كرة الشعب: هل “أزمة الهوية” سبب هزائم المنتخب المصري؟

كرة الشعب: هل “أزمة الهوية” سبب هزائم المنتخب المصري؟

ودّع المنتخب المصري، في الثامن والعشرين من شهر كانون الثاني/يناير 2024، بطولة كأس الأمم الإفريقية، بعد هزيمته أمام منتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية بضربات الترجيح. وأكد محللون رياضيون أن هذا أسوأ أداء ونتيجة للمنتخب المصري، منذ بطولة إفريقيا عام 2004 في تونس. وبغض النظر عن القضايا الكروية البحتة، فمن الملاحظ أن هنالك حالة، يمكن وصفها بـ”الزعيق”، رافقت المنتخب، منذ ما قبل مشاركته في النهائيات، وحتى خروجه، وربما كانت امتدادا لردّات الفعل المتضاربة، التي واجهها المنتخب، لدى مشاركته في مونديال روسيا عام 2018.

كثيرون يرون أن المنتخب يمرّ بمرحلة “ضياع هوية”،  وربما تنسحب هذه الحالة على جمهوره أيضا. المنتخب نفسه يواجه انتقادات حول المنظومة الكروية التي أنتجته، والتي أثبتت فسادها منذ التسعينيات من القرن الماضي، نظرا لاعتمادها على اختيار مسؤولين وإداريين على علاقة برجال الأعمال والدولة، بما يرافق ذلك من فضائح؛ وكذلك حول سلوك لاعبيه، الذي لم يعد يتناسب مع القيم، التي من المفترض أنها تمثّل مصر، مثل الالتزام الأخلاقي والوطني.

من ناحية الجمهور فالموضوع أكثر صعوبة وتعقيدا: من هو جمهور الكرة المصرية اليوم؟ هل هو “الشعب المصري”؟ لا تحلّ هذه العبارة شيئا، بل تزيد الأمور تعقيدا.

ربما علينا، كي نفهم قليلا طبيعة “الزعيق” الحالي حول المنتخب، أن نعود ثلاثة عشر عاما للوراء، وبالتحديد إلى ثورة يناير 2011، عندما انهار النظام، الذي كان من المفترض أنه تحالف الدولة مع رجال الأعمال الجدد؛ وبرزت “مصر” جديدة من ميادين الاحتجاج. بعدها بعام واحد، وتحديدا في شباط/فبراير 2012 وقعت “مجزرة بورسعيد”، بحق جماهير كرة القدم، خصوصا ألتراس النادي الأهلي؛ ثم “مجزرة الدفاع الجوي” عام 2015، التي راح ضحيتها عدد من ألتراس نادي الزمالك. وبعدها لم تعد كرة القدم المصرية كما كانت من قبل. لقد قُتل المشجعون في المدرّجات، ودخلنا في أزمة الهوية.  

قال الشاعر والأديب السويسري غوتفريد كيللر قبل قرنين: “كل شيء سياسة”، وهذا شديد الدلالة، خاصة في مجال كرة القدم. ظهرت موجة منذ التسعينات، تنسب الفشل الكروي المصري إلى فشل عام في البلد، وكأن خسارته هي تجسيد لخسارة المصريين المطلقة في كل المجالات، وانتشرت عبارة: “ابنك ساقط في كل المواد، وجايه تحاسبه على الألعاب!”. قد يعني هذا أن أزمة هوية المنتخب المصري وجمهوره هي بالتحديد الصراع على تحديد السمة السياسية والأيديولوجية العامة لمصر المعاصرة. كيف يتبدّى هذا الصراع في كرة القدم؟ وهل أثر على أداء المنتخب، ومفهوم جمهوره عن الربح والخسارة؟   

المنفي والناجح: كيف تطوّرت الكرة بعد مبارك؟

مع بداية الألفية صار المنتخب المصري تعبيرا كاملا عن هوية النظام الحاكم، وأضحى محل اهتمام من أبناء الرئيس مبارك، أي صار جزءا عضويا من النظام ومشاريعه. ومحطّ أنظار المشجعين والمسيّسين، فنجاحه نجاح منظورات الفئة الحاكمة، وفشله فشلٌ لها. رغم هذا كان ما يزال قادرا على تحقيق نوع من الإجماع. يبقى منتخب “أولادنا”، حتى لو كرهنا من ينظّمهم.

