تجربة الزحام: كيف يُشكِّل الوجود في المدينة أجسادنا وحواسنا؟

تجربة الزحام: كيف يُشكِّل الوجود في المدينة أجسادنا وحواسنا؟

“لا ينتهي الإنسان بحدود جسده، أو المنطقة التي يتألف منها نشاطه المباشر. بل إن نطاق الشخص يتشكّل بمجمل الآثار المحيطة به”.

 جورج زيمل

ضوضاء محركات، عوادم خانقة، أجساد متزاحمة، وسيل من اللوحات الإعلانية. لطالما كان السير في مدينة مزدحمة، مثل القاهرة، أو الدار البيضاء، أو بغداد، نشاطا باعثا على الشعور بالضآلة، إذ كيف للفرد أن يستوعب حجمه، مقارنة بالشوارع من حوله؟ محاولة “الاستيعاب” هنا لا تبدو سؤالا اختياريا، أو لدواعي التسلية والترف الفكري، بل تفرض نفسها فرضا.

يزداد الأمر سوءا في ظل الفوضى الحسيّة، التي يعيشها المرء في المدينة المزدحمة، حيث تقتحمه ألوان وأشكال وأصوات وروائح عديدة، لدرجة أنه يفقد القدرة على التمييز بينها، وتقفز إلى إدراكه، بشكل عرضي، مُفاجئ، وغير موجّه. لا يمكننا إذن اختبار التواجد في المدينة بشكل خالٍ من المحفزات الحسية، ففي كل خطوة يُستهدف جسدنا بطريقة ما.

بهذا المعنى، يمكن اعتبار “المشاريع القومية العملاقة”، التي تقيمها السلطات العربية، مثل الجسور والأنفاق والشوارع العريضة، أشبه بإعادة انتاج لأجسادنا في الفضاء المكاني. وربما هذا هو سبب الاستغراب والصدمة والرعب، الذي نشعر به كلما نرى جسرا ضخما جديدا، بني على انقاض ضوضاء منطقة عشوائية، سبق أن تأقلمنا معها بالكاد. 

هنالك كثير من النصوص حول الكيفية التي تصنع بها المدينة، وتنميتها الحضرية، حياتنا الاجتماعية، ولكن ماذا عن أجسادنا نفسها؟ كيف تنشأ علاقاتنا معها، ووعينا بها، وسط فيض المؤثرات الحسية التي تخترقنا؟ وهل هذه المؤثرات عفوية أو عشوائية، أم أن وراءها نظاما أكثر تعقيدا مما نتصوّر؟

تجاوز الثنائية: الجسد من المشرحة إلى المدينة

لم يتعرّف الإنسان على جسده خارج التفاسير البيولوجية إلا مؤخرا، فنظرا لإرث الفلسفة الديكارتية الثنائية، التي فصلت العقل عن الجسد منذ مطلع العصور الحديثة، دُرِسَ كل منهما في سياق منفصل، بل وانفصلت العلوم بناء على ذلك، بين “علوم طبيعية” و”علوم إنسانية” أو اجتماعية. كان الجسد عادةً مادة تشريحية، وجانبا من “العلوم الطبيعية”، ولا مكان له في التحليل الاجتماعي، الذي اهتم باللغة والوعي و”الروح”. هكذا بقي الجسد محاصرا في أروقة المستشفيات والمعاهد الطبية والمشارح، يُدرس فيزيولوجيا وباثولوجيا.

إلا أن هذه الهوة بين الجسد والعقل، على المستوى العلمي، سرعان ما بدأ تختفي مع تطور العلوم الطبيعية والاجتماعية. فبدأ علماء الطبيعة يبحثون بعمق أكبر في الأصول العصبية والدماغية لـ”العقل” واللغة؛ فيما أخذ الباحثون الاجتماعيون يهتمون بالحضور الجسدي للبشر، سواء في المنظومات الاجتماعية، أو عمليات إنتاج المعرفة.  

