تاريخ السهرات التليفزيونية: هل صمدت دراما الدولة في اختبار الزمن؟

تاريخ السهرات التليفزيونية: هل صمدت دراما الدولة في اختبار الزمن؟

قبل ظهور القنوات المفتوحة، كان التلفاز المحلي النافذة الوحيدة لتسلية العائلة، ولأن السينما لم تنتقل مباشرة لشاشات التلفاز، أنتج الأخير أفلامه الخاصة. ظهر التلفاز في العالم العربي أواخر الخمسينات، وفي مصر عام 1960، وهو العام الذي سيسبق مباشرة إنتاج أول سهرة تليفزيونية مصرية عام 1961، ومن مصر انتقلت الفكرة لبقية الدول العربية.

كان ظهور السهرات خجولا في البدء، ثم ازدهر وتطور حتى وصل لقمة نجاحه في العالم العربي كله خلال الثمانينات والتسعينات. ومع وصولها لذروتها، سرعان ما هبطت السهرات إلى القاع، حتى تكاد تختفي اليوم، اللهم إلا عدة محاولات عربية، ما تسعى لإعطائها قبلة الحياة، دون أن تفلح سوى بتحقيق استمرار باهت.

اليوم يوجد كثير من متتبعي مواقع التواصل، الذين يعيدون اكتشاف السهرات التلفزيونية القديمة، أو مقاطع منها، ويتداولونها وكأنها “ميمز”، للسخرية والتندّر؛ إلا أنهم في أحيان أخرى يتعاملون معها وكأنها كنز، اكتشفوه بفضل قدرتهم على التنقيب في الأرشيف الفني والثقافي. ما يجعل من الصعب التوصّل إلى معايير لتقييم تلك الأعمال الفنية، باستثناء الذائقة الشخصية، والنوستالجيا، وطريقة فهمنا للتاريخ الاجتماعي والثقافي.

كيف ظهرت واختفت تلك السهرات؟ وكيف تطورت؟ وإلى أي مدى حققت نجاحا جماهيريا وفنيا؟ وهل كان يمكن أصلا قياس نجاحها؟ وهل يمكن أن تعود؟ وأخيرا، كيف تُبعث من جديد، للجمهور المتعطش للدراما والتاريخ؟

بداية صناعة: قصة صعود الوسائط البيتية

قبل ظهور التلفاز، كان المذياع هو النافذة الوحيدة للتسلية، ومن هنا ظهرت برامج الإذاعة المتنوّعة، ومنها التمثيليات الإذاعية، وبالفعل أنتجت الإذاعات في العالم العربي مئات التمثيليات، التي كان يقدمها كبار النجوم آنذاك، الذين لم يكن من الممكن متابعتهم إلا عبر شاشات السينما الكبيرة. ومع ظهور التلفاز كان الجمهور لأول مرة على موعد للقاء فنانيه وجها لوجه، داخل منازله.

كانت الخطوة الأولى للتلفاز هي تحويل التمثيلات الإذاعية إلى تلفزيونية، وليس هذا فحسب، بل ساهم في إيصال الأفكار الإذاعية إلى السينما، كما في أفلام “حسن ونعيمة”، “الحب فوق هضبة الهرم”، “أم العروسة”، “خرج ولم يعد”، “البوسطجي”، وغيرها.

قُدّمت كذلك مئات السهرات، التي أُنتجت خصيصا للتلفاز، وسبقت حتى إنتاج المسلسلات، التي بدأ بثّها على التلفاز عام 1962، أي بعد سنة كاملة من إنتاج أول سهرة تلفزيونية.

وبحسب التواريخ المدرجة للسهرات التليفزيونية على موقع “السينما”، وهو موقع أرشيفي، معني بالتأريخ السينمائي والدرامي، فإن أقدم سهرة تليفزيونية هي “بنسيون عديلة”، أو “لوكاندة عديلة بالس”، بحسب اسمها على موقع قناة “ماسبيرو زمان”، من بطولة عبد المنعم إبراهيم، واستيفان روستي، ووداد حمدي، وسعد أبو بكر. في تلك السهرة، أو التمثيلية كما كانت تسمى آنذاك، لا نشاهد إلا مكانا واحدا، تجري فيه كل الأحداث، بتقنية قريبة للغاية من تقنية “وان شوت” (اللقطة الواحدة). مدة السهرة نصف ساعة تقريبا، وفيها فقط أربع شخصيات. إنها بداية متواضعة للغاية، لفن سيبدأ مع تاريخ التلفاز، ولن ينتهي أو يضمحل إلا بنهاية العقد الأول من الألفية الجديدة.