مرّت السنوات بنتائج متفاوتة: ثلاثة ألقاب إفريقية متتالية، عام 2006 و2008 و2010؛ مع عجز عن الوصول إلى كأس العالم. ادعى كثيرون آنذاك أن الرياضة تسير في الاتجاه الصحيح، خاصة مع ضخ الاستثمارات فيها، إذ باتت الرياضة المصرية ميدانا لتحصيل الأموال، وبرزت أندية الشرطة والجيش والشركات، بالاقتران مع هبوط مطرد لأندية جماهيرية لها تاريخها.

تلك الفترة بالضبط هي التي أسست لثنائية أبو تريكة/محمد صلاح، فقبل شهرة الأخير، كان أبو تريكة، المُتهم بانتمائه لجماعة الإخوان المسلمين، نموذجا للاعب يحقق إنجازات، و”يحفظ سمعة مصر” رغم فساد المنظومة. اندلعت الثورة، ومرّت بكل تعقيداتها، وغادر أبو تريكة الدوري المصري بعد مجزرة بورسعيد، ثم أُلغي الدور المصري الممتاز نفسه لفترة من الزمن، فانتهت أسطورته. فيما بعد ادعى الإعلام الرسمي أن الهجوم على المنتخب المصري هو حقد إخواني، بسبب إبعاد أبو تريكة، رمز الإخوان، عن تمثيل الهوية المصرية.

هنا باتت الساحة ممهدة لظهور أسطورة أخرى، وهي محمد صلاح، المصري الشاب المتديّن، ولكن المندمج في الغرب وغير الإخواني، الذي يحقق الإنجازات في إنجلترا. اعتُبر البديل عن نموذج أبو تريكة، والأمل الجديد للهوية المصرية كلها، وليس كرة القدم فحسب. اليوم بات صلاح موضوعا لـ”الميمز”، فهو لا يتصرّف او ينطق على هوى كثيرين. ومن جديد قال جانب من الإعلام الرسمي إن الهجوم على صلاح حقد إخواني.

صلاح ليس ابن منظومة تحالف رجال الأعمال مع رجال الدولة، ولم يعاصر التغيّرات الكثيرة، التي شهدتها الرياضة المصرية بعد 2013، ولكن بإمكانه التأقلم معها. ويبدو الناجح الوحيد بين “ساقطين في كل المواد”، وهذا بالتأكيد مثير لكثير من الانفعالات المتضاربة.

انقلاب “المينتالتي”: هل “فساد مصر” يؤدي للهزيمة؟

آخر تمثيل لأبو تريكة مع المنتخب المصري كان في المبارتين مع منتخب غانا، في تصفيات مونديال 2014، إلى جانب محمد صلاح. إحدى هاتين المبارتين انتهت بنتيجة 6-1 لمصلحة غانا. وبرزت فيها جدلية الهوية المحلية، بكل تناقضاتها، التي يمثلها أبو تريكة؛ والهوية الأوروبية المستجدة، التي يجسدها صلاح. وبعد ذلك التاريخ بات التركيز على اللاعبين المحترفين في أوروبا هو الأساس. فَهَم البعض من ذلك أننا سنعتمد على “تحويلات العاملين في الخارج”، حتى في مجال الكرة.

إدارة الكرة في مصر، وجانب من الإعلام، بدأ يردد خطاب لوم الجماهير، وتذكيرها بأنها بحاجة للعمل على نفسها و”عقليتها”، تماما كما يفعل صلاح وأشباهه من اللاعبين. تلك هوية مصر الجديد: “مينتالتي” مرنة وفردانية، وإلا الهزيمة، أو الاتهام بـ”الأبو تريكية”، الأمر الذي لم يعجب، بالتأكيد، كثيرا من المصريين.