يذكر الدكتور حسني إبراهيم عبد العظيم، المختص بعلم الاجتماع الطبي، في مقالته “موجز تاريخ سوسيولوجيا الجسد”، أن بوادر الاهتمام بالجسد، بوصفه موضوع تأمل سوسيولوجي، كانت في القرن التاسع عشر، وهو القرن الذي يصفه الفيلسوف الفرنسي جون ميشيل برتلو بـ”قرن الاهتمام بجسد العمّال”، وما يعيشونه في ظل ظروف العمل القاسية، التي أدت للاستنزاف المبكّر لقواهم، ولمعاناتهم من الأعطاب، والتشوّهات.

أما على المستوى العربي فيؤكد عبد العظيم: “منذ عقدين فقط من الزمن كان الباحث العربي ما يزال غارقا ومستغرقا في دراسات وأبحاث تقليدية، تتصل بالمرأة والجنس، وتنحو في غالبها منحى أيديولوجيا، من غير أن تنسج لنا تاريخا للجنس، أو دراسات جهوية معمقة عن الخطاب حول المرأة في هذه المرحلة أو تلك… وحين انبثقت الدراسات الأولى عن الجسد في الثقافة العربية، من منظور أنثروبولوجي وفلسفي وسيكولوجي، ولو بشكل محتشم، كان ذلك أشبه بالتحوّل الثقافي، إذ كان ذلك في نظرنا دخولا فعليا في حداثة ثقافية، تتكفّل بشكل أكثر عمقا بمجمل القضايا، التي تخترق جسد المجتمعات العربية”.

هكذا بات الجسم الإنساني موضوعا أساسيا في علم الاجتماع، وتم افتكاكه من “أسر” المؤسسة الطبية، فما الذي يمكن أن نلاحظه، عندما نضع ذلك الجسم في سياق المدينة؟

سوسيولوجيا الجسد: لماذا تملأ “المشاريع القومية” أعيننا؟

بدأت، مع انطلاقة القرن العشرين، صياغة سوسيولوجيا غير منتظمة للجسد في المدينة، وذلك عبر دراسات متفرّقة، تتجاوز فكرة المجتمع المنفصل عن الأفراد الذي يكوّنونه. من أبرز الأسماء في هذا المجال عالم الاجتماع الألماني جورج زيميل. الذي ركّز على التفاعل الحسّي للإنسان مع الفضاء المديني، فبالنسبة له، تمرّ الحواس بمجموعة “نابضة” من التجارب في المدينة، وبالتالي يحتاج التحليل الاجتماعي الحديث إلى ربط دراسة البنى الاجتماعية المجرّدة بدراسة المستوى الحسي المباشر للأفراد. “لن يتمكن المرء بعد الآن من اعتبار الحساسية لا تستحق الاهتمام، فهناك خيوط غير مرئية، تُنسج عبر الأشخاص، يجب فهمها، إذا رغب المرء في فهم شبكة المجتمع“. يقول زيميل.

كل حدود تفرض على الجسد تعسفية وعشوائية، بالنسبة لزيميل، لأن “الفرد جبهة بلا حدود”. فالمساحة بحد ذاتها لا تُنتج أي تأثير على الإطلاق، بل العلاقة بين الناس هي التي تعطيها المعنى. والتقارب بين البشر ليس نتيجة القرب المادي، تماما كما أن المسافة الفيزيقية ليست سبب الشعور بالاغتراب والانعزال. وبالتالي، فإن “التأثيرات المتبادلة” بين الناس، هي التي تمنح المعنى لمساحة ما. وفي المدن الكبرى يتقارب الناس فيزيائيا بشدة، بل يلتصقون ببعضهم بسبب الازدحام، لكن هذا التقارب لا يعني القرب الاجتماعي، بل على العكس، يُموّه هذا التقارب بسبب “المجهولية”، أي جهل الناس المتلاصقين ببعضهم، ما يُنتج مشاعر عدة، تشمل اللامبالاة، وفي الحالات القصوى، التراخي.

يناقشَ زيميل كيف يتم، وسط هذه “المجهولية”، إنشاء نوع من العلاقات بين الناس، عبر الحواس. ويقترح أنها تتراوح من تبادل النظرات، والايماءات، والمعاني المنسوبة إلى الوجه؛ مرورا بالانطباعات الشميّة، وانطباعات السمع؛ وصولا للاقتراب الحسّاس في المساحات المشتركة. باختصار، وجود شخص آخر مجهول، في مساحة ضيقة، له تأثير حسّاس يتجاوز “حدود الجسم”، والمسافة نفسها تكون “ممتعة” على وجه اليقين لبعض الناس، و”غير سارة” للآخرين. فتلك الحساسية مبنية اجتماعيا، ولا تحددها خصائص الجسم الفردي فحسب.

بالإمكان هنا ملاحظة “العداء” النابع من فوضى المدن المزدحمة، هنالك من يضايقوننا بهيئاتهم وروائحهم وأصواتهم. فمع غياب التمايز الفردي للأشخاص، الذين نلتقيهم في الزحام، نشعر أن تجربتنا تجاه الآخر “بدائية” للغاية، وكأننا مجرّد كائنات تقوم بردود أفعال على أساس التحفيز الحسّي. إلا أن تلك “البدائية” ليست بريئة أو “طبيعية” جدا كما نتخيّل، بل لها، في الوقت نفسه، دلالتها الطبقية والثقافية والجندرية. وكأنه كلما جعلنا الازدحام بدائيين أكثر، يربطنا بعمق التحيزات والهرميات الموجودة في أيديولوجياتنا السائدة. 

لا يقتصر الموضوع على علاقتنا بـالآخر الفرد، بل علاقتنا مع السلطة نفسها، التي تركّز أساسا على أعيننا في الفضاء الحضري، وربما لذلك نجد أن “المشاريع القومية”، تزداد ضخامة مع الوقت، ويتم التركيز على “أكبر” كل شيء: أكبر جسر، وأكبر مئذنة، وأكبر مبنى إدارة حكومية. يصبح السؤال هنا: ما حجمك الحقيقي، وحجم الآخر، الذي تتفاعل مع هيئته ورائحته وصوته، أمام كل تلك الضخامة البصرية للسلطة؟ وكأن التفاعلات الحسيّة كلها، بما فيها من تمييز وقرف وانجذاب، محكومة بـ”الكبير”، الحاضر بشكل مادي/معماري، لا يمكن للعين أن تخطئه.

الحصار السمعي: ما الصوت الوحيد الواضح في المدينة؟

لا يقتصر حضور السلطة على البصر، بل هي موجودة بقوة سمعيا، فالضجة الكبيرة للمدينة لا يمكن أن تبقى عشوائية دائما، وليست مجرد أصوات سيارات أو أغانٍ أو لغط غير مفهوم، تذوب في بعضها، بل غالبا ما يطغى على كل هذا صوت واضح المعالم، وواضح العبارات: شعارات وأغان وطنية؛ أذان وابتهالات دينية؛ دقات ساعة مبنى من المباني الحكومية؛ نداءات مذيعي محطات القطارات؛ شرطي يهتف شيئا ما للمارة عبر مكبّر صوت، ولن تستطيع أبدا تجاهل صوته، أو تدعه يذوب في باقي الأصوات.

خلال ثورات العبيد في أميركا، استُخدم قرع الطبول لتحفيز المتمرّدين، وإرسال إشارات للبدء والانتهاء من المهمات، مما ربى وعيا عند المُلاك بمنع العبيد من استخدام الآلات الصوتية، مثل الطبول والأبواق، كما يذكر الباحث البريطاني ديفيد هندي، في كتابه “الضجيج: تاريخ إنساني للصوت والإصغاء”.

وبعيدا عن استخدامات الصوت، بوصفة أداة للمقاومة أو القمع، فهناك شعور عام بالحصار، ينتاب المرء أثناء المشي في الشوارع المزدحمة، بسبب الفوضى السمعية، وربما كان أحد أهم أسبابها أصوات المحركات، الأمر الذي أصبح، خلال العقود الأخيرة، مصدر قلق المواطنين في المدن الأوروبية، مما دفع بعضهم للانخراط في حِراك اجتماعي، ينادي بمدنٍ قابلة للمشي “walkable cities”، تهتم بالبيئة، وتؤمّن قابلية الوصول إلى المواصلات العامة، بل واقتراح تحويل مناطق بعينيها إلى متاحف مفتوحة. صدى هذه الاقتراحات وصل إلى مصر نفسها، عبر تحويل منطقة وسط القاهرة مثلا إلى متحف مفتوح. ولكن هذه الرفاهية تبدو خيالية للغاية. ماذا مثلا عن “العاصمة الجديدة”، وكل ما يوصل إليها من جسور وطرق سريعة، صُمّمت أساسا للسيارات ذات المحركات الكبيرة؟

طبقية الروائح: ما معنى أن تختلف نظافة المنزل عن قذارة الشوارع؟

في كلّ مساحةٍ مشتركة، تنشط حاسة الشمّ، مثل طيف خفي، أو تواصل عن بعد، مجهول المصدر، ولكن بإمكانه خلق هوية جمالية واجتماعية للمكان. وتشترك مع حاسة اللمس في كون وصولها إلينا دليلا على الالتصاق، واختراق مساحتنا الشخصية بشكلٍ أكبر.

الشم حاسة مُفَكِكة، مرتبطة بالصد أو الجذب. يمكن فهم هذا مثلا من خلال التفكير بنوع “التواصل” الذي يخلقه شم روائح البول تحت الجسور العملاقة، أو العوادم الخانقة على الطرق الممهّدة ذهابا وإيابا.

يرى عالم الاجتماع البريطاني جون آوري أن التمايزات، التي يخلقها التواصل عبر حاسة السم، أصبحت أكثر وضوحا خلال القرن العشرين، حين تم نشر الوعي بالنظافة المنزلية بشكل غير متساوٍ، مما عزز المواقف الطبقية للتفوق الاجتماعي والأخلاقي القائم على الرائحة، التي ترتبط حسيا بعوامل جمالية، فالرائحة الجميلة توحي، إضافة للنظافة، بترفٍ اجتماعي وطبقي ما، فيما الروائح “العضوية” توحي بالفقر والهمجية. تنتشر في مصر مثلا لافتات “ممنوع التبوّل” في مواقف انطلاق الباصات نحو مدن وأرياف الأقاليم. 

يمكن فهم هذا بشكل أكثر وضوحا عبر تجربة خاصة هي تجربة السجن. إذ يذكر الباحث المصري أحمد عبد الحليم أنه في أيام اعتقاله كان يُفرض على المساجين، بسبب ظروف المعتقل وأوقات التريض المحدودة، تحمّل رائحة الفضلات التي تعلق في الزنزانة، مما يزيد من نفور أفراد المجتمع الصغير في الزنزانة من بعضهم، واستشعار السلطة المهيمنة والمتحكّمة بكل تفاصيل وجودهم. فالسلطة تتحكّم أيضا بالروائح النظيفة أو المقرفة، وعندما تغضب على المساجين، فسيعني هذا كثيرا من الروائح السيئة.

إلا أن تجربة الروائح والازدحام لا تقتصر على الشوارع الفقيرة أو الزنازين، فهي موجودة أيضا داخل الأماكن “الراقية”، مثل الكومبوندات المسوّرة أو الملاهي الليلية الفاخرة. الرائحة السائدة هناك غالبا ما تكون مدروسة، للتعبير عن هوية معيّنة، أما بروز رائحة غير مرغوب بها فيعني اختلالا خطيرا في الهوية الطبقية للمكان.

نهايةً، فإن المدينة، بسماتها الحداثية وضوضائها الحسيّة، لا تُنتج تجربة مريحة وصحيّة، فكثافة المحفزات تسبب إزعاجا وإرهاقا مستمرا لسكانها، وتعيد تقييدهم، حسيّا وليس فقط فكريا، بمواقعهم الاجتماعية. وربما كانت محاولات استعادة السيطرة على الفضاء الحضري، من قبل ساكنيه، شديدة الضرورة، لتحسين كافة الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

وإلى حين أن نصل إلى مدن أكثر قابلية للحياة الإنسانية، وشوارع صديقة للمشاة، وأقل قدرة على إنتاج الهرميات والتمايزات الاجتماعية، فربما يجب أن نفكر بعبارة نيتشه: “اصغوا إلى صوت الجسد”. ولكن بالطبع بكثير من التشكك. كل هذا الإرهاق والتوتر الذي نعيشه ليس هو “الطبيعي”، كما أن ردود فعلنا الغريزية وسط الزحام، قد لا تكون إلا تكريسا لكل الظروف، التي تسحقنا تحت وطأتها. 

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
4.8 5 أصوات
تقييم المقالة
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات