عودة الكمتيين: هل يثير اللاجئون “رهابَ الأجانب” في مصر؟ 

عودة الكمتيين: هل يثير اللاجئون “رهابَ الأجانب” في مصر؟ 

استقبلت مصر عبر تاريخها الحديث لاجئين من مختلف الجنسيات، وخاصة منذ الحرب العالمية الثانية، فقد استضافت مثلا مهاجرين من دول البلقان، التي كانت تتبع قوات الحلفاء، وأيضا بعض اللاجئين من المملكة المتحدة، وصُنّف اللاجئون تبعا لعلاقتهم مع النظام الحاكم، وسلطات الاحتلال الإنجليزي. فكانوا يلقون معاملة مختلفة، بحسب جنسياتهم وإمكاناتهم المادية.

وبعدما استقلّت مصر تماما من السيطرة الإنجليزية، ظلت تستقبل اللاجئين والفارين من الحروب والاستعمار، بداية من النكبة الفلسطينية؛ مرورا بالحرب الأهلية السودانية الأولى، المسماة “بتمرد أنانيا”؛ وصولا إلى حرب الخليج الثانية، ومن ثم احتلال العراق عام 2003. لكنْ بعد محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك عام 1995، في العاصمة الأثيوبية أديس بابا، فرضت الحكومة المصرية قيودا على استقبال اللاجئين الأفارقة على وجه الخصوص، وبالتحديد السودانيين، الذين كان لهم حق دخول مصر، دون أوراق تثبت شخصيتهم.

وتماما كما كان الحال في العصور السابقة، تفاوتت أحوال اللاجئين بحسب أصولهم وقدراتهم المالية، فمثلا عقب احتلال الكويت من قبل النظام العراقي السابق، استطاع اللاجئون الكويتيون عيش حياة رغيدة في مصر، على خلاف أغلبية اللاجئين العراقيين والسودانيين، الذين جاؤوا فيما بعد، والذين استوطنوا في أحياء تعتبر فقيرة أو عشوائية، وعانوا في تأمين أسباب حياتهم. بكل الأحوال، لم تمنح الحكومة المصرية أية مساعدات خاصة لأي نوع من اللاجئين، باستثناء ما كان يصل من المنظمات الدولية، المختصة باللجوء، ولكنها فتحت مرافقها العامة، بما فيها التعليمية، للوافدين.

عموما، لم تشغل قضية اللاجئين، رغم كثرتهم، جدالات الحيز العام، لأنهم سرعان ما يذوبون في المجتمع المصري الكبير، إلى أن وقعت أحداث دموية، أثناء رئاسة حسني مبارك، وبالتحديد في الثلاثين من كانون الأول/ديسمبر 2005، عندما قام لاجئون من مناطق جنوب السودان باعتصام، فضّه وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي بالعنف، ما أدى لمقتل 25 سودانيا، فيما عُرف بـ”مذبحة مصطفى محمود”، نسبة للشارع الذي يحمل الاسم نفسه في وسط القاهرة، والذي وقعت فيه المجزرة. وقتها صَدّر جانب من الإعلام المصري، التابع للنظام، رواية أن فض الاعتصام كان خوفا على المصريين من الإصابة بالأمراض المعدية، التي يحملها السودانيون. ولا داعي للقول إنها كانت مجرد حجة للتعتيم على الانتهاك الكبير، الذي ارتكبه النظام السابق، بناء على علاقاته بالحكومة السودانية، برئاسة عمر البشير، وهو المسؤول عن تهجير المواطنين السودانيين الجنوبيين. 

وبعد ثورات ما عُرف بـ”الربيع العربي”، استقبلت مصر عددا من اللاجئين السوريين، الذين استقروا وعملوا في عدد من أحياء القاهرة على وجه الخصوص، وعاشوا لعقد من الزمن في الأراضي المصرية، سواء اعتبروها محطة، قبل لجوئهم إلى دول أخرى؛ أو مقرا للاستقرار. جاءت بعدهم موجة من اللاجئين السودانيين الجدد، هربا من الاضطرابات الدموية في بلدهم.

صدر منذ أيام هاشتاغ، من مدونين مصريين على موقع “إكس”، يطالب بطرد كل اللاجئين العرب أو الأفارقة من مصر، وركّز بالتحديد على اللاجئين السوريين ومصالحهم. هذه المرة لم يكن السبب لون البشرة، أو الخوف من العدوى، بل “حفاظا على الهوية القومية المصرية، والاقتصاد المصري، وما يبذله من أموال على اللاجئين”.

يطرح هذا أسئلة كثيرة عن جذور العداء المستجد للاجئين، الذي فاجأ كثيرا من المصريين أنفسهم، هل يمكن التفسير بالعنصرية العرقية فقط، كما في حالة اللاجئين الأفارقة؟ ماذا عن اللاجئين السوريين يتشاركون مع المصريين الدين واللغة والثقافة؟ هل السبب اقتصادي بحت، ونتيجة للظروف الصعبة التي تمرّ بها مصر اليوم؟ أم أننا نشهد بروز نزعة وطنية يمينيّة، لا تحتمل وجود “الآخرين” على الأرض المصرية؟ وهل يمكن الحديث عن “زينوفوبيا” مصرية (خوف من الأجانب)؟ وما أسبابها إن وجدت؟ أم أن القضية مُختَلقة من الأساس، ولا جذور فعلية لها في الثقافة والمجتمع المصري؟  

الخوف من العدوى: هل يمارس اللاجئون الجنس في الشوارع؟

تبنّى جانب من الإعلام المصري، وقت” مجزرة مصطفى محمود”، رواية غريبة، عن الرائحة العفنة التي يشمّها المصريون، عند المرور بجوار اعتصام اللاجئين السودانيين، وتسبّبهم بتعطيل الحركة المرورية، وأيضا “وجود علاقات جنسية علنية” في الشارع بين هؤلاء. وهذا كان مبرّرا كافيا لكثيرين، لسحق المعتصمين، في مجزرة منسية اليوم، لم يبق منها إلا شهادات صحفيين مستقلين، وصور عدة لتعذيب السودانيين في باصات النقل العام. يبدو العداء للآخر هنا بيولوجيا وأخلاقيا في الوقت نفسه، وكأن الآخر تهديد صحي وجنسي لسلامة ونظافة الجسد المصري. لكن ماذا عن السوريين؟ هل تفوح منهم أيضا روائح سيئة، ويمارسون الجنس في الشوارع؟

كانت بداية العداء للاجئين السوريين، عبر وسائل الإعلام، عام 2013، قبيل أحداث الثلاثين من يونيو/حزيران، ولكن لسبب معاكس تماما، فبعد الترحيب الشعبي والرسمي الكبير بالسوريين اللاجئين، اتُهموا بتأييد نظام الإخوان المسلمين في مصر. وظهر مثلا الإعلامي يوسف الحسيني، الذي قال إن السوريين، وكذلك الفلسطينيين، يدعمون الإخوان، مؤكدا أن بقاءهم في البلد سيجعل مصر بؤرة للإرهاب. وانتقلت ادعاءات الحسيني إلى إعلاميين آخرين، موالين للنظام العسكري المستجد، مثل عمرو أديب.

إلا أن السوريين، لم يكونوا، في المخيلة الرافضة لهم، مجرد داعمين للإرهاب، بل أيضا مؤهلين للعب دور آخر، شبيه بما اتُهم به السودانيون، فقد ظهرت تلميحات على الإعلام المصري، عن سهولة إغواء الذكور المصريين من قبل السوريات. أي أن تهمة إقامة علاقات جنسية، أو احتمالية وجودها، كانت سببا كافيا للترويج لطرد أي نوع من اللاجئين.

لا يبدو هنا أننا نتحدّث عن عنصرية بسيطة، قائمة على الاختلاف في العرق أو الدين، بل عن مخيّلة عن “الطهارة”، قادرة على خلق نقيضها المُهدِّد، وإلصاقه بأي آخر، سواء كان أبيض أو أسود، مسلما أو مسيحيا، عربيا أو أعجميا. الآخر هنا تهديد جسدي مباشر، تسهل إثارة الذعر الأخلاقي منه، بناء على ما زرعته منظومات ثقافية ودينية متعددة في وعي كثير من المصريين. وللأمانة، فإن هذا الزعر الأخلاقي لم يقتصر على التعامل مع السوريين والسودانيين، بل لاقى المعتصمون المصريون في ميدان التحرير، أثناء ثورة يناير عام 2011، اتهامات شبيهة، إذ يوجد في خيم الاعتصام “طبل، وزمر، وشباب وبنات، ومخدرات، وعلاقات جنسية كاملة”.

إلا أننا اليوم في عام 2024، ولم يعد تمرير مثل هذه الاتهامات عبر الإعلام سهلا، فهل اختلف الوضع؟

مهاجرون مدللون: هل تصرف مصر مئة دولار على كل لاجئ؟

لم يعد “إغواء الذكر المصري” سهلا على ما يبدو؛ والروائح الكريهة ازدادت جدا، وليس بسبب اللاجئين؛ كما لم يعد هناك أي نشاط لجماعة الإخوان المسلمين، وهكذا لم نعد نسمع كثيرا الاتهامات القديمة الساذجة. اليوم تختلف الأسباب والحجج، التي يقدمها الإعلام حول مشكلة اللاجئين. فمثلا ألقى الإعلامي إبراهيم عيسى مؤخرا، مرافعة طويلة عن ضرورة النقاش حول أزمة اللاجئين، بسبب الأزمة الاقتصادية التي تمرّ بها مصر، مع تأكيده على رفض الدعوات العنصرية.

ثم ظهر الإعلامي أحمد موسى، على قناة “صدى البلد”، ليؤكد مخاطر وجود اللاجئين الاقتصادية؛ وكذلك قال الخبير الاقتصاد مصطفى بدرة، على القناة نفسها، إن “مصر تتحمّل عشرة ملايين دولار في السنة، بحد أدنى، تكلفة إقامة عشرة ملايين أجنبي. أي أن مصر تصرف على كل واحد مئة دولار”.

وكل هذه الادعاءات غريبة من إعلاميين واقتصاديين، من المفترض أنهم محترفون، لأنها لا تميّز بين لاجئ ومقيم، فإذا كان عدد الأجانب في مصر هو تسعة ملايين، فكم منهم ينطبق عليه تعريف اللاجئ؟ وهل يوجد بلد في العالم لا يوجد فيه مقيمون أجانب؟ 

تبعا للمنظمة الدولية للهجرة، فإن نسبة 15% فقط من المهاجرين إلى مصر يمكن اعتبارهم “مهاجرين مستضعفين”، بحاجة لمساعدة عاجلة، وهؤلاء يتلقون بالفعل مساعدات دولية؛ فيما 37% من المهاجرين يعملون في وظائف ثابتة (غير حكومية)، مما يشير إلى أنهم يساهمون إيجابيا في نمو الاقتصاد المصري. كما اعتبرت المنظمة أن المهاجرين من الجنسية السورية، وهم 17% من الوافدين إلى مصر عموما، “من أفضل الجنسيات، التي تساهم إيجابيا في سوق العمل والاقتصاد المصري”. وبالتالي فلا نعرف الطريقة، التي حسب بها السيد بدرة تكلفة المئة دولار على اللاجئ.

قد يمكن القول إن المهاجرين واللاجئين يضغطون على البنية التحتية المصرية، ومؤسسات الصحة والتعليم، ويساهمون في التكدّس السكاني ورفع الإيجارات، ولكن الضرائب، التي يدفعها العاملون، سواء كانوا مصريين أو غير مصريين، تُعتبر “مقابلا” للاستفادة من خدمات الدولة. وإذا كان المهاجرون العاملون، الذين يشكلون نسبة كبيرة، يدفعون الضرائب، فهم يعوضون استهلاكهم للبنية التحتية المصرية.

ربما تواجه الدولة المصرية مشكلة في التصنيفات القانونية للمهاجرين، بين “لاجئين” و”مقيمين” و”عاملين أجانب”، وهي مشكلة يجب حلّها، ووضع تصنيفات دقيقة، إلا أنها ليست مسؤولية المهاجرين أنفسهم. كما أن بقاء الأمور عائمة بهذا الشكل، يسهّل كثيرا من الزينوفوبيا، أي اعتبار “الأجانب” كلهم شيئا واحدا، وكتلة بلا ملامح، تهدد السلامة المصرية.

موكب المومياوات: هل “الكمتية” حركة إحياء قومي

قبل أن يحدث كل هذا الزخم الإعلاني، أصدر مدونون على موقع “إكس” هاشتاغات مثل “ترحيل جميع السوريين واجب وطني”، “ترحيل جميع اللاجئين مطلب شعبي”، “كفاية لاجئين بمصر قرفنا”، “مقاطعة محلات السوريين”، “مقاطعة تجارة اللاجئين”. وبالتأكيد “مصر للمصريين مصر أولى”. أي أن الموضوع بالنسبة لهم ليس مجرد خوف من الضغط على الاقتصاد والبنية التحتية، بل ببساطة رفضا لوجود الأجنبي.

ربما تنبع هذه الظاهرة من فريقين، أحدهم يبدو “لجانا إلكترونية”، أي حسابات وهمية تابعة لجهات ذات مصلحة؛ والثاني مكوّن من حسابات حقيقية، لناس تُعرّف نفسها على أنها قومية الانتماء.

قد يبدو هذا غريبا أو مضحكا، ولكن بالفعل أصبح من الممكن الحديث عن “يمين قومي متطرّف” في مصر،  يتحدث عن “قومية كمتية”؛ ويطالب باستخدام “اللغة المصرية” رسميا بدلا من اللغة العربية. وقد تصاعد حضور هذا “اليمين” بعدما عُرف بـ”موكب المومياوات”، في نيسان/إبريل 2021. أي الاحتفال الذي أقامته الدولة المصرية، بمناسبة نقل مومياوات قديمة إلى المتحف المصري، وسط مظاهر احتفاء بالتاريخ الفرعوني. 

قبلها، في عام 2020، طالب وزير الآثار السابق زاهي حواس، بتدريس اللغة المصرية القديمة في المدارس، وإن كان من غير المفهوم بالضبط ما اللغة المطلوب تدريسها، القبطية المعاصرة؟ أم إحياء للغات ميتة، كانت سائدة في عصور سابقة؟ وأي من تلك اللغات الميتة بالتحديد؟

صفحات “القومية المصرية”، و”أبناء كيميت”، تطالب المصريين بـ”الحفاظ على الهوية”، دون تحديد فعلي لهذه الهوية، هل المقصود هوية أثرية، من النوع الذي يكتشفه علماء الآثار، ويجده خبراء المصريات في البرديات؟ أم إعادة تأسيس حديث، لما يُظن أنه الماضي الفرعوني، على طريقة “موكب المومياوات”؟

إذا عدنا لكتاب “الجماعات المتخيلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها”، للكاتب بندكت أندرسن، فسنجد أن عمليات التأسيس والأحياء القومي قامت على أساس جهد ثقافي وسياسي كبير، على مستوى اللغة والتعليم والإعلام، وبناء المؤسسات التمثيلية والجماعات السياسية. وغالبا ما أنتج القوميون “لغات” بأكملها، عبر الأدب والصحافة والشعر؛ وأنشأوا أحزابا ومؤسسات اقتصادية. أما إنشاء قومية على أساس ترجمة كتب، مثل “مزرعة الحيوان” و”العجوز والبحر” إلى “المصري” (أي لهجة القاهرة)؛ وتأسيس صفحات على مواقع التواصل، مثل “أبناء كيمت”، فهو أمر غريب بعض الشيء. إن لم يكن مضحكا، ولا يمكن مقارنته حتى بجهد أنصار القومية الفرعونية المحدود، قبل ثورة يوليو 1952.

ربما ما تشترك به “القومية المصرية” المعاصرة، مع حركات الإحياء القومي الجديّة، هو فقط عداؤها للآخر، وهذا ما يحدث الآن تجاه اللاجئين، إلا أن المثير للشفقة أن الموضوع بدأ بصراعات من نوعية: الشاورما المصري أفضل من الشاورما السوري!

قد يكون كل هذا جانبا من الانحطاط الذي نعاني منه الآن في المنطقة بأكملها، فوسط الانهيارات الشاملة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، يتمسّك البعض برموز ثقافية غير متقنة، وأي شكل من أشكال التعصّب الممكنة، للتعويض عن معاناتهم، عبر أوهام السيادة، والحضارات العظيمة الزائلة، وأستاذية العالم، والإيمان بأن الرجوع إلى الوراء أفضل كثيرا من التقدم إلى الأمام

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
2.8 14 أصوات
تقييم المقالة
3 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات
احمد
2 شهور

شغل فخفخينة❤️

Reham
2 شهور

🙏🏻♥️

سوسن الجندى
2 شهور

اعتقد انها محاولة لعزل مصر عن قوميتيها العربية والإسلامية حتى يسهل تقسيمها لمحافظات تكون دول مستقله وبالتالي تصبح اسرائيل اكبر دولة فى المنطقة