التروما بوصفها هوية: هل يبالغ نُقّاد “الصحة النفسية” في إدانة الجيل الجديد؟

التروما بوصفها هوية: هل يبالغ نُقّاد “الصحة النفسية” في إدانة الجيل الجديد؟

عندما كانت الميادين والساحات تغلي في الدول العربية عام 2011، فيما يسمى “الربيع العربي”، كان أكبر فرد، ضمن الجيل Z، يبلغ من العمر 15 عاما. اليوم لم يعد أفراد هذا الجيل أطفالا، بل يشاركون في صياغة جانب كبير من عالمنا الثقافي والسياسي.  

يحدد الباحثون الديمغرافيون الجيل Z بأنه مجموع الأفراد، الذي ولدوا بين منتصف التسعينيات من القرن الماضي، وحتى عام 2010، إلا أن المقياس الحقيقي للتعريف بالجيل ليس العمر تحديدا، بل بالسمات التي تميّزه، والسمة الأساسية، التي تميّز جيل Z، هي التعامل الواسع مع الإنترنت منذ سن مبكّر.  

أبناء ذلك الجيل، الذي نما وعيه بحضور الإنترنت، بوصفه أداة يومية لا غنى عنها، يواجهون في الوقت الحالي تحديات مختلفة، تتعلق بالأزمات الاقتصادية، عدم الاستقرار الحياتي، البيئة والمناخ، الاضطرابات الاجتماعية وحرية التعبير. وكل هذه العوامل تخلّف عليهم ضغطا كبيرا، وتجعل التوتر والقلق والاكتئاب عوارض منتشرة بشكل واسع بينهم، مما يؤثر على الطريقة التي ينظرون بها إلى تجاربهم الحياتية، ويدفعهم للاهتمام البالغ بمفهوم “الصحة النفسية”، بدرجة لا تقل عن اهتمام الأجيال السابقة بالصحة الجسدية. و”الصحة النفسية”، التي ينشدها ذلك الجيل، لا تتعلّق فقط بعلاج الاضطرابات والمشاكل النفسية، وإنما استكشاف الذات والهوية أساسا “بشكل متوازن”، وبينما استُخدِم الإنترنت، وخصوصا وسائل التواصل الاجتماعي، في أوقات مبكرة، أداةً لتقريب المسافات بين الأفراد، وكذلك للحشد والتنظيم، يميل الجيل الحالي إلى البقاء على الإنترنت، لإعادة تشكيل ذاته وثقافته بشكل فردي.  

انتقد كثير من المفكرين تكوين الذاتية عبر الإنترنت، وهو أمر متوقّع على كل حال، إلا أن المختصين النفسيين وصلوا إلى مراحل أبعد في نقدهم، معتبرين أن “سيكولوجيا البوب”، المنتشرة عبر مواقع التواصل، بما فيها من “تشخيص ذاتي” و”وصم الآخر باضطرابات الشخصية”، تؤدي إلى نتائج نفسية واجتماعية بالغة السوء. فهل هذا النقد مبالغ به؟ ولماذا حقا تنتشر ثقافة “التشخيص الذاتي” لهذه الدرجة بين جيل Z؟ وما علاقة كل هذا بالإطار السياسي والاقتصادي والأيديولوجي لعالمنا؟  

التشخيص الذاتي: هل بات العالم مشهدا من “فيلم نوار”؟

يمكن تعريف “التشخيص الذاتي” بكل بساطة، بأنه اقتناعنا بأننا نعاني من حالة مرضية ما، سواء كانت نفسية أو جسدية، بدون تأكيد من أخصائي. وقد بات هذا التشخيص سائدا جدا مع ظهور منصات التواصل، التي تقوم على تبادل المعلومات عبر المقاطع السريعة، مثل “أنستغرام” و”تيك توك”.

يمكن القيام بـ”التشخيص الذاتي” من خلال الاطلاع على قصص وتجارب تشابه حالتنا؛ أو البحث عن أعراض مرض أو اضطراب نفسي معيّن بشكل قصدي، لفهم مشاعرنا وتصرفاتنا، أو مشاعر وتصرفات الآخرين؛ أو حتى من خلال إجراء التقييمات والاختبارات النفسية المجانية عبر الإنترنت. غالبا ما يمتد هذا النوع من التشخيص العَرَضي إلى من حولنا، من خلال إطلاق تسميات مرضيّة معيّنة على أقراننا أو أفراد عائلاتنا أو شركائنا أو زملاء العمل، بناءً على سلوكيات لاحظناها. كم مرة سمعنا شخصا يستنتج أن شريكه السابق “نرجسي”، بشكل لا لبس فيه؟ أليست كل تجربة صعبة، مررنا بها في الآونة الأخيرة، تبدو وكأنها “تروما”؟ ألا يمكن أن يكون كره أي شخص، نتعرّف عليه حديثا، للقطط هو “ريد فلاغ”، يدلّ على شيء ما أعمق في نفسيته؟ هل عدم القدرة على التركيز مجرّد طيش، أم أنها من أعراض متلازمة ADHD؟

الضرر المباشر لهذه التصنيفات، بحسب المختصين، هو خطورة المعلومات المضللة أو السطحية، التي يتعامل معها الناس وكأنها حقائق وعلوم حقيقية، ما يؤدي في النهاية إلى تكوين صورة عن الحياة والآخرين، مليئة بالتصنيفات الحادة، والحدود القاسية، وغير الدقيقة في الوقت نفسه. فضلا عن أن أنها تجعل الاضطراب النفسي، الحقيقي أو المتخيّل، وصمة تلاحق صاحبه، وتعرّضه لإدانة الأقران.

إلا أن أبعاد الظاهرة لا تقتصر على انتشار العلوم الزائفة، وإنما تمتلك أبعادها الأيديولوجية، إذ ترسم عالما أشبه بمشهد سينمائي بالأبيض والأسود، أو من أفلام “نوار”، فيه أشخاص مكتئبون وعاجزون عن مواجهة اكتئابهم؛ أو يعانون من “اضطراب ثنائي القطب”، يضحكون في لحظة ثم يبكون بعدها بثوانٍ؛ وآخرون يقاتلون أشباح “تروماتهم” وحيدين. بالتأكيد تنتشر هذه الاضطرابات في عصرنا بشكل واسع، إلا أن نمط تكوين واستقبال هذا المشهد، يكاد يجعل الاضطرابات النفسية أحد أشكال التميّز والفرادة، فكل شخص لديه “تروماه” الخاصة، التي تكسبه خصائصه، فنصبح أمام حالة من تعريف الذات السالب، أي تعريفها بأمراضها ونقصها واضطراباتها. لماذا يسود هذا الميل حقا بين أفردا الجيل الحالي؟

الغرق في جحر الأرانب: هل تسلبنا “الصحة النفسية” القدرة على التغيير؟

يتمتع الجيل الحالي بقدرة وصول لا سابق لها إلى ملايين الأوراق العلمية والكتب، وبينما ظن كثيرون، لدى بداية ظهور الإنترنت، أن المعرفة اللامركزية ستؤدي إلى جعل ثقافتنا المعاصرة أكثر ديمقراطية، فإن الواقع الحالي يؤكد أن “دمقرطة المعرفة” هذه سلاح ذي حدين، إذ تؤدي لانتشار التفسيرات الخاطئة، والتبسيط المفرط لما هو معقّد بالفعل، وإحالة تنوّع ووفرة التجارب الشخصية إلى قوالب وأنماط شديدة الابتذال.

ولكن هنالك بالتأكيد دوافع أعقد لذلك التنميط، فوفرة المشاركات والمجموعات على الإنترنت، تساعد في تكوين نوع من المجتمعات الافتراضية الجديدة، التي تمكّن الأفراد من التواصل، في شرط يتسم بعدم الاستقرار؛ وتخلق رموزا ومفردات، تُسهّل فهم العالم، الذي يزداد تعقيدا بشكل مفرط. باختصار تمكّن جيلا، ربما عانى أكثر من غيره، من البحث عن معنى. وهكذا قد يكون “التشخيص الذاتي” طريقة للتكيّف مع الواقع. مع ذلك، فإن طريقة التكيف هذه قد تساهم في تكريس المشاكل، وأحيانا التلذذ بها، بدلا من محاولة تجاوزها فعليا.

جزء من مشكلة الاتجاه الحالي في “التشخيص الذاتي”، هو أنه مدفوع بالمعلومات المتناقلة المبسّطة، ما يؤدي تلقائيا إلى “تأثير كرة الثلج”، في الطريقة التي نفهم بها الاضطرابات الفردية والاجتماعية، إذ غالبا ما نصاب بالمرض بمجرّد أن نسمع باسمه في “ريل” أو “بوست”،  وعندما نقتنع بأننا ضحايا المرض، نجدد مبررا لسلوكياتنا وردّات فعلنا، بدلا من محاولة تحسينها أو تجاوزها أو التسامي عنها.

تذكر الطبيبة النفسية جيسكيا أ. جاراميلو إحصائية حديثة، أشارت إلى أن 83٪ من المعلومات النفسية، المنتشرة على موقع “تيك توك”، خاطئة، ومعظمها يأتي من تجارب فردية، وليس من مصادر يمكن التحقّق منها. كما أنه تُتناقل بلا أسس، وبشكل شعبوي. وتشبّه هذا بـ”الغرق في جحر الأرانب”: “هناك خط رفيع للغاية بين فهم شيء ما، من خلال عدسة جذّابة؛ وبين التعامل مع الواقع الأكثر فظاظة، وغير السار. في بعض الأحيان، لا يؤدي التشخيص الذاتي إلى مسار لتحسين الذات، ولكنه بدلا من ذلك يخلق إطارا آمنا ومريحا لتبرير جميع السلوكيات، دون أي رغبة في التغيير أو المساءلة. وفي أحيان أخرى، يمكن أن نخطئ في تشخيص أنفسنا، بسبب الخطاب الاجتماعي المرتبط بالمسميات في الوقت الحالي. يمكن أن يتجلى هذا إما في تجنّب أو رفض التشخيص، بسبب الخزي/وصمة العار المرتبطة به؛ أو على الجانب الآخر، تقبّله المفرط، بجعل أنفسنا ملائمين له، لأنه تم إضفاء لمسة ساحرة عليه بطرق معيّنة، أو بات مقبولا اجتماعيا أكثر. باختصار، الإفراط في التماثل مع التشخيص يمكن أن يبتلع عن غير قصد إحساسنا الكامل بذواتنا، أو يتركنا عالقين، أو يقودنا في الاتجاه الخاطئ، دون حلول فعالة، أو لا يثير أي رغبة في التغيير“. تقول جارميلو.

قد يكون الموضوع إذن سعيا للتكيّف، ولكن باتجاه يزيد من تقييد ذواتنا، بدلا من تحريرها.

الفرجة النفسية: هل تجعلنا التروما أكثر مرئية؟

أحد الانتقادات الموجّهة لـ”ثقافة الصحة النفسية” الحالية، أنها تجعل التسمية أكثر أهمية من التجربة المعاشة؛ ويتم فيها تقليل أصالة الحالة إلى مجرّد عروض أدائية للانكشاف vulnerability، يقوم بها الأفراد أمام غيرهم، خاصة على مواقع التواصل، ليجعلوا أنفسهم أكثر مرئية، من خلال التماهي مع تسمية أو تصنيف معيّن، ما يجعل مفهوم الهوية نفسه حاضرا في كل لحظة، وعابرا جدا في الوقت نفسه.  

يذكّر هذا بنظرية مجتمع الاستعراض أو الفرجة Spectacle، للمفكّر الفرنسي غي ديبور، الذي يرى أن الاستعراض، في المجتمعات المعاصرة، بات ممارسة كليّة، خاضعة لتشكيلة اجتماعية-اقتصادية، تطوّع لغتنا وحضورنا الحياتي لخدمة منتجاتها، ويشير إلى ما يراه دائرة مفرغة: “الجودة” باتت تعني بالضرورة القدرة على الظهور، والقدرة على الظهور تعني بالضرورة الجودة. وهو ما يسميه التبدّي apperant ، إذ لا توجد حقائق أو تجارب فعلية في مجتمع الفرجة، بل فقط محاولة حثيثة، يبذلها الجميع كي “يتبدّوا”، ويكتسبوا بذلك القيمة والاعتراف.

بهذا المعنى، فقد تكون “ثقافة الصحة النفسية” المعاصرة طريقة للتبدّي، باعتبارها سعيّا واجبا لإبراز الذات، وتتداخل فيها لغة التحليل النفسي مع لغة التنمية البشرية، في خليط هجين. في كتابه” مجتمع الاستعراض”، يؤكد ديبور أن الفرد في هذا الشرط يشاهد أكثر ويعيش أقل، ولا يتعرّف على نفسه سوى بوصفه محتاجا، ومفتقرا في حياته لعناصر كثيرة، مما يراه طيلة الوقت لدى الآخرين، ولهذا السبب، لا يشعر بالألفة في أي مكان على الإطلاق، لأن الاستعراض موجود في كل مكان، وبالتالي يزداد شعوره بالنقص والغربة عن إمكانيات ووقائع عالمه، ما يعرقل قدرته على الفعل الاجتماعي، ويبقيه دوما متفرّجا، يحاول محاكاة الأشياء التي يراها.

كان ديبور ينتقد بشدة قدرة الرأسمالية على تسليع كل شيء، بما في ذلك العواطف والتجارب. ويرى أنها بذلك تكوّن نظاما ربحيّا، يقوم على العزلة، ويعيد إنتاجها بشكل دائري: سلعٌ تقدم للفرجة, تبني أسوارا أكثر حول “الجماهير المستوحدة”، التي تسعى بدورها لتقديم مزيد من السلع للفرجة. “يتحدّث المرء، إلى حد معين، لغة ما هو استعراضي نفسها، بمعنى أنه يتحرّك داخل المجال المنهجي لهذا المجتمع، الذي يعبّر عن نفسه في الاستعراض. إلا أن الاستعراض ليس سوى الممارسة الكلية لتشكيلة اجتماعية – اقتصادية، إنه اللحظة التاريخية التي تضمّنا“، يقول ديبور.

ولكن، ما البديل عن “ثقافة الصحة النفسية”؟

في الواقع لا تقوم كل الانتقادات حول “ثقافة الصحة النفسية” المعاصرة، سواء كانت من مختصين نفسيين أو فلاسفة وعلماء اجتماع، على إنكار انتشار الاضطرابات النفسية، أو رفض زيادة الوعي بها، أو صرف الناس عن طلب المساعدة عند الضرورة، وإنما على العكس تماما، تريد تلك الانتقادات العودة إلى الوظائف الأساسية لعلم النفس، وهي مساعدة الأفراد على التعاطي مع عالمهم، والتواصل مع الآخرين بشكل فعّال، بدلا من أن يبقوا يطوفون حول أنفسهم في دوائر مفرغة. كما أن لها جانبا تعليميا مهما، فلا بد من إدراك أن التفسيرات والتسميات نفسها تتغيّر مع تطوّر البحث العلمي، وأن التعلّق بتفسير واحد، نظرا لجاذبيته في السياق العام، أو زيادة قبوله اجتماعيا، قد يكون أمرا مدمّرا.

قد يعني هذا أن السعي إلى الصحة النفسية، وهو من أكثر ضرورات عالمنا المعاصر، يتطلّب بالفعل الانتقاد الجذري لـ”ثقافة الصحة النفسية” الحالية، ومواجهة جانبها الاستعراضي والاستهلاكي، والانتقال إلى نمط من الفعل الاجتماعي والتواصلي، مغاير لما يفترضه “مجتمع الفرجة”. ولكن ألا يبدو هذا الكلام مثاليا للغاية؟ ما نمط الفعل الذي يطالبنا به كل هؤلاء المختصون والمفكرون؟

ذكرنا أن أفراد جيل Z كانوا أطفالا إبان “الربيع العربي”، وقد رأوا، في سن مبكّر، مصائر محاولات الفعل والتغيير، تماما كما رأوا، في السن نفسها، ما يوفره الإنترنت من معلومات وإمكانيات تواصل. وربما لا يحق لنا لومهم، إذ اختاروا اليوم “الغرق في جحر الأرانب”، والسلوك بمقتضى “مجتمع الفرجة”. إنها بالنهاية “تجربتهم الأصيلة”، التي ستتغيّر وتتطور بالتأكيد، وربما تكون لها نتائج لا نتوقعها اليوم. ولذلك فإن النقد صحيح وضروري، إذا لم يتحوّل إلى إدانة أو وصمة لجيل كامل، ربما يتجاوز قريبا “الصحة النفسية”، وكذلك يتجاوز نقدها.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
4.3 6 أصوات
تقييم المقالة
1 تعليق
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات
Safa hashim
11 أيام

رائع و مبدع و مثقف كالعاده يا صديقي