وعبر ستين عاما تقريبا، وبحسب أرشيف موقع “السينما”، أنتج العالم العربي ما يزيد عن 1200 سهرة تليفزيونية، وغالبا يوجد عدد لا يستهان به من السهرات، غير مدرجة بالموقع، الأمر الذي يحتاج إلى الدراسة والتحليل، لفهم التطوّر الذي لحق بهذا الفن، خلال سنوات بريق التلفاز.

صورة الشعب: كيف انتقلت السهرات من “الفلاحين” إلى “الشباب”

في بدايتها، اهتمت السهرات بالتعبير عن الريف بشكل خاص، وكأنها تريد أن تقدّم للمجتمع القاهري حياة بشر آخرين، فوجد المجتمع المخملي، الذي كان قادرا على شراء التلفاز في الستينيات، نفسه في مواجهة صور جديدة، وظهرت أعمال درامية عديدة، تدور أحداثها في كثير من الأحيان في الأقاليم البعيدة، وتصف الفقر المدقع للفلاحين، وإن استخدمت  حجابا رومانسيا لتغطية الواقع، بدلا من التورّط فيه حتى النهاية. كانت وظيفة السهرات منذ البداية “توعوية”.

في السبعينات، بدأت معالم السهرات تتحدّد شيئا فشيئا، وإن كانت الحرب في مصر لم تعط مجالا كافيا لترسخ ذلك الفن، وكان مفهوم عديد من السهرات آنذاك هو المقاومة، والبذل لأجل الوطن. إضافة لهذا كانت الجرائم من أكثر الموضوعات إثارة في ذلك العقد، وستظل موضوعا أساسيا في السهرات، وإن كانت ستتراجع نسبيا أمام موضوعات أخرى، بدت أكثر أهمية آنذاك.

كانت السبعينات أيضا فترة بداية التجريب في السهرات، فذلك الفن، الذي لم يكن بحاجة إلى أن يكون جماهيريا، استطاع الهروب من وطأة حسابات السوق، وقدّم منتجا مغايرا لما تقدّمه السينما، ويظهر ذلك مثلا في سهرة بعنوان “الغرباء لا يشربون القهوة”، والتي تقدّم، على الأغلب، عرضا لمحنة فلسطين بشكل غير مألوف، بحسب دراسة بعنوان “الدراما المصرية” للباحث وكين ويتنجهام. تدور السهرة عن قصة رجل عجوز لطيف، يشرب القهوة، ويأتي إليه ملثمان لقياس منزله، ثم يقرران تقليل مساحته، يتساءل عن السبب، ولكن لا يجيبه أحد، ثم يكثر عدد الملثمين، ما يدفع الرجل إلى محاولة إثبات ملكيته لبيته، فيقطّعون أوراق ملكيته،  ليقرر في النهاية الاتصال بابنه، من أجل مساعدته في التصدي للمعتدين. وبغض النظر عن المضمون، الذي يبدو أقرب لأجواء أدب كافكا، فقد كانت السهرة، بكل ما فيها، شكلا تجريبيا جديدا، لم تعهده السينما المصرية، التي ما كانت لتغامر بتقديم قصة بمثل هذا الشكل.

 يُذكر أيضا أن السهرات، خلال السبعينات، لم تستقطب نجوم التمثيل، وإن احتوت على ممثلين بارعين، لم يكن المخرجون والمنتجون مستعدين لإعطائهم دور البطولة في السينما، مثل محمود المليجي، بطل سهرة “الغرباء لا يشربون القهوة”، وغيره من أمهر فناني عصره.

في الثمانيات كانت السهرات قد حققت شهرتها، وترسّخت بوصفها ظاهرة فنية أساسية، الأمر الذي شجّع نجوم الصف الأول على الموافقة على لعب أدوار البطولة فيها. إلا أن هذا لم يعن أننا سنشاهد أفلام أكشن أو رومانسية، من التي يهواها النجوم، على العكس تماما، بدأت في ذلك العقد ظاهرة مثيرة للتأمّل، يمكن تسميتها “دراما الموظفين”، تُظهر موظفين حكوميين، يواجهون الفساد، أو على أعتاب المعاش؛ أما الموضوع الثاني، المفضّل لتلك الحقبة، فقد كان الزواج. أي أن السهرات قدّمت كل ما يهم “الطبقة الوسطى” بالمعايير العربية

لم يكن هدف السهرات الربح أو الإبهار إذن، بل مخاطبة جمهورها المفترض، الذي سيشاهدها بدون أن يدفع ثمن تذكرة السينما، أو يكلّف نفسه عناء الطريق إليها. وهكذا كان الموضوع متطابقا مع طبيعة الوسيط: تلفاز يوجد في منازل “الطبقة الوسطى”، مفتوح دائما على عدد محدود من القنوت، التي لا خيار سواها؛ من جهة أخرى فإن تلك “الطبقة” كانت طبقة الدولة، بشكل أو بآخر، وبالتالي فإن قيمها ومشاكلها تعدّ النموذج المقبول عن “الشعب”، الذي يجب تعميمه وتقديمه لكل الفئات الاجتماعية.

إلا أن بعض السهرات خرجت عن هذا الإطار، مثل سهرة “الرهان” ليحيى الفخراني، المأخوذة عن قصة لأنطون تشيخوف؛ و”رد اعتبار” من إخراج أحمد مجدي، التي تتحدث عن خلاف بين أستاذ وتلامذته، حول اعتبار الجاني بسابقة واحدة مجرما أم لا؛ و”أشواك على طريق الورود”، التي تحكي قصة القديسة دميانة؛ و”الرماد”، التي تحكي عن سيدة، توضع في المصحة النفسيّة، بعد وفاة زوجها بالخطأ.

في التسعينات، استمرت دراما الموظفين، ولكن صنّاع السهرات التفتوا إلى قلة الإنتاج الموجّه لـ”الشباب”، الذين بدأوا يصبحون مقولة اجتماعية وسياسية مهمة في مصر والعالم العربي، نظرا لثقلهم الديمغرافي، فظهرت وجوه “شبابية” عديدة، بعضها كانت نجوما بالفعل، مثل وائل نور؛ فيما كانت السهرات بالنسبة لآخرين بوابة النجومية، ولعل أشهر ما تم تقديمه في هذا السياق سهرة “زواج على ورق سوليفان”، لأحمد السقا ومنى زكي، التي تتناول مشكلة الزواج العرفي؛ و”نونة الشعنونة” التي تتحدث عن فتاة فقيرة، تذهب للعمل بإحدى البيوت، وتتفوّق على ابنة العائلة التي تعمل لديها، مما يشجعها على مقاومة رغبة أبيها في تزويجها، والاهتمام بالتعليم؛ و”رحلة فرج وغريب” لعلاء ولي الدين وأحمد آدم، التي تتناول، في إطار كوميدي، رحلة شابين في سبيل صناعة فيلمهما الخاص.

تغيّرت، خلال هذا العقد، مشاهد السهرات، التي سبق وكانت مقيّدة بموقع تصوير واحد، وشخصيات محدودة، وباتت شبيهة بالأفلام السينمائية، بموسيقى تصويرية في الخلفية، بعد أن كانت شبه منعدمة، وبمشاهد خارجية في أماكن متعددة، وبعدد كبير من الشخصيات، وتجاوز بعضها الجزء الواحد، وعرض على عدة أجزاء.

في مطلع الألفية، عزف كثير من الناس عن مشاهدة التلفاز الحكومي، رغم النجاح الذي حققه في التسعينات، إذ كانت القنوات المفتوحة تقدّم أكثر مما يمكن منافسته، ومع قلة الإعلانات في التلفاز، كان عليه أن يقلّل ميزانيته، لذا عادت السهرات إلى الاستوديو الواحد، وتراجع الأداء، وحتى الموضوعات المقدّمة، والتي بدا أنها لم تعتد تمتلك بوصلة، ولم تعد تعرف مَنْ تخاطب. ورغم ما شهدناه من زيادة في جرعة الكوميديا، ومحاولة صناعة سهرات بقصص تجارية، إلا أن تلك الأعمال لم تنجح فنيا ولا جماهيرا.

مع بدء حقبة “الربيع العربي”، لم يعد قالب السهرات التوعوي، بما يحويه من خطاب مباشر وواضح من أجهزة الدولة الإعلامية، مستساغا لدى عموم الجمهور، اللهم إلا الأجيال القديمة، المتمسّكة بالماضي، لذا لم تنجح السهرات في مخاطبة الأجيال المتعطّشة للجديد، ولعالم باتت تحكمه السرعة وفيديوهات الإنترنت المتنوّعة، لذا كان عليها أن تعي أنها باتت من الماضي، بعد أن خسرت “الشباب”. يمكن القول إن السهرات التلفزيونية انتهت بانتهاء نموذج الدولة القديم، وسقوطه نتيجة التغيّرات السياسية والاقتصادية، الاضطرابات الاجتماعية العنيفة.

سباق الإنتاج: ما المدى الذي وصلت إليه صناعة السهرات؟

من اللافت للانتباه حقا غزارة إنتاج السهرات، وانتقالها عبر العالم العربي، لدرجة أنه من الصعب إيجاد دولة عربية لم تحاول إنتاج ذلك النوع الفني، عبر تلفازها الحكومي.

كانت الدولتان، اللتان بدأتا ببث السهرات أو التمثيليات، هما مصر والكويت، وقد بدأت الأخيرة، تحديدا منذ عام 1965، بإنتاج السهرات، واستقطاب ممثلين وفنانين مصريين للمشاركة بها. في البداية لم يكن المشاركون من فناني الصف الأول، إلا أن بعض نجوم ذلك الصف، الذي بدأ بريقهم يخفت شيئا فشيئا، بدأوا يتجهون إلى تلك الصناعة، مثل عماد حمدي ومحسن سرحان، واللافت مشاركة مخرجين كبار، مثل نور الدمرداش من مصر، ومحمد شرابي من الكويت؛ وكُتّاب مميزين مثل محمد كامل، ممدوح الليثي، سيد حجاب، ،عبد القادر التلمساني؛ إلى جانب استلهام سهرات من أعمال أدباء معروفين، مثل يحيى حقي وإحسان عبد القدوس.

أنتجت مصر في الستينات حوالي 29 سهرة، فيما أنتجت الكويت 18 سهرة، كان بعضها بمشاركة نجوم مصريين، ثم تزايد عدد الاعمال بتسارع كبير.

في أواخر السبعينيات، كنا على موعد مع تغيرات مهمة، وهي ظهور الألوان في السهرات؛ وكذلك دخول عدة بلدان عربية في المعادلة، إضافة لمصر والكويت، فأُنتجت أعمال في العراق، والسعودية، ولبنان، والإمارات، وتونس.

يمكن اعتبار الثمانيات البداية الحقيقية لإنتاج السهرات المكثّف، إذ أنتجت مصر وحدها خلال هذا العقد  125 سهرة، شارك فيها كبار الممثلين آنذاك، مثل يحي الفخراني، آثار الحكيم، صلاح السعدني، ممدوح عبد العليم، شيريهان، ليلى علوي، معالي زايد، سمير غانم، إسعاد يونس، فاروق الفيشاوي. بإسهام من كبار المخرجين آنذاك، مثل أحمد مجدي، وحسام الدين مصطفى، وظهور لافت للمخرجات النساء، مثل إنعام الجرتيلي، وإنعام محمد علي. كذلك عمل كتّاب مهمون على كتابة السيناريوهات، مثل رفيق الصبان، بهاء الدين محمد، أسامة أنور عكاشة، عبد الحمدي أبو زيد، فيصل ندا، فتحية العسال، محسن زايد. وبالطبع لم تكن بقية الدول العربية بمعزل عن تلك الموجة، وإن كانت مصر في المقدمة، لدرجة دفعت عدة دول عربية لإنتاج بعض السهرات، بخبرات مصرية كاملة، حتى على مستوى الإخراج والتأليف، مثل السهرة السعودية “عيد ميلاد عبد الجابر”.

السعودية أنتجت في ذلك العقد 5 سهرات، أما البحرين 4، وسوريا 3، قطر 2، الأردن 3، العراق 9، الإمارات 2، ليبيا وتونس سهرة واحدة لكل منهما، فيما واصلت الكويت مشوارها الناجح، فأنتجت 38 سهرة.

سهرة كويتية

في التسعينات استكملت السهرات نجاحها وتألقها، إذ استمرت مصر في المقدمة، منتجة 140 سهرة، بنجوم شباب مهمين، مثل حنان ترك، وائل نور، إلهام شاهين، منى زكي، أحمد السقا؛ وكتّاب مثل يوسف معاطي، سلوى بكر، لميس جابر، مجيد طوبيا، أنيس منصور، يوسف الشاروني، بهجت قمر، يوسف السباعي؛ وإخراج أسماء لامعة، مثل حسن الصيفي.

وفي المرتبة الثانية جاءت الكويت، التي أنتجت 41 سهرة. فيما شهد ذلك العقد دخول سوريا بقوة إلى هذا المجال، منتجةً 38 سهرة، تليها السعودية، التي انتجت 10 سهرات، ثم الأردن 7 سهرات، والعراق 4 سهرات، وتونس 3 سهرات، أما قطر ولبنان والبحرين فقد أنتجت كل منهم سهرة واحدة فقط.

في العقد الأول من الألفية انتهى كل ذلك الازدهار، وانخفض العدد بشدة، فلم تنتج مصر سوى 64 سهرة، بينما أنتجت الكويت 10 فقط، وتونس 7، والأردن 3، ولم تنتج كل من سوريا والسعودية سوى سهرتين لكل منهما. وفي هذا العقد أيضا، عاد ممثلو الصف الثاني لتصدّر الإنتاج.

فن القطاع العام: كيف استخدمت الدولة جهازها المستجد؟

لم تظهر السهرات بمعزل عن التاريخ الرسمي في مصر، إذ يمكن اعتبارها مؤرّخا أمينا للدولة المصرية والعربية. وذلك لأنها كانت، كما أسلفنا، سياسية للغاية، حتى لو كانت تعالج قضايا الحياة اليومية، مثل الحب والزواج والأسعار؛ وتنشر رسائل أخلاقية، تعكس أيديولوجيا الدولة.

كان للدولة المصرية بعد عام 1952 أيديولوجيا واضحة، تسعى إلى إبراز الطبقات الدنيا، التي اعتبرت أن الثورة تمثلها، لذلك حاولت في البداية منافسة الاستديوهات الخاصة، التي كانت ما تزال تعمل على النمط الأيديولوجي القديم، وتقدّم حياة الطبقات العليا في الاعمال السينمائية، إلى أن نجحت الدولة في النهاية في السيطرة على كل مناحي الإنتاج الفني والثقافي. وقد جاءت بداية السهرات التلفزيونية في الستينيات ضمن هذا السياق، إذ استخدمت الدولة “جهازها” المستجد، وهو التلفاز، لتبث الصور والأفكار والحكايات، التي رأت أنها الأنسب لها وللشعب.

كانت الثمانينات والتسعينات عموما فترة استتباب الأمور للدولة، إذ لم يعد لها أي منافس فعلي، فكان ازدهار السهرات التلفزيونية علامة على استقرارها، خاصة أن السينما بدأت بالانحدار، مع بروز ما عرف بموجة “أفلام المقاولات”، التي أبعدت كثيرا من عائلات “الطبقة الوسطى” عن الذهاب إلى دور السينما.

في العقد الأول من الألفية، حاولت الدولة الاستفادة من خبراتها في إنتاج السهرات التلفزيونية لمصلحة القطاع الخاص، وهو ما يظهر في مقال، نُشر عام 2005، ويوضح نية قطاع الإنتاج في التلفزيون المصري بإنتاج وتسويق عدد كبير من السهرات، بعد أن طلبت القنوات الفضائية الخاصة إنتاجا تلفزيونيا واسعا، يملأ بثها المفتوح طيلة اليوم. وتم بالفعل إنتاج مجموعة من السهرات لهذا الغرض، مثل “الظل”، من بطولة طارق الدسوقي؛ و”الجنون فنون”، بطولة هالة فاخر ومحمد وفيق؛ و”سكة اللي يروح” بطولة أحمد راتب، وكلها وجوه لم تكن في صدارة المشهد السينمائي آنذاك، وإن كانت معروفة.

رغم كل هذا فإن هذه المحاولة لم تنجح في إنقاذ ذلك المنتج الحكومي الأصيل. ففي تحقيق نشرته جريدة “الاتحاد” الإماراتية عن السهرات التلفزيونية، أوضح المخرج أحمد مجدي أن “السبب الرئيس في ابتعاد النجوم عن تمثيل السهرات، العائد المادي القليل. والحل الوحيد لعودة هذه السهرات، هو أن تعامل معاملة الفيلم السينمائي”؛ فيما أوضحت الناقدة ماجدة خير الله أن “اللوم على قطاع الإنتاج وشركة صوت القاهرة، لأنهما تعاملا باستهانة مع هذا النوع من الفن، فوضعا له ميزانية ضئيلة، لا تسمح بالاستعانة بفنانين كبار، يستطيعون جذب المشاهدين والإعلانات”.

في تحقيق آخر، نشرته جريدة “البيان” الإماراتية، أوضح المخرج محمد كامل القليوبي، أنه “في ظل التطور، الذي شهدته صناعة الفن، وانتشار قنوات الأفلام، التي تعرض أعمالا تكلّفت ملايين الجنيهات، بات من الصعب أن تجد السهرات الدرامية مكانا لعرضها، فالتطور يقضي على التخلف”.

انتهى عصر “التخلف” على ما يبدو، وصارت السهرات التلفزيونية تشبه منتجات القطاع العام، التي لا يعتبرها أحد مناسبة للعصر. ولكن شيئا ما بدأ يختلف في السنوات الأخيرة، ويبدو أن “السهرات” تُبعث من رمادها.

ميمز السهرات: ما الذي يجذب الأجيال الجديدة لـ”دراما الموظفين”؟

مع مطالبة الجميع بإعادة النبش في تاريخ التلفزيون المصري، تم إنشاء قناة “ماسبيرو زمان” عام 2016 ، والتي سبقها بعام إنشاء قناة ماسبيرو على يوتيوب، ومهمتها إعادة بث إنتاجات التليفزيون المصري. وبالفعل قدمت تلك القناة عشرات السهرات، إلى جانب الأعمال الدرامية والبرامج المتلفزة، كل هذا مكّن الأجيال الأحدث من التواصل مع ذلك التراث.

ظهر عدد من الصفحات، على مواقع التواصل الاجتماعي، تعيد مشاركة السهرات، إلى جانب التعريف بها، ولم تقف مشاركة الإنتاج الدرامي على مصر وحدها، فمن أشهر المواقع، التي تشارك السهرات الخليجية، موقع “فن تيم”، الذي يعرض السهرات والمسرحيات والمسلسلات، وذلك عبر تقسيمها لحقب تاريخية.

ما الذي يجده الجيل الجديد في تلك السهرات، التي تكون غالبا مليئة بالمواعظ، والسرد الخطي البطيء، وممثلات وممثلين بأشكال غير جذابة بمقاييس عصرنا؟ قد تتعدد الإجابات كثيرا، إلا أنه بالتأكيد نوع من استعادة الماضي، وكأن تلك الأعمال وثائق حية عن عصر مضى، يمكن تحليلها، وإعادة قراءتها بشكل جديد، والتعرّف من خلالها على شكل المجتمع، والسخرية من أنماط الأداء والسلوك والأيديولوجيات، في حالات ليست بالقليلة.

ربما تشعرنا إعادة مشاهدة تلك الأعمال بالسيطرة على الماضي، إذ لم تعد الخطابات والقيم الموجودة بها قادرة على التأثير في حياتنا بشكل مباشر، فتبدو أشبه بـ”أحافير”، تساعدنا على فهم كيف وصلنا إلى هنا.

لا ينفى كل هذا أن كثيرا من السهرات تستحق المشاهدة لقيمتها الفنية الخاصة، إذ توجد كثير من التجارب، والأفكار غير المألوفة، والأداءات اللافتة، التي قد تجعلها أحيانا تقدّم بديلا، من الماضي، عن النمطية التي تطبع كثيرا من أعمال اليوم.

بكل الأحوال، باتت السهرات التلفزيونية، بسلبياتها وإيجابياتها، من الكلاسيكيات، بكل ما تحويه الكلمة من معنى، ويبدو أنها نجحت بالصمود أمام اختبار الزمن، وهذا أكثر ما يسعى إليه أي فن، أيا كانت ظروف إنتاجه وغاياته.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
4.2 5 أصوات
تقييم المقالة
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات