اعتزال “الحريّف”: هل ستلد مصر “زعيماً” جديداً؟

اعتزال “الحريّف”: هل ستلد مصر “زعيماً” جديداً؟

ضمن فعاليات حفل “جوي أووردز”، المُقام ليلة العشرين من كانون الثاني/يناير 2024، أعلن رئيس هيئة الترفيه السعودية، تركي آل شيخ، جائزة استثنائية، باسم “زعيم الفن العربي”، مُقدّمة خصيصا للفنان عادل إمام.

حينها، لم يظهر إمام على المسرح لتسلّم الجائزة، بل ابناه، المخرج رامي، والممثل محمد، ليعلنا قراره “التفرّغ” للحياة العائلية، وذلك بعد ستة عقود من العمل، جسّد خلالها ليس عشرات الشخصيات فحسب، بل أيضا أفكار وأحلام مواطنين كثر، وكان صاحب الشعبية الأوسع مصريا وعربيا، سواء لدى مُقارنته بأبناء جيله، أو ممن تلاهم من ممثلين.

ولأنه عادل إمام، فإن كل الاختلافات حول شخصيته ومسيرته الفنية، لا يمكنه إنكار دوره في تشكيل الوعي والمفاهيم، بطريقة عابرة للطبقات الاجتماعية، والميول السياسية والثقافية، لدرجة أن أي محاولة للنيل من مكانته تلك، تبدو سعيا لاكتساب نقاط، على حساب رصيده المتراكم. لا يعني هذا أنه الفنان الكامل، أو الأعلى من النقد، ولكن بكل بساطة أنه ليس مجرد ممثل، بل رمز ثقافي. ونقد الرموز له حسابات مختلفة عن النقد الفني الاعتيادي.

كتب كثيرون، طيلة العقود الماضية، عن أهمية أمام، وكيف وصل إلى مرحلة الرمز تلك، إلا أن هنالك أسئلة أخرى عن مرحلة ما بعد إمام: لماذا لا تنتج الثقافة المصرية المعاصرة نجوما بأهميته؟ هل المشكلة في ضعف موهبة الجيل الجديد من الممثلين؟ أم أن هنالك بنية ما، اجتماعية أو سياسية أو ثقافية، كان يمكنها إنتاج “الزعيم”، ولم تعد موجودة الآن؟

التلميذ الطموح: لماذا لا يوجد “استغلاليون” مثل إمام؟

ربما لعب حُسن الحظ والصدفة دورا مُهما في بدايات عادل إمام، فهو قد فوجئ بعرض من مديرة إحدى المسارح لإداء دور تمثيلي، لتنطلق نجوميته في ستينيات القرن الماضي، بفضل المسرح، وكان آنذاك من أهم وسائل الترفيه، ومع ممثلين مهمين مثل فؤاد المهندس، ومخرجين من وزن نور الدمرداش وحسين كمال، إلى أن جاءت مرحلة “مدرسة المشاغبين”، التي تُعدّ حتى اليوم واحدة من أنجح الأعمال الكوميدية، في تاريخ المسرح عموما.

نعم، كانت هناك صدفة وحظ، ولكنهما لا يحصلان في فراغ، بل في سياق معين، هو بكل بساطة الحياة المسرحية في مصر آنذاك، من المسرح المدرسي والجامعي، مرورا بـ”المسرح القومي”، وصولا إلى “مسرح القطاع الخاص”، صانع النجوم. كثيرون انطلقوا مع إمام في الفترة نفسها، وانتظروا “صدفا” مثل التي صنعته، وبعضهم نالها فعلا، ولكن لم يتمكن من الاستمرار.

من الواضح أن إمام حدد مسارّه منذ المرحلة الثانوية، حين كان يُمثّل في المدرسة، فمنذ اليوم الأول له في كلية الزراعة، لم يسأل عن قاعة محاضراتها، بل عن مسرحها. إنها خطة واضحة في سياق واضح: شاب يُريد التمثيل، الذي بدأه بالفعل منذ يفاعته، حين قدّم مسرحية باسم “ثورة قرية”، ثم استمر وصبر واستغلّ كل الفرص بذكاء.  لم يكن عمله عشوائيا بالتأكيد، فمن المسرح إلى السينما، وبعدهما التليفزيون، الذي صار جهازا حاضرا في كل بيت، نجح بصياغة أسطورته ببراعة. ليس المهم هنا تقيمنا الشخصي لمن هو الأفضل أو الأكثر موهبة، وإنما سؤال من نوع آخر: هل كان يمكن لإمام، مهما كانت قدرته على “الاستغلال”، أن يصنع “أسطورة”، لولا وجود تلك الأجهزة، التي قامت على جهود مئات، بل آلاف العاملين في مجال الفن؟

ما ميّز عادل إمام، ووصل به إلى كل ذلك النجاح، كان التخطيط، واختيار اللعب على وتر المضمون، والتقاطه للحظة المناسبة والقول المناسب، اللذين يتيحان له تبوّء الصدارة. كان “تلميذا موهوبا” في الخمسينيات؛ ثم “ممثلا واعدا” يجيد التقرّب من العمالقة في الستينيات؛ وبعدها قدّم أفلام “السينما التجارية”، التي انتشرت في عصر “انفتاح السبعينات”؛ ليعود بعدها بأعمال، مثل “دموع في عيون وقحة”، كل ما فيها صُنع “ليُخلّد” أحداثا، يجب أن تكون مؤثّرة في الذاكرة الشعبية والوطنية، مثل حرب أكتوبر، والصراع العربي الإسرائيلي. في كل مرحلة كان “الرجل المناسب”، وبشكل عابر للأنواع الفنية، والقوالب الإنتاجية، والتصورات السائدة عن القيمة الثقافية.

هل سنجد الآن في الوسط الفني مَن يضع خططا، سواء قصيرة أو بعيدة المدى، لضمان تقديم أعمال تتناسب مع مختلف المراحل؟ ربما لا، ليس لأن القادرين على “الاستغلال” قد اختفوا، بل بكل بساطة لأن “الوسط” نفسه، وطرقة في الإنتاج، قد تغيّرا.

بطل الشعب: كيف هزم إمام أعداءه بدون عضلات؟

في عقد الثمانينات، بدأ إمام ينتقل من الانتشار العادي إلى جماهيرية ونجومية غير مسبوقة، لم يعد يلعب فقط على “الوتر المطلوب”، بل صار هو من يصنع ذلك الوتر.

ابتكر طريقته الخاصة في التعبير عن الحالة المصرية: البطل الشعبي الذي يشبهنا جميعا، ليس فائق الوسامة، أو سليل عائلات ثرية، ولم يولد في قصر أو حي مسوّر، ولكنه، رغم كل ذلك، قادر على نيل كل ما نحن محرمون منه: النجاح، والجنس، والمال، والانتقام من الأغنياء والمتنفذين، عبر السخرية منهم وإذلالهم، أو على الأقل القدرة على مواجهتهم بجرأة، دون أن يخلخل ذلك شيئا في النظام الاجتماعي العام.

ابتداء من الثمانينات، وحتى نهاية التسعينات، جسّد مشكلات مجتمعية، تعكس معاناة الناس، ومنها أزمة السكن في فيلم مثل “كراكون في الشارع”، الذي كاد ينتهي بثورة لولا تدخّل الرئيس؛ رأينا معه الظلم الذي يتعرّض له البسطاء في “المنسي”، ولكن مع تحقيق كثير من فانتزماتهم العاطفية والجنسية؛ وعرفنا الصراع على السلطة والنفوذ في “طيور الظلام”، والفساد في “الأفوكاتو” و”بخيت وعديلة”، ولكن دائما وأبدا “تحت سقف الوطن”.

نوعية البطل الشعبي، الذي قدّمه إمام، غير مسبوقة في الفن العربي، ولا مثيل لها بعده، فحتى في الأفلام التي تصنّف بوصفها “أكشن”،  مثل “جزيرة الشيطان” أو “شمس الزناتي” أو “حنفي الأُبهة”، نجد أن البطل، الذي يواجه أعداءه وينكّل بهم، لا يفعل ذلك عبر استعراض عضلاته و”فورمته” الفائقة، بل عبر الذكاء والدهاء والقوة نفسية، والارتباط العميق بالبيئة التي يعيش بها؛ في الوقت نفسه، لم يظهر بصورة “البلطجي” أبدا، التي يهواها اليوم كثير من أبطال “الدراما الشعبية”، فحتى لو كان محتالا، أو سكيرا، أو لصا، فنحن قادرون على التسامح معه، والتماهي مع خطاياه، التي تشبه خطايانا، وليس مجرّد الانبهار به، بوصفه “بطلا خارقا”.  

أمّا الكوميديا، وهي الملعب الخاص بإمام، فقد أقامها على أسس شديدة التنوّع، لم يتطرّف لـ”كوميديا الموقف”، التي يهواها “الفنانون الجادون”، بل كان يجيد أيضا إلقاء “الإفيهات”؛ وفي الوقت نفسه لم يعتمد فقط على على الأداء الحركي والصوتي، والتعبير بالإيماءات، رغم إجادته الهائلة لذلك، بل اهتم كثيرا بالقصة والبناء والإخراج. عمل ضمن “التريندات” السائدة في عصره، ولكنه كان يعرف جيدا كيف يصيغ “ترينده” الخاص.

إلا أن نجاحه الهائل في الكوميديا، لم يدفعه للاقتصار على دور الكوميديان، بل أراد أن يثبت أنه ممثل ناجح، وأن ينافس نجوم الأداء الدرامي، فقدّم أفلام رعب، مثل  “الإنس والجن”؛ وأفلام تشويق ذات بعد سياسي، مثل “اللعب مع الكبار”؛ وأفلام رومانسية، مثل فيلمي “خلي بالك من عقلك” أمام شيريهان، و”حب في الزنزانة” أمام سعاد حسني، وهذان اسمان من قائمة تضم عشرات الممثلين المتميزين، الذين حرص على العمل معهم، وإفادتهم والاستفادة منهم، في رحلة الصعود الخاصة به. لم يقتصر الأمر على الممثلات والممثلين المتميزين، بل أيضا الكتّاب، مثل وحيد حامد؛ والمخرجين مثل شريف عرفة ونادر جلال. ولم يتردد أيضا في المشاركة في تجارب ومنظورات، تبدو تجديديّة وواعدة، فعمل مع محمد خان في “الحريف”، وهي تجربة لم يكررها، بسبب فشلها التجاري، ولكنها ظلّت علامة فارقة في مسيرته الفنية.

في كل تلك الأفلام قدّم صورا معبّرة عن الناس، بمختلف فئاتهم: شرفاء أو فاسدين، سعداء أو مظلومين، راضيين أو متمردين، خائفين أو مغامرين. في تشابه، وربما تطابق، مع مَن نلتقيهم يوميا في الشارع، حيث لا شر مُطلق ولا خير بحت.

يبدو أن البيئة الثقافية، التي عمل بها إمام، كانت غنية بكثير من العناصر والرموز والتجارب، التي مكّنته من التعلّم، وصولا إلى صناعة “خلطته الخاصة”. فلنفرض أن شخصا بموهبة وذكاء إمام نفسيهما، يعيش في عصرنا، ما العناصر التي سيستفيد منها لبناء حضوره ونجوميته؟

المعارضة الناعمة: كيف احتملت الدولة “شغب” إمام؟

بعد أن صارت له سلطة اختيار الأدوار، استطاع إمام استغلال عديد من الأحداث والظواهر، سواء محليّة أو عالمية، لمواكبة العصر، وتقديم ما هو متوافق عليه، ومترسّخ ثقافيا وأيديولوجيا، ولكن بصيغة تبدو مشاغبة و”غير نظامية”. فهو مَن مدح مصر، المختلفة عن الغرب المحكوم بالمادية، في فيلمه “هاللو أمريكا”؛ ومجّد مُقاتلي حرب أكتوبر في فيلم “أمير الظلام”؛ ودعم القضية الفلسطينية في فيلم “السفارة في العمارة”.

ورغم أن كثيرا من الفنانين يحاولون فعل الأمر نفسه، إلا أنهم لم يكونوا مقنعين مثل إمام، الذي لن يشعرك أبدا أنه يرمي “المورال” في وجهك بشكل مباشر.

هكذا استطاع ان يظهر بوصفه صاحب فكر ورأي في قضايا مختلفة، منها على سبيل المثال الفتنة الطائفية، عبر فيلم “حسن ومرقص”؛ ومكافحة الأفكار المتشددة، عقب زيارته لإحدى محافظات الصعيد؛ والتوعية بقضايا اللاجئين، بالتعاون مع هيئات دولية، منذ اختير، مطلع هذه الألفية، سفيرا للنوايا الحسنة.

لم يكن عادل إمام معارضا للسلطة، ولم يدّع ذلك يوما، ولكنه أشعر الناس بـ”المعارضة”، ضمن إطار مأمون وموافق عليه من قبل الدولة.

إلا أن شيئا ما تغيّر اليوم، إذ لم تعد الدولة نفسها، التي يمكن اعتبار إمام ابنها النجيب والبار بشكل من الأشكال، قادرة على تحمّل تلك “المعارضة الناعمة”، والدليل ما تعرّض له مؤخرا فيلم “الإرهاب والكباب” من انتقاد علني، من أعلى سلطة في الدولة، باعتباره “حوّل البلد إلى خصم”. العمل لم يُحمّل السُلطة نفسها المسؤولية، وجعل المشكلة في قلّة من مُطبقي القوانين، إلّا أن هذا لا يشفع له اليوم.

لذا، ومنعا لأي “خصومات” جديدة، صارت غالبية الأعمال الفنية الجديدة تتناول الأمور من منظور واحد تقريبا، فعلى سبيل المثال، قضية على قدر كبير من الخطورة، مثل التطرف الديني، جسدها إمام في فيلم “الإرهابي”، بصورة بيّنت إمكانية تغيير الأفكار بالحوار، بينما صار تناولها اليوم يتم عبر عرض الصراع المسلّح بين الدولة والإرهابيين، وبطولات الضبّاط الأشراف.

لم تتغير بنى الإنتاج الفني فقط؛ ولم يصبح عالمنا الثقافي ومكوناته أكثر فقرا فحسب؛ بل تغيّرت طبيعة الدولة نفسها. ولذلك فربما تأخّر إعلان اعتزال عادل إمام قليلا، فالعالم الذي عمل به انتهى منذ زمن، والشرط الجديد لن ينتج غالبا “زعماء للفن العربي” على شاكلته. اللافت أن إعلان اعتزاله جاء من السعودية وليس مصر، ولعلنا سنعاصر عالما آخر، بشروط جديدة، قد ينتج نوعا آخر من الظواهر الفنية، التي من المبكّر أن نحكم عليها الآن، سلبا أو إيجابا.  

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
5 5 أصوات
تقييم المقالة
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات