الحظ العراقي: هل يجب أن نشجّع الفريق الذي نتمنّى خسارته؟

الحظ العراقي: هل يجب أن نشجّع الفريق الذي نتمنّى خسارته؟

منذ خسارة منتخب العراق أمام الأردن، في كأس آسيا 2024، كتب كثير من العراقيين عن حظهم العاثر على مواقع التواصل الاجتماعي، وأبدعوا في وصف نحسهم والسخرية منه، إلى درجة التسبب بخسارة أي منتخب آخر، شجّعه العراقيون على مدى الأسابيع الماضية. ليتحوّل الأمر بعد ذلك من التعبير عن الحزن، الذي أصابهم لخروج المنتخب، إلى طريقة ساخرة لجلب سوء الحظ للآخرين، من خلال الدعوة إلى تشجيع المنتخب الذي يريد العراقيون خسارته، باعتبارهم، كما أثبتت التجربة، ينقلون حظّهم العاثر إلى كل شيء، وهذا ما أطلقوا عليه اسم “الخطة B”.

ربما ليس العراقيون الشعب الوحيد، الذي أقرّ بسوء حظه، فالجماهير المصرية تبنّت الفكرة ذاتها أيضا، لكن الأمور في العراق تأخذ صورة أشد تكثيفا، وأكثر “عراقة” في الحزن والندب. يطرح هذا سؤالا عن تعاملنا الثقافي مع مشاكلنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وحالة الفشل العام في كافة المجالات، من بناء الدولة إلى الرياضة: هل ثقافة الحزن مجرّد طريقة للتأقلم مع ظرف قاهر؟ أم تحمل عناصر مقاومة ما؟

دوائر الحظ: لماذا كانت الخسارة تعبيرا عن التعاسة العراقية؟

يمكن اعتبار “الحظ” خيطا، امتد على طول تاريخ الفكر الجمعي العراقي، جمع بين العادات والتقاليد والفلكلور والفن، ورسم شكلا أساسيا من النمط الاعتقادي والإيماني للمجتمع العراقي، ما أنتج ثقافة مليئة بصور الاعتقاد بالحظ، ولغة عامية مزهوة به. وهذا أحد معاني “العكال”، أي غطاء الرأس، الذي يرتديه رجال جنوب العراق، والمكوّن من دائرتين أو طبقتين، إحداهما الحظ، والثانية البخت، الأولى هي تأثير الأشياء عليك، والثانية هي تأثير طالعك على الأشياء. يُقسم كثيرون بهاتين الدائرتين، لقدرتهما على الإطاحة بالكبير والصغير، فإذا كان قسمك كاذبا، يعاقبك حظك بالمصائب، ويفقد بختك بريقه. ولذلك درجت عبارة “بحظك وبختك”، حتى لا يقسم أحد زورا.

في حال كان الواقع سيئا، يُشتم الحظ على نحو خاص في المجتمع العراقي (خرا بحظك، حظ الفكر، شكد ما عنده حظا، أمده حظه، طيح الله حظك). وفي حال كان الحظ مرافقا للمرء، تاركا آثارا إيجابية على حياته، يُقال له “شكد محظوظ”، “كاعد حظه”.

يمكننا، من خلال ملاحظة أساليب استخدام هذه المفردة، في الحياة اليومية للشعب العراقي، تعريف “الحظ” على أنه تلك القوة الخارقة، التي تعمل بصورة مستقلة عن إرادة الأفراد، دون وجود ضوابط، وتكون ملازمة لفرد أو مجتمع، ومن شأنها تغيير معادلة الواقع، والتأثير فيه سلبا أو إيجابا. ويكون الحظ سيئا عندما يبذل الفرد كل طاقته، لكنه لا يحصل على نتيجة؛ ويكون جيدا في حال حصوله على كل شيء “على طبق من فضة”.

بهذا المعنى، فإن ردة فعل كثير من العراقيين، على خسارة المنتخب أمام الأردن، مفهومة بشكل كبير، فقد كانت المؤشرات كلها تؤكد فوز المنتخب العراقي، وخصوصا بعد إحرازه هدفين، ليأتي طرد اللاعب أيمن حسين، أشبه بطلقة قاتلة لأمنية، لازمت عراقيين كثراً منذ بداية البطولة، وهي الفوز بكأس آسيا، لتموت أحلامهم على أرض الملعب، بقرار من الحكم الإيراني علي رضا، تاركة خلفها خيالات مبعثرة، ودعوات لم تستجب.

طرد اللاعب أيمن حسين

شتم العراقيون الحكم، ثم سياسات إيران، ثم استعانوا بأحاديث مثل “ما حنّ أعجمي على عربي قط”، ثم لاموا طريقة لعب المنتخب، وأخيرا التفتوا إلى الحظ، ذلك الكائن الخارق، الذي لم يستطع على مدى كل العقود الماضية تحصيل سعادة واحدة، يتفق عليها الجميع.

ملاحم السعادة: لماذا كل هذا التعويل على “الطوبة”؟

لطالما عشق العراقيون كرة القدم، أو “الطوبة”، لأنها اللعبة التي استطاعت، في كل الظروف السيئة، انتشال أبنائها من التعاسة. يتذّكر كثيرون إلى الآن مباراة العراق مع السعودية، في نهائي كأس آسيا 2007، عندما كانت الحرب الطائفية في أوجها، والدماء تملأ شوارع المحافظات العراقية، وأغلب لاعبي المنتخب يفقدون عوائلهم في الحرب. وحدها كرة القدم مَنْ استطاع توحيد الجماهير أمام الشاشات، ووقف نزيف الطائفية. ولدى الفوز، لم يستطع أحد من العراقيين كبح دموعه.

يتذكّر الناس أيضا مباراة العراق مع المنتخب الإيراني، في تصفيات كأس العالم، التي جرت عام 2019، خلال تظاهرات “انتفاضة تشرين”، عندما كانت المجازر ترتكب ضد الشباب العزّل، ويخرج قياديون إيرانيون على شاشات عراقية، يتهمون المتظاهرين بالعمالة. استطاع المنتخب العراقي تحقيق الفوز على المنتخب الإيراني، في مباراة أبعادها السياسية والعاطفية أعمق وأعظم من كونها مباراة عادية، إنها مباراة بين قاتل ومقتول، كما رآها كثيرون. أكد هذا الأمر لاعبو المنتخب العراقي أنفسهم، عندما كانوا يقرأون الفاتحة على أرواح الشهداء، مع كل هدف يسجلونه، نُصبت خيمٌ بأسماء اللاعبين في ساحات التظاهر، ورُفعت صورهم، ولم تكن هناك فرحة تضاهي فرحة المتظاهرين يومها.

هكذا كانت اللعبة ردا على شعور العجز، الذي يصيب أغلبية العراقيين، في كل مرة يكون الواقع أقسى من قدرتهم على التحمّل، إنه “البخت” القادر على صناعة الفرح، خاصة عندما يكون فرحا خاليا من الاستغلال المذهبي والسياسي. ربما يفسّر هذا أيضا شعور الحسرة، الذي رافق الجماهير العراقية بعد فوز العراق عام 2022 بكأس الخليج، لأن الكأس تلطخ بأيادي سياسيين ورجال دين، وهذا يُبطل “البخت”، وينحس الحظ.

 كرة القدم كانت المناسبة الوحيدة منذ عقود، التي عرف فيها العراقيون السعادة، إلا أن حظهم إياه كان له رأي آخر.

سياسات الحزن: هل سيصبح اليأس مساحتنا المشتركة الوحيدة؟

حاليا لا توجد حرب طائفية في العراق، والقتال لا يدور في الشوارع، لا تظاهرات ولا قتلى. ما الذي جعل الآمال معلّقة على كأس آسيا، بكل هذه القوة وهذا الحزن؟

بعيدا عن العشق الكامن في قلوب كثير من العراقيين تجاه كرة القدم، ورغبتهم في تحقيق الفوز، إلا أن الواقع السياسي والاقتصادي في السنتين الأخيرتين، حصرهم في زاوية العجز مجددا. وقد بدأ كثير من الشباب، بعد عام 2019، وانتهاء تظاهرات “انتفاضة تشرين”، يفقدون الأمل بمستقبل أفضل، وعاد الحزن يخيّم على الجميع.

لو كان الأمر حربا أو ثورة، لكان الوضع مفهوما أكثر، لكنها أحلام مبتلعة، و واقع مفروض عليهم، وعجز يتسرّب اليهم، فلم يعودوا قادرين على إيجاد كلمات يعبّرون بها عن أنفسهم. اغتُصب الحيز العام، وكل ما هو مشترك، وأي رمز ثقافي، من قبل الميليشيات والدولة، خاصة بعدما تم إدماج عدد من رموز “تشرين” فيما يسمى “العملية السياسية”. لذا أصبحت المصلحة الفردية هي الأهم، واختفت الهموم المشتركة، والأفراح المشتركة أيضا، لم يعد ما هنالك “جامع” للعراقيين، إلا الحزن المترسخ في الثقافة، وربما في الجينات.

كانت الآمال المعلقة على بطولة كأس آسيا نوعا جديدا من المراهنة على الحظ، الذي لم يرافق العراقيين لا في ثورتهم ولا حياتهم، أي على شيء خارج حدود المنطق والواقع، الذي سُدّت كل إمكاناته. شيء خارج قوة الميليشيات، لا يمكن “دمجه” أو ابتلاعه،  لأنها مجرد “لعبة”، بإمكانها خلق حيز جديد، يتفق فيه الأفراد بعد فقدانهم لكل المساحات الأخرى. ومع الخسارة كان لا بدّ من ردة فعل غير منطقية، وغير قابلة للنقاش، لقد تصرّف الحظ مجددا على عادته، وجعلنا نغرق في الحزن مؤقتا.

إلا أن الحزن نفسه اقترب من فقدان معناه، وربما كان التحوّل إلى السخرية مؤشرا مهما على تغير ما في العقلية العامة للناس، بتأثير من اطلاع الأجيال الجديدة الواسع على ثقافات أخرى، أكثر “خفة”. لا نعرف إلى أين سيؤدي بالضبط ذلك المزيج من الحزن وندب الحظ والسخرية، ولكنه أمر مشترك جديد، قد يجعل الناس تبني مساحات أخرى، خارج لغة الميليشيات والطوائف والمعارك الكونية، ضد هذه الدولة أو تلك.

نجحت كرة القدم بتوحيد العراقيين على ابتسامة، حتى لو كانت تهكما من حظهم العاثر، وقد يكون الشخص الساخر اليائس خطرا على النظام، أو على العكس تماما. في كل الأحوال، دعونا الآن نشجّع الفرق التي نتمنّى خسارتها.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
3.4 11 أصوات
تقييم المقالة
2 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات
نسرين محمد
4 شهور

عاشت ايدج كالعادة مبدعه بطرح الافكار

يحيى القزاز
2 شهور

عاشت ايدج ، طرح حلو