رغم ذلك لم تحقق “مينتالتي” صلاح كثيرا من الإنجازات الوطنية، وكان هذا فرصة لكل معارضة ممكنة. لدى الخروج “المذل” من كأس العالم في روسيا عام 2018، انتقد كثيرون الاعتماد على لاعبين “فاسدين أخلاقيا”، مثل عمرو وردة، المُتهم بالتحرش، وميل أعضاء في المنظومة الرياضة والمنتخب للدفاع عنه، ومنهم محمد صلاح؛ هذا طبعا إلى جانب فساد الاتحاد الرياضي ووزير الرياضة، وحضور نجوم الفن في غرف اللاعبين، بناءً على علاقتهم بمسؤولي الاتحاد. وكأننا نعيش مشهدا من فيلم “التجربة الدنماركية”، الذي جسّد فيه عادل إمام شخصية وزير الشباب والرياضة، وجلّ ما كان يعانيه إنه ليس قادرا على السيطرة على أولاده، الغارقين في الشعور بالأحقيّة.

هكذا، فإن فساد مصر ما بعد أبو تريكة هو سبب الهزيمة، والملفت أن اليساريين والإسلاميين المصريين يتفقون على هذا في كثير من الأحيان. فيما يتعلق بصلاح، يرفضه الأولون لأنه “فرداني”، ويقرأ كتب التنمية البشرية، ويدافع عن المتحرشين؛ فيما يهاجمه الأخيرون لأنه يشارك في طقوس عيد الميلاد الإنجليزية، ويرى أن “كل الأرواح مقدسة”، فيما يخص الصراع العربي-الإسرائيلي.

لكن هل كل مشاكل المنتخب المصري تتلخص في الهوية والتقوى؟

الكرة الاجتماعية: هل يمكننا إحياء “أندية الشعب”؟

يطلّ بعض رموز اليسار المصري، ليقولوا إن سبب الأزمة، التي يمر بها المنتخب، هو ظهور الأندية الجديدة في الدوري الممتاز، المدعومة من مستثمرين. إلا أن تلك الأندية لم تحقق إنجازات تذكر، والملفت أن ناديا عريقا، مثل النادي الأهلي، ما يزال المتصدر، وحقق ثماني بطولات دوري في العشر سنوات الأخيرة. ربما انحدرت “أندية الأقاليم”، ولكن سبب ذلك ليس “الأندية الجديدة” غالبا.

ليس في الموضوع مؤامرة، لتصدير أندية مستثمرين على حساب أندية الشعب، بل تحوّل عام في المنظور الرياضي، يسعى لتحقيق أكبر عائد مادي من الأندية، وهذا توجّه عالمي، ليس بحد ذاته سببا لانتصار أو هزيمة. بالتأكيد يؤثر انخفاض انفاق الدولة الاجتماعي في مجال الرياضة على تأهيل اللاعبين الجدد، ويحرم ملايينا من المصريين من فرصة إيجاد نادٍ يحتوي شغفهم وموهبتهم، ولكن كثيرا من الدول، ومنها دول إفريقية وجنوب أميركية، تشهد ظروفا أسوأ، وتحقق منتخباتها إنجازات أفضل من مصر.

ربما ما تغيّر فعلا في مصر هو العجز عن إنتاج هوية وطنية جامعة جديدة، وهذا يجعل المحترفين في أوروبا أنفسهم يعجزون عن تقديم إنجاز مقنع، بألوان منتخبهم الوطنية، واللعب بروح الفريق. الأمر الذي قد يضع كرة القدم المصرية أمام مفترق طرق: إما السعي لإنتاج منتخب “وطني”، يما يتناسب مع المنظور التقليدي للوطنية في مصر، وهو أمر يبدو صعبا بعد كل ما حدث في العقود الأخيرة؛ أو الاقتناع بصيغة “منتخب المحترفين”، أصحاب “المينتالتي” الفردانية، الذي لا يسعى للتماهي مع خيالات مَنْ يُفترض أنهم “الشعب”.

وإلى أن يحلّ المصريون المعاصرون إشكالية “الوطنية” و”الشعب”، فربما يجب عدم تحميل المنتخب عبئا فوق طاقته، فهو بالنهاية لن يستطيع إرضاء كل ذلك الجمع الضخم من “الساجدين” و”الوطنيين” و”الكمتيين” و”الفردانيين”. 

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
3.5 11 أصوات
تقييم المقالة
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات