جنة الاشتراكية/الرأسمالية الضائعة: ماذا يخبرنا تاريخ صعود وانحدار المولات؟
يمكن إرجاع مفهوم منطقة التسوق المركزية إلى العصور القديمة، حين كانت الأسواق والبازارات بمثابة مراكز للتجارة والتفاعل الاجتماعي. ومع ذلك، فإن بوادر مركز التسوّق الحديث، كما نعرفه، ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، عبر المتاجر متعددة الأقسام (Department Stores) التي تقدّم مجموعة واسعة من السلع تحت سقف واحد، بممراتها الشهيرة بين المحلات التجارية، والتي ما تزال متواجدة في منعطفات الشوارع الكبيرة في المدن القديمة، مثل باريس وميلانو وبراغ والقاهرة. وغالبا ما كانت المتاجر المتلاصقة، وممراتها، تتسم بهندسة معمارية ملائمة، وتوفّر وسائل الراحة، مثل المطاعم والمقاهي، ما أدى إلى إزالة الخطوط الفاصلة بين التسوّق والترفيه.

إلا أن التطور الأبرز، الذي قرّبنا من فكرة “المول” المعاصرة، كان في الاتحاد السوفييتي، حيث ظهر مفهوم “دوم تورجوفلي” (بيت التجارة) في ثلاثينيات القرن العشرين، ضمن المنظور الأيديولوجي والمعماري للستالينية، الذي سعى لـ”تجميع” كل شيء: الأراضي الزراعية، المصانع، المساكن الاجتماعية، بل حتى الأفكار والفنون، وأخيرا مراكز الاستهلاك والتسوّق.
ضمّت تلك المباني التجارية الكبيرة، المملوكة للدولة السوفيتية، مجموعة متنوّعة من المتاجر والأقسام، بهدف تزويد المواطنين بإمكانية الوصول إلى السلع الأساسية. وعلى الرغم من أنها ليست “مولات” بالمعنى الغربي، إلا أنها تملك بعض أوجه التشابه معها، من حيث التسوّق المركزي والتركيز على الخدمات العامة.

حدثت تطورات مماثلة في بلدان اشتراكية أخرى في أوروبا الشرقية، حيث بنيت مراكز التسوّق، بوصفها جزءا من مشاريع التخطيط الحضري المركزية، بهدف إنشاء مجتمعات مكتفية ذاتيا، مع سهولة الوصول إلى وسائل الراحة.
الفكرة تم تبنيها فيما بعد في أميركا، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، مع نشوء الضواحي (suburbs)، واستُنسخت عربيا في التسعينيات، في دول عديدة، مثل بلدان الخليج العربي ومصر، ودخلت في توسّعات الضواحي الجديدة، ومنها مدينتا السادس من أكتوبر، والعاشر من رمضان، وصولا إلى المشاريع الأخيرة، مثل “العاصمة الإدارية”، في مزيج يجمع بين التخطيط المركزي والمقاولات الخاصة.
كيف تطور المول من جذوره الاشتراكية، ليتحوّل إلى رمز للحداثة والرأسمالية؟ وهل في نمطه المعماري ما يساعدنا على فهم ثقافتنا المعاصرة؟ ومن جهة أخرى: هل ما تزال المولات مهمة فعلا في عالمنا؟ أم أنها، ونُقّادها كذلك، باتوا رمزا لعصر يشارف على الانتهاء؟
كانت صورة “الميتروبول”، أي المدينة العالمية المزدهرة اقتصاديا وثقافيا، روح العشرينات من القرن الماضي، حين ازدهرت مدن مثل برلين وباريس ولندن بصورة كبيرة. ولكن ما حدث بعدها كان سلسلة من التعثّرات والتدهور العالمي. ففي أواخر العشرينات حلّ الكساد الكبير، وفي آواخر الثلاثينيات الحرب العالمية الثالثة، وما خلّفته من دمار شامل للمدن. ولم يعد هنالك كثير لفعله، للإبقاء على نمو قلب المدن، فازدهرت الضواحي، خاصة مع ضرورات إعادة الإعمار بعد الحرب، وما تطلّبته من تأسيس ضواحٍ عمّالية على وجه السرعة.
كانت فكرة الضواحي، أو “السكن الاجتماعي”، تقوم على إنشاء وحدات مستقلة، تفرد بيتا لكل عائلة عمّالية. وقد عانى سكّان الضواحي، عند نشوئها، من عبء الانتقال المستمر ذهابا وإيابا نحو مركز المدينة. طبّق حينها المعماري النمساوي فيكتور غروين فكرة المركز التجاري في تلك الضواحي، ظنّا منه أنها تحقيق لمثال طوباوي، لما يجب أن تكون عليه الضاحية العمالية، فبدلا من أن يعاني العامل للذهاب إلى قلب المدينة، سيجد في ضاحيته كل ما يحتاجه من مواد استهلاكية.
لم يدرك غروين حينها أن فكرته ستتطور كثيرا، لتؤدي إلى ما نعرفه اليوم بـ”المول”، وقد كره بشدة فيما بعد ما آلت إليه، بعد أن رأى أنها تحوّلت إلى مراكز استهلاكية وترفيهية ضخمة، وهي بالأصل كانت “نموذجا اجتماعيا”، لتحديث قائم على أفكار مثالية.

بعد الحرب العالمية الثانية، شهدت الولايات المتحدة ازدهارا اقتصاديا سريعا، مما أدى إلى زيادة النزعة الاستهلاكية، والطلب على منتجات التسوّق الجديدة. وهنا بالضبط نشأ مركز التسوق المغلق الحديث، كما نعرفه اليوم.
احتاج الأمر لدخول الشركات الخاصة، للاستثمار في ذلك القطاع، فلم تعد مراكز التسوق مملوكة للدولة أو لمؤسسات تعاونية فحسب، بل صارت مجالا لرجال الأعمال الطموحين، الذين رأوا فيها مشاريع مربحة. وتحوّل التركيز من توفير الضروريات الأساسية، إلى إنشاء جنة المستهلك، مع خيارات ترفيهية، مثل تناول الطعام، ومراكز الألعاب.
أثبت نموذج المول نجاحه، وانتشر بسرعة في جميع أنحاء العالم، وتكيّف مع الثقافات والاحتياجات المحلية. وحتى وقت قريب، كانت مراكز التسوق رموزا للنزعة الاستهلاكية والعولمة، وكثيرا ما تعرّضت للانتقاد، بسبب تجانسها الزائد عن اللزوم، وتأثيرها على آفاق الناس. فعندما تتسوق مثلا في مدينة قديمة مفتوحة، مليئة بالمحلات والأزقة المتشابكة، ستختلف أفكارك كثيرا عمّن يتسوّقون في بناء مغلق ومُكيّف، يكاد تصميمه يكون واحدا في كل مكان بالعام.
تقول المعمارية الأميركية إلين دانم جونز إن المولات في أميركا، في ثمانينات القرن الماضي، شكّلت عالما جديدا للمراهقين، وذلك لأنهم كانوا يقومون بالتسوق فيها بحثا عن هوية خاصة، مختلفة عن هوية ذويهم، وأمّنت لهم المولات هويات مُعدّة ومصنوعة سلفا، و”متنوعة” بقدر احتياج السوق. كل هذا كان سهل الامتصاص من قبل المراهقين، على عكس البازارات والمتاجر الشخصية، المنتشرة في أماكن مثل وسط المدينة، والتي لها جذور وتواريخ، وطبقات من الأحداث والذكريات، تناسب أكثر الآباء المتصلبين.
“المول” قادر إذن على منحنا إمكانية “تركيب” هويتنا، ولكن ما هويته هو بالضبط؟
لا ينتمي “المول” لبلد معيّن، أو ينبثق من رحمِ حضارةٍ أو ثقافة محددة، بل هو كيان ضخم ورشيق، يمكن أن يتواجد في كل مكان بالشكل نفسه؛ أقرب لهيكل غامض، تنسجم بداخله كُلّ العلامات التجارية المشهورة، وتنشر منافذ الاستهلاك في كل زاوياه. إنه جسدٌ ناعم وملتحم، يُلزم زائره بالاستهلاك أو التيه وسط العلامات التجارية، أو الاثنين معا، بهندسةٍ تحفز التقاطَ العناوين، والعروض التجارية. يمكن للمتجوّل في المول أن يلاحظ، من طرف السلم المتحرك، طابقين أو أكثر على سبيل المثال، مخزّنا في ذاكرته أقسام المتاجر المحتمل دخولها.
يقوم ذلك البناء الضخم على طبقاتٌ هندسية، تُخبئ تصميمها خلف تجربة “التزحلق”، فكل الأسطح داخله ملساء للغاية، تشعرك أن الانتقال من مكان إلى مكان شديد السهولة، وكأنك تتزحلق على الجليد؛ كما توفّر تجربة الاستحمام بالأضواء الاصطناعية، التي تجعل التفريق بين الليل والنهار داخل جدران المول أمرا لا معنى له. فيما بعد سيتم العودة لـ”مولات الهواء المفتوح”، ولكن حتى في النوع الأخير، توجد طبقات مخفية: مواقف السيارات تحت الأرض، مولّدات الكهرباء، مخازن التوريدات، مراكز الصيانة الداخلية، مكاتب الإدارة. كلُّ هذا مخفي، تحت غطاءٍ أملس، ولا يهم المستهلك.
للأسطح الملساء والمتدفقة تأثير إيجابي، كما يقول الفيلسوف الألماني بيونغ شول هال، فهي تسلب المُستَقبل لها مقاومته، فلا يحاول فك شفرة غير موجودة بالأساس، أو التفكير فيما هو أبعد مما يراه. يبقى الناعم طفوليا للأبد، وأقرب لحيوية لا تنتهي، ولكنها بلا معنى؛ وبهاء مستمر، ولكن دون عمق، أو علاقة شخصية يمكن خلقها مع المكان. تلك النعومة تؤدي إلى زيادة الاستهلاك، دون مقاومة تذكر.
لا يوجد أبواب للمحلات في “المول”، فهي دائما مفتوحة لمن هم خارجها، مع واجهات زجاجية، تعرض كلّ ما في الداخل، وهناك بعضُ المحلات بدون حدود، تفصل بينها وبين المساحة المخصصة لمرور المستهلكين. كلّ حيزّ في المول إما موجود في نطاق متجرٍ ما، أو مساحة حدّية تؤدي إلى متجر آخر.
تقوم المولات بإعادة خلق فكرة الشارع بشكل أكثر “نظافةً”، وفي الوقت ذاته تؤدي هذه “النظافة” إلى القضاء على المظاهر والسياقات الثقافية للمكان, فيبدو مكانا غير حقيقي، رغم انه يحوي عددا من أهم الحقائق الاقتصادية والاجتماعية في عالمنا.
ولكن ما المشكلة فعلا في كل ذلك؟ لا يلاحظ نقّاد المولات، لدواعٍ متعلقة بـ”الثقافة” و”الأصالة”، نجاحها في تأدية وظائف شديدة الأهمية، بالنسبة لملايين المستهلكين حول العالم، والذين فتنتهم فكرة “تركيب الهوية” عبر ما تقدمه مراكز التسوّق. وبالتالي يبدو التحسّر على البازارات القديمة أقرب للبكاء على شجرة خرافية. رغم هذا، هنالك ظواهر غريبة تحدث في “المول”، تستحق التأمّل.
في بعض الأحيان، وخاصة بين فئات عمرية معيّنة، يكون الضياع في المول أمرا حتميا، وذلك بسبب طريقة تصميمه الملساء، التي تضيّع الذاكرة المكانية. لدرجة أنه تواجد صفحات إرشادية على الإنترنت، مخصصة لكيفية العثور على الأطفال المفقودين داخل المول، كما استُحدثت تطبيقات خاصة في كثير من المولات، تحتوي على خرائط تفاعلية للزوار، لتجنّب تلك الأزمة.
في الضياع تُصفى العناصر المُمَيزة، ويُطمس الزمان والمكان، وبسهولة ينسى المتسوّق غايات الزيارة، لتتحول ببساطة إلى ضياع. وهذا غريب في مكان يُفترض أن نجد فيه كل ما يلزم لتركيب هويتنا؛ بل ويطرح بعض علامات الاستفهام حول هوياتنا المعاصرة بأكملها.
في نهاية التسعينات من القرن الماضي، قامت الباحثة والمعالجة النفسية إليزابيث لوفتس، بالاشتراك مع طالبها جيم كوان، بتصميم تقنية لإثبات وجود “الذاكرة المزيفة”، وهي الأحداث التي قد يقتنع الناس بحدوثها في الماضي، رغم أنها غير حقيقية، وذلك لأنه تم زرعها في أدمغتهم، عبر بما يكفي من التفاصيل والسياقات المبهمة، مما يجعل مجرّد إمكانية وقوعها، كافية لتصديقه بالفعل. سُميت هذه التقنية بـ”Lost in the Mall” (الضياع في المول).
واجهت هذه النظرية عددا من الاعتراضات الأخلاقية، فإثبات وجود الذاكرة المزيفة، قد يؤدي إلى التشكيك بإفادات ضحايا الجرائم، خاصة حوادث العنف الجسدي والجنسي. إلا أن في اختيار الباحثة للمول، بوصفه نموذجا للضياع في الذاكرة المزيفة، دلالة كبيرة، ففي هذا المكان ما يكفي من المساحة والميوعة والتشابه، التي بإمكاننا تذكّرها بوصفها تجربة عامة؛ ولكن في الوقت ذاته لا تحتمل ما يكفي من التمايز، لإدراك شيءٍ خاص بذلك المكان، يجعل من تفاصيله أمرا لا يحتمل الشك.
ربما كانت دعوات الهوية المعاصرة تتشابه مع “المول” كثيرا بهذه الخصائص. فهي حاضرة جدا في أذهان حامليها، يبرزونها عبر “أبواب مفتوحة” لكل من في الخارج؛ ولكنها في الوقت نفسه لا تحمل تمايزا جديّا، أو ذاكرة فعلية. وبما أن الذاكرة إحدى مواطن الهوية الأساسية، فالمول يقول لنا إن ذاكرتنا يمكن أن تكون زائفة بكل بساطة.
بكل الأحوال، ربما بات المول نفسه، وكل أشكال نقده، ظاهرة قديمة، تكاد تنتهي، بعد أن كان “الحداثة” بحد ذاتها.
يعتبر كثير من المحللين أن انتشار وباء كورونا عام 2020، كان بداية نهاية فكرة المولات، إلا أن السقوط بدأ قبل ذلك بكثير، فمنذ نهاية التسعينيات من القرن الماضي، توقّع خبراء السوق اضمحلال المولات، وذلك لأن انتشارها السريع، كان أكبر من قدرة السوق العالمي على الاستيعاب، وبدأ كل مول بالتغذي على زبائن المول الآخر.
انتشر التسوق الإلكتروني، منذ العقد الأول من الألفية، بوصفه بديلا أكثر ملائمة للمستهلك، يعطيه إمكانيات أكبر وأوسع، ويزيد من راحته: لن تضطر على الإنترنت المشي لساعات، في متاهات بطوابق عدة، أو حمل بضائعك، والاستراحة في “الفود كورت” لالتقاط الأنفاس، أو تحميل مشترياتك إلى السيارة المركونة في غياهب “الباركينغ” تحت الأرض. يمكنك الحصول على ما تريد بضغطة زر، من هاتفك أو حاسوبك الشخصي إلى باب منزلك. وعبر مواقع، تمتد مراكزها ومخازنها من الصين إلى لمكسيك، العالم كله أمامك، فلماذا تسجن نفسك في علبة؟
كان الوباء، وما بعده من تطورات، مسمارا في نعش الشكل الذي نعرفه عن المولات. هل ستبرز أصوات تتحسّر على عصر “المول”، كما تحسّر البعض على البازارات والأسواق القديمة؟ لا يمكننا أن نعرف الآن، إلا أن هناك ثقافة ناشئة، تعتبر المولات الفارغة، بعد إفلاسها، تجليا لشيء سام، لا بد من التطهّر منه.
تبدو الهوية، المكوّنة عبر التسوّق الإلكتروني، أكثر غرابة حتى من الهوية المركّبة عبر المول، ففي الأخير أنت مجبر، مهما كانت اختياراتك الشرائية، أن تكون مستهلكا صالحا، تأخذ السلعة وتدفع ثمنها، نقدا أو عبر بطاقة ائتمانية؛ في الشبكة العنكبوتية لن تكون “صالحا” بالضرورة، ستجد فيها، وعلى هوامشها، وفي أعماقها، كثيرا من الغرائب، وأساليب مبتكرة في الدفع، وكذلك الاحتيال. ومن “الممنوعات” المعروضة على الشبكة، وحتى العملات المشفّرة، يمكن أن تنشأ أشكال جديدة، وخطيرة، من الهوية، إلا أنها ربما تشترك مع هوية المول في مسألة “الذاكرة المزيفة”.
لم ينته المول حتى اليوم، بل ما زالت كثير من الدول العربية، ومنها مصر والسعودية والإمارات، تفرد له أمكنة في مخططاتها العمرانية الجديدة، إلا أنه يتحوّل شيئا فشيئا إلى صرح “أثري”، ثقافيا واجتماعيا، يمكننا أن نرى فيه كثيرا من ماضي مجتمعاتنا وذواتنا.
هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
استمر يا دكتور