فلسفة الكايفيب: لماذا نحب “الواقع الزائف” في المصارعة الحرة؟

فلسفة الكايفيب: لماذا نحب “الواقع الزائف” في المصارعة الحرة؟

“لا شيء يثير الجمهور أكثر من ركلة مضخّمة، توجه إلى قذرٍ مغلوب”

رولان بارت

تعرّف أغلبنا على مباريات المصارعة الحرة عندما كان طفلا، سواء على القنوات التلفزيونية، التي كانت تشتري حقوق عرض المباريات، تزامنا مع ميعاد أعرضها الأساسي؛ أو التي كانت تعيد عرض مباريات قديمة بتعليق عربي، يُعرّب أسماء الحركات التي يؤديها المصارعون، أو حتى أسماءهم، فصرنا نسمع عن “سانتا كلوز” و”أمنا الغولة” و”أبو رجل مسلوخة”. معظم المشاهدين المخلصين للمصارعة الحرة لا يعتقدون أن ما يشاهدونه “حقيقي”، أو أنه رياضة من الأساس، وهذا لا يقلّل من استمتاعهم به، على عكس ما يظن نقّاد المصارعة ومنكروها، فكون كل ما يحدث في الحلبة مُحدّدا مسبقا لا يعني أنه “مزيّف” ببساطة. وهذا ما يجعل المصارعة الحرة مثيرة للتأمّل، خاصة علاقتها بمفاهيم مثل الحقيقة والأداء. إذ يرى البعض أنها قادرة على “التلاعب بالواقع” بكل وعي، على خلاف كثير من الأعمال الفنية، التي تحاول إحفاء لا واقعيتها، من خلال إدماج المشاهد في أحداثها.

في عام 1954، وأثناء زيارته لأميركا، كتب الفيلسوف والناقد الفرنسي رولان بارت، بعد مشاهدته عرض مصارعة: “المصارعة ليست رياضة، بل فرجة، ميزتها أن جوهرها المبالغة. ففي مشهد المصارعة نرى تفخيما، يشبه ما كان يجري في المسرح القديم”.

يعيد هذا المصارعة إلى سياقها الحقيقي: عرض ترفيهي، متقاطع مع الفن والأدب والمسرح والأساطير وفن القص. وهي بشكلها الحالي أقرب لمسلسل “صراع العروش” وأفلام “هاري بوتر”، منها إلى أسلافها من الرياضات “الحقيقية”، مثل المصارعة الرومانية، أو مصارعة الصيد Catch Wrestling. لكنّ عشاق المصارعة يجدون أنفسهم دائما مجبرين على الدفاع عن شغفهم، بعكس متابعي الأفلام والمسلسلات.

السؤال الأهم هنا: لماذا نهوى كل هذا التزييف الصريح؟ هل نحن تافهون لهذه الدرجة؟

ربما كان ما يتفاعل معه البشر، ويؤمنون به رغم زيفه، أكثر تعقيدا بكثير مما نظن. هل المصارعة الحرة وحدها من ينتج لنا أبطالا زائفين، نشجّعهم ونتفاعل معهم ونتمنى نصرهم بكل إخلاص، رغم علمنا، الصريح أو الضمني، بأنهم مزيفون؟ وهل المصارعون مجموعة من المخادعين حقا؟ ثم ماذا يعني “الزيف” في المصارعة؟

يرى عشاق المصارعة حقيقتها بشكل مختلف عن الآخرين. “كلمة “ملفقة” كلمة سيئة في استخدامها هنا، لأنها تعني شكلا من التزييف أو محاولة التضليل… شخصيا لا أعتقد أن هذه هي المصارعة. أعتقد أن هناك طبقات من الواقع في المصارعة، تجعل منها ظاهرة رائعة حقا”، كما يقول الفيلسوف البريطاني دوغلاس إدواردز، في كتابه “فلسفة سماكداون” Philosophy Smackdown. ما الذي يعنيه حقا؟

من تاريخ المصارعة: متى انفصل الأداء عن الرياضة؟

تطورت المصارعة الحرة في القرن التاسع عشر، من تقاليد المصارعة الشعبية، التي ظهرت على هيئة نمطين من الرياضات التنافسية المنظّمة: “مصارعة الصيد” و “المصارعة اليونانية الرومانية” (على أساس التقاليد البريطانية والأوروبية القارية). وهذان النوعان توحّدا تحت اسم “مصارعة الهواة”، مع نشأة الألعاب الأولمبية الحديثة في أواخر القرن التاسع عشر.

تغيّرت طبيعة تلك الرياضة، في القرن العشرين، بسبب المصالح المتنافسة لمجموعات المراهنات على النتائج، ما جعلها تميل أكثر للاستعراضية والبهرجة؛ وفي الوقت نفسه، استقطب مروجو عروض السيرك في أميركا المصارعين إلى خيم عروضهم، لتصبح المصارعة عرضا “رياضيا”، ملحقا بما يقوم به مدربو الوحوش والمهرجون ولاعبو الخفّة. كثير من المشاهدين لاحظوا، بمرور الوقت، أن نتائج المباريات كانت محددة مسبقا، مما يجعلها أقرب لمشاهد تمثيلية درامية عنيفة، تدرّ الأموال على منظميها.

وابتداء من العشرينيات بدأ فصل “العمل” Work، أي المصارعة الأدائية التمثيلية البحتة، المُصممة والمنسقة مثل الرقص، وهو ما يسمى “التزييف المعترف به” أو “الكايفيب”  Kayfabe؛ عن المصارعة  التنافسية “الحقيقية”. ثم مرّت المصارعة بتغيرات عديدة على مدار القرن، محاولة مواكبة الاهتمام بها، بوصفها عرضا ترفيهيا، وصولا إلى عصرها الذهبي الثاني، في منتصف ثمانينات القرن، حين تم تغيير طبيعتها بشكل كبير، لتناسب العروض التلفزيونية، فبات التركيز الأكبر على السمات الفردية للمصارعين، وقصصهم الشخصية، لدرجة بات فيها لكل مباراة قصة طويلة، عمّا جرى قبلها وبعدها للمشاركين بها، فصارت أقرب لمسلسلات “الساب أوبرا” Soap Opera TV (مسلسلات ميلودرامية مفرطة الطول).

الواقع المُعلّق: خط إنتاج الأبطال الخارقين

ربما التعريف الأفضل لـ”التزييف المعترف به” أو الكايفيب هو التالي: ممارسة أدائية، للحفاظ على وهم حقيقية وأصالة المباريات، في إطار تنافسية المصارعة؛ وفي الوقت نفسه، الاعتراف بمسرحة وكتابة الأداءات المقدمة، على عكس الرياضات “الحقيقية”.

وقد صار المصطلح شائعا ومتداولا عام 1989، عندما اعترف فينس ماكماهون، رئيس أكبر اتحاد مصارعة في الولايات المتحدة، أمام مجلس الشيوخ في ولاية نيوجرسي، بأن المصارعة الحرة ليست رياضة تنافسية، وكثير مما يجري فيها ملفّق ومعد سابقا. هذا الاعتراف لم يؤثّر على شعبية اللعبة، بل على العكس، بدأ عصر الكايفيب الذهبي، إذ يتواطأ المتفرجون مع معدي المباريات ومؤديها، لخلق نوع من المشهدية، التي تذيب الفارق بين الحقيقة والخيال.

عندما نشاهد المصارعة الحرة، نضع “حقيقية” المباريات والمنافسات بين قوسين، تماما كما نفعل مثلا عندما نتابع النجم ليوناردو دي كابريو في دور مالك العبيد في فيلم “جانغو الحر”. نعرف جيدا أنه شخصيا ليس كذلك، ولكن هذا لا يقلّل من تأثّرنا بما يؤديه في الفيلم من حركات، وما يقوله من جُمَل، بل يمكن أن نكرهه أو نحبه أو نحزن عليه. فعليا لا يمكن أن تكافئنا الأفلام والعروض الترفيهية إلا بحفاظنا على هذا “التعليق” للواقع (Suspension)، والمكافأة هنا هي استمتاعنا بلذة الحبكة الدرامية، ومصائر الشخصيات، والحمولة الرمزية لكل منها.

 وفي حلبة المصارعة الحرة، قد نرى المصارع نفسه بشخصيات مختلفة. فمثلا كان المصارع ستيف أوستن قبل شهرته، يلعب بشخصية “رينج مايستر”، ثم تحوّل تدريجيا إلى “ستون كولد” المتمرّد العجيب. أما المصارع والممثل دواين جونسون، فقد بدأ في الحلبة باسم “روكي مايافيا”، المصارع الشاب المبتسم دائما، إلا أن هذه الشخصية المبتسمة اللطيفة انقلبت إلى “ذا روك” فائق الشهرة، الذي يهواه ملايين المراهقين حول العالم، في أدواره بالسينما وحلبات المصارعة.

ليس المهم التفوّق داخل الحلبة، أو حتى تحقيق التفوّق الجسماني، وإنما خط سير الأحداث ورضا الجمهور، وإن كانت اللياقة الفائقة والعضلات ضرورية لإكمال الصورة.

تشبه المصارعة الحرة، في تسلسلها وطول مدتها، القصص المصورة، فهناك شخصيات تُؤلّف في ورشات كتابة، تماما مثل سوبرمان وبات مان وسبايدر مان. وهذا ليس مجرد تشبيه، فقد تعاون “WWE”، وهو واحد من أهم اتحادات المصارعة، مع شركة “BOOM!” للقصص المصورة، لإنتاج سلاسل قصصية لشخصياته؛ من ناحية أخرى، كثير من المصارعين اصطنعوا شخصيات كانت معروفة سابقا في سلاسل قصص الأبطال الخارقين.

“كن مزيّفا”: هل ما يزال المصارعون مهتمين بخداعنا؟

يفحص دوغلاس إدواردز ما يمكن أن تعلمنا إياه المصارعة عن الواقع والهوية والأخلاق. يقول إن أصول كلمة كايفيب kayfabe غامضة بعض الشيء. ولدى المطلعين بعض النظريات حولها، منها أنها مقتