شرطة الأخلاق العراقية: ما أسباب حرب “المقاومة” ضد النساء؟

شرطة الأخلاق العراقية: ما أسباب حرب “المقاومة” ضد النساء؟

يُمكِن إدراك جوهر التمييز، الذي تعاني منه النساء في العراق، بشكل مكثّف، من خلال إعادة قراءة القرارات، التي اتخذتها الحكومة العراقية خلال الأسبوعين الماضيين، بعد تحرّكها العاجل على مستويين أساسيين: قانوني واجتماعي، يصبّان في نتيجة واحدة، وهي إقصاء النساء من الحيز العام، بأدوات من شأنها فصل النساء عن بقية المجتمع، وعن بعضهن، وذلك لمنع خوض أي نضال مشترك، وإجهاض أي محاولة للتحرّك، خارج الحدود التي تسمح بها الدولة.

كل هذا جرى خلال فترة قصيرة نسبيا، بعد استلام حكومة “الإطار التنسيقي” لشؤون الدولة العراقية، فقامت بشكل منهجي بتقليص حريات النساء، الشحيحة أصلا، مع مراعاة “خصوصية” كل محافظة عراقية؛ كما قامت باستهداف المجتمع المدني، بدعوى الدفاع عن أخلاقيات وآداب المجتمع العراقي، مستخدمة أجهزة الدولة بكل أنواعها، والميليشيات بكافة أسلحتها. والنتيجة الفعلية مزيد من التصحير السياسي والثقافي للمجتمع العراقي.

كيف يمكن قراءة التحركات، التي اتخذتها الحكومة العراقية عموما؟ وهل هذا الإقصاء، الذي يبدأ من أجساد النساء، سوف يشمل الأفراد العراقيين بصفة عامة؟ أم أن الأمر سيقتصر على النساء، وتبقى “أخلاق العراقيين” بعدهن سليمة؟

البغاء الغامض: حذار من أن تصيروا نساءً!

تحركت الحكومات المحلية، في وسط وجنوب العراق، في اتجاهين متقاطعين في الأيام الماضية، لقمع أي تحرّك نسائي: الاتجاه الأول كان حملة ضخمة، ضد عدد كبير من الناشطات النسويات، لإجبارهن على توقيع تعهدات خطية، بعد استخدام مصطلح “الجندر”، تحت طائلة التعرّض لعواقب وخيمة، حسبما جاء في بيان “تحالف أمان النسوي”، الصادر في التاسع من شباط/فبراير، وهو تحالف يضم عددا كبيرا من النسويات العراقيات. وقد جاء في التعهد أن مصطلحات الجندر “تخالف الآداب العامة، وتحرّض على الجنس الآخر”.

أما الاتجاه الثاني فكان على المستوى القانوني، عبر تعديل “قانون البغاء” الصادر عام 1988، ليصبح “قانون مكافحة البغاء والشذوذ الجنسي”، وذلك بعد إقصاء رئيس مجلس النواب السابق محمد الحلبوسي، الذي كان قد سحب التعديل، بعد القراءة الثانية له في البرلمان، انسجاما مع متطلبات المجتمع الدولي، وحفاظا على تعهدات العراق تجاهه. وبعد وصول محسن المندلاوي إلى منصب “رئيس مجلس النواب بالنياية”، صار من الممكن إقرار التعديل، الذي لا يجرّم فقط العلاقات المثلية، بل كل “من يُروّج لها داخل العراق، بأي وسيلة كانت”، ويحكم عليه بالسجن لمدة سبع سنوات، وغرامية مالية تصل إلى خمسة عشر مليون دينار عراقي. ولا تسري الأعذار القانونية، والظروف القضائية المخففة، على من يدان بهذه التهمة.

ومن الغريب أن فعل “البغاء” نفسه، يقبل الأعذار المخففة، على عكس “الترويج للشذوذ الجنسي”، على الرغم من أن “الترويج” يعتبر كلمة مطاطية قانونيا. هل يُقصد هنا كل من طرح القضية وناقشها؟ أم من يدافع عن حرية الأفراد؟ أم من دعا إليها؟ هذا علمه عند الله، وعند أعضاء مجلس النواب والحكومة العراقية. قانون يصاغ بهذه اللغة، لا يمكن أن يكون إلا مقدمة لتكميم الأفواه، ولقمع شديد.

كذلك يعتبر حكم ممارسة “الزنا” أو “اللواط” مخففا، بالمقارنة بـ”العلاقة المستمرة” بين طرفين من الجنس نفسه، فعقوبة الأولى السجن أو الغرامة. أما الثانية فتصل إلى الإعدام أو السجن المؤبد. هل الحكومة العراقية تؤمن بالعلاقات المؤقتة أكثر من الدائمة؟

أما التخنّث، أي تشبّه الرجال بالنساء، فيُعتبر فعل “بغاء” أيضا، وتسري عليه أحكام مشابهة، إذ إن الرجل، في حال استخدامه مساحيق تجميل نسائية، يُعتبر مخنّثا، وممارسا للبغاء. وتسري العقوبات نفسها على أية صورة أخرى، تعدّ ممارسة مقصودة للتخنّث، وفقا للمعايير الاجتماعية. ولا ندري فعلا ما تلك المعايير، لربما إذ مشى فرد ذكر بطريقة لا تعجب أحد الرجال في المجتمع، فيمكن للأخير إبلاغ السلطات، وسوف تلعب الحكومة دورها في معاقبة المخنّث. 

قد يمكن الاستنتاج من القانون، أن “الذكورة” المطروحة بغموض في تعديل “قانون البغاء”، هي المعيار الأعلى للأخلاق بالنسبة للدولة، إذ ليس من المهم أن تكون مغتصبا أو قاتلا أو حاملا للسلاح، كلها أمور يمكن تجاوزها، وغالبا لا يُعاقب عليها بالإعدام أو السجن المغلّظ، لكن المهم أن تبقى محافظا على الشكل المقبول لدى “قيم المجتمع”.

الممارسات الواقعية في المجتمع العراقي، التي تتم بدعم وحماية الدولة، قد تمكّننا من فهم “الذكورة” التي تقدّسها الجمهورية العراقية. إذ يمكن مثلا لرجل السلطة العشائرية، قتل من يريد، في حادثة ثأر أو “دكة عشائرية”؛ ويمكن لرجل الأعمال الفاسد غسل أمواله كما يرغب؛ ولرجل الدين بث خطاب الكراهية الطائفية دون رادع؛ أما رب العائلة أو الأخ فيمكنه قتل أي امرأة من عائلته بحجة الشرف. لكن أن يتشبّه كل هؤلاء بالنساء، أو أن يتحولوا إلى “مفعول به”، فهذا ما لا ترضى به الدولة.

 تعلم السلطات العراقية يقينا، أن شوارع النجف وكربلاء وبعض أحياء العاصمة بغداد، فيها نمط سائد من “البغاء” المثلي المؤقت (وليس المستمر والدائم والعياذ بالله) إذ يمكن هناك إيجاد “الحلو” بدون أي جهد يذكر، أي ذكرا يمكن ممارسة الجنس معه. وأبطال هذا النوع من “البغاء” لا تسري عليهم القواعد والقوانين، لأنهم غالبا وجوه عشائر مهمة، يرضخ لها أعضاء مجلس النواب، للحصول على الأصوات، التي تعطيهم حق تشريع القوانين ضد “الشذوذ الجنسي”.

بكل الأحوال، يبدو كل هذا موجّها ضد حضور النساء في الحيز العام، فإما أن تكون ذكرا فحلا، مُعنّفا وقاتلا لنساء مجتمعك؛ أو أن تتشبّه بهن، وعندها ستتعرّض أنت نفسك للتعنيف والقتل، ما لم تكن طبعا من “الوجوه” أو أصحاب النفوذ، أو محميا من واحد منهم.

مدن مقدّسة: هل يحقّ لغير “الزينبيات” القراءة؟

حافظت كل حكومة محلية على “خصوصيتها” في إقصاء النساء في الأيام الماضية، في كربلاء على سبيل المثال مُنعت النساء، اللواتي لا يرتدين العباءة “الزينبية”، من دخول معرض الكتاب. ويمكن فهم هذا المنع، عندما نعلم أن “العتبة العباسية” هي الجهة المُنظِّمة لهذا المعرض، إذ يبدو أنه من غير المهم بالنسبة للعتبة نوعية النشاط الذي تقوم به النساء، فسواء أردن زيارة الحسين والعباس، لأداء طقس ديني؛ أو شراء كتاب في الفلسفة والأدب، أو حتى الطبخ، فهن بكل الأحوال عورات. والعورة تُغطى. العتبة الشريفة اعتبرت الكتب نفسها عورات، فقد أُغلق جناح “دار الجمل”، بسبب كتاب “القديس والقيصر”، وعلى الرغم من أن الكتاب يتحدّث عن المسيحية، إلا أن الاسم وحده كان كافيا لإقصاء الدار.

أما في محافظة النجف، فقد غُطِّيَت صورة إعلانية، تُظهر شفاه امرأة، بغطاء كبير، مكتوب عليه: “المدن المقدسة لها حرمة، ولا يجوز انتهاكها بأي مخالفة للآداب أو الأخلاق العامة”، مع تذييل يذكر “قانون الوقف الشيعي، رقم 57 لسنة 2012، المادة 24”.

ولم تكتف المحافظتان المقدستان بتلك الأفعال، لكنهما بدأتا بفرض تنظيم مشابه لشرطة الأخلاق الإيرانية، أي مجموعة من النسوة، يقمن بالركض خلف أي امرأة لا ترتدي زيا “محتشما” في المحافظات المقدسة، وإهانتها علانية.

استغلت الحكومتان المحليتان قضية قدسية المحافظتين لتضييق المساحات، وعلى مَنْ تُضيّق المساحات سوى النساء؟ في هذا الجو، تصعب المعارضة والتحرّك، إذ يوافق عدد كبير من أبناء المحافظتين على ذلك الأسلوب القمعي، ومن يبدي رأيا مستقلا يُتهم أخلاقيا، ويعاقب قانونيا، أما من يمكن التعويل عليهم، في التحرك ضد مظاهر التشدد، مثل طلبة الجامعات، فقد قُيِّدُوا بعدة إجراءات، والنساء منهم خاصة بالطبع، فمُنعت الطالبات من المشاركة في مارثون كلية الطب بالكوفة، لأن ذلك مخالف لـ”الأعراف الاجتماعية” إياها، و”يحطّ من قدر المرأة”، ويبدو أن قتل النساء على يد رجال العشائر، وشتمهن من قبل شرطة الأخلاق، ليس حطا من قدرهن في نظر المدن المقدسة، وإنما ممارستهن للرياضة.

وعلى الصعيد نفسه، مُنعت النساء من المشاركة في مارثون البصرة، حسبما جاء في إعلان منظمي الفعالية على مواقع التواصل الاجتماعي: “بناء على توجيهات الأستاذ محمد طاهر التميمي، محافظ البصرة وكالةً، وحفاظا على سلامة الجميع، سيكون ماراثون البصرة للذكور فقط”. و”الذكور فقط” تعني السلامة.

ومن الغريب أن كل القرارات المذكورة، بدءا من قانون البغاء وحتى ماراثوني الكوفة والبصرة، قد صدرت بإشراف مسؤولين “بالوكالة”، فرئيس مجلس النواب العراقي حاليا هو رئيس بالوكالة، ورئيس جامعة الكوفة كذلك رئيس بالوكالة؛ ورأينا أن محافظ البصرة هو “محافظ البصرة وكالةً”. يبدو أن الحكومة العراقية تعيّن وكلاء على عجل في كل مكان، بهدف أساسي، وهو أسلمة الحيز العام أكثر وأكثر، وطرد النساء منه. لماذا فعلا؟  

المقاومة والنساء: هل يمكن للعراقيين التعلّم من إيران؟

حكومة “الإطار التنسيقي” لا تستعمل اليوم لغة هجومية ضد المجتمع الدولي، بل على العكس، تحاول بناء علاقات وطيدة مع مختلف الأطراف، ومنها الولايات المتحدة الاميركية. ولكن ماذا عن خطاب “المقاومة”، الذي تحمله الميليشيات الموالية لإيران، والتي تعتمد عليها حكومة “الإطار”؟

لا تضمن حكومة الإطار استمرارها في إدارة الدولة بدون “الميليشيات الولائية”، لذا تعمل على مستوين: الحفاظ على علاقتها المؤقتة مع أميركا، كي لا تنهار الدولة بكل بساطة؛ وفي الوقت نفسه استرضاء الميليشيات، من خلال تطبيق جميع الإجراءات الإيرانية، في قمع النساء والمثليين، وبث كثير من البلاغة عن “الأخلاق” و”قيم المجتمع”، لإعداد شعب متشدد، دينيا وعشائريا، يمكن أن تعتبره المقاومة جمهورها الصالح.

يبدأ الأمر دائما مع النساء، إذ أن نيل الموافقة الاجتماعية على قمعهن ليست صعبة، ومع إقصاء نصف المجتمع العراقي من الحيز العام، يمكن بسهولة التحكّم بالنصف الآخر (خاصة أن تشبّهه بالنصف الأول قد يودي به إلى القتل). وكل ما ذكر من إجراءات، وغيرها، ما هو إلا بداية لقمع أكبر، يصبح معه المواطنون العراقيون غير قادرين على التحدّث عن أوجاعهم، فضلا عن المطالبة بحرياتهم الأساسية. باختصار، لا يمكن لـ”انتفاضة” جديدة أن تندلع وسط كل هذه “الأخلاق”.

وكما تنقل السلطة العراقية عن النظام الإيراني، فربما يمكن للعراقيين أن يستفيدوا من نضالات الإيرانيين. خرجت الاحتجاجات الأخيرة في إيران بصرخة: “مرأة، حياة، حرية”. لأن الإيرانيين قد عرفوا بالتجربة أن قمع النساء هو بداية القمع الشامل، وأن النضال لأجل حقوق النساء، هو دائما الخطوة الأولى لمواجهة ذلك النوع من الأنظمة، التي تُقصي الجميع من مدنها، سوى الذكور المعممين والمسلّحين. وربما على العراقيين أن يتعلموا الدرس قبل فوات الأوان.  

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
5 3 أصوات
تقييم المقالة
1 تعليق
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات
محمد الموسوي
1 شهر

يمكن للأماني الحسنة ان تتحقق ضمن حيز الحقيقة والنظر الى الواقع بعين البصيرة لا بعين التطرّف اوالتهكّم او الوقوع في الرذيلة ..

ان شريعة السماء شريعة رصينة كما هي شريعة سمحاء بنيت على الفطرة السليمة وتناغمت مع السيرةالقويمة لبناء الانسان وتكامله وسعيه نحو الارتقاء ..

قال تعالى ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِأَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ – الحجرات/ ١٣) وقال ايضاً ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِوَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا – الإسراء/٧٠) 

وما هذا التكريم والتفضيل الا من خلال الحمل على الفطرة لا من مبدأ الامتياز بل من مبدأ التمييز والتفصيلوتوزيع الأدوار .. انّه رزق الله “جلّ وعلا”

فالدعوة الى الشذوذ رغم انها قبيحة مستهجنة فطرياً انها مستهجنة عرفياً وشرعياً وقانونياً بل سماوياً .. 

ثم ان الحقيقة لا ُتنال – لمن يطلبها – من خلال انتقائية الاحداث وتزامن القرارات العرفية والاجتماعية .. فكماان هنالك قانون سقيم هنالك عرفٌ قويم .. 

وعليه لا ينبغي للمنصف ان يحكّم السقيمَ على القويم ..

إنّ تاريخ العراق كبلد عربي إسلامي تلاقحت فيه الثقافات وبُنيتْ على أرضه الأمجاد وصلّى في محرابهالملائكة والأنبياء والأولياء ليس بحاجة لقوانين الغرب واتحاد الاحتلال أن يمنهجوا عليه حداثويتهمالمزعومة والمقيتة وأساليبهم المكشوفة من خلال الكيل بمكيالين ومن خلال تحوير الصورة عبر مرآة متصدّعة.. ولا تنطلي عليه عناوين الدخلاء البراقة والتي تلامس الشغف النفسي المريض والعقدة من الانعزال ..

ما دامت ولا زالت المرأة العراقية وجهاً مشرّفاً ونوراً مُشرِقاً على كلّ الصعد وفي كل المجالات .. من كونها مربيةًللجيل الواعي والمثقف والمجاهد والمدافع عن هويته وعقيدته الى كونها الرائدة فكرياً وأخلاقياً ومعرفياً .. وليست هي بحاجة لأن تتعرى وتعرض جسدها كسلعةٍ رخيصةٍ لتثبت للعالم أنها امرأة حضارية اومتحضّرة ..

ثم منذ متى والعراق يستمد قوته من دول الجوار وهو زاخر بالرجال !!

انّه الأب الرؤوم والأم الولود لكل الطاقات الخلاّقة في العالم .. لكنه وللأسف صار من يحكي باسمه هم منيجدون في انفسهم الحاجة الى المثلية والتزلف للجنس الرخيص وإلقاء التهم وتشويه الإعلام والهروب منواقع العقدة الى واقع العنوان المزيّف المغطّى بشوكولا انتجتها اوروبا وختمت عليها امريكا ووجهتهابريطانيا وكان داعمها الرئيس نتنياهو !! 

ابن النجف البار
محمد الموسوي

CD81C4F9-AD4C-49A5-B111-7AE6C432C4BF