّده أحمد زكي فيما بعد. وقد حاول حينها المنتج سمير خفاجة مساعدته وتعويض خسارته، فعرض عليه مهمة إدارة المسرح.

مرّت الأزمة وانتهى عصر السادات، لكن صلاح لم يُعد التفكير في قناعاته. ورغم ثقافته وشهرته، خاصة في الثمانينات والتسعينات، إلّا أنه لم يحاول استغلال أي فرصة للتقرّب من السلطة أو محاباتها، بل إنه رفض عرضا، إبّان عهد مبارك، للانضمام إلى حزبه الحاكم “الوطني الديمقراطي”، وقد برّر موقفه في إحدى الحوارات بالقول إن “لديه هموما سياسية”، بينما العمل في الوسط السياسي “شديد القُبح”.

لم يكن السعدني معارضا فعليا للنظام الحاكم، أو منتميا لأي جهة أيديولوجية معارضة واضحة المعالم، فهو ابن الدولة المصرية وأطرها الثقافية في النهاية، إلا أنه كان يعشق الحرية، ويحب أن تكون آراءه غير متقيّدة بمواقف جهة مُعينة. ومثلما انتقد ملفات اقتصادية وسياسية، تُعدّ مسؤولية النظام الحاكم، الذي لام عليهعدم وجود ديمقراطية“، انتقد أيضا الأحزاب السياسية المعارضة، ووصفها بأنها “شكل بلا أدوار، وشبيهة ليست حقيقية“.

وربما ولعه بالأدوار والمواقف “الحقيقية” كان سر حضوره وشعبيته، العابرة للفئات والتيارات السياسية. فالسعدني، حتى على المستوى الشخصي، ووفقا لما كان يُنقل عنه إعلاميا، كان مواطنا “عاديا”، يتحدّث في الشؤون العامة وهمومها كأي شخص آخر، كما يسعده تشجيع فريق كرة قدم، ومناكفة مشجعي الفرق الأخرى. وهذه الصورة عن “الحقيقية” و”البساطة” قد تكون جوهر حرفة السعدني الفنية، بل حتى جوهر موقفه السياسي.
ما فقدناه إذن هو هذه “الحقيقية” وتلك “البساطة”، اللتين ارتبطتا بظرف تاريخي انتهى. اليوم، ونحن نعيش نمطا آخر من الحقائق والمفاهيم عن “الحياة العادية”، لا يمكننا إلا أن نتذكّر صلاح السعدني، بابتسامة تجتمع فيها المحبة مع الحنين والحزن. 

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
3.8 4 أصوات
تقييم المقالة
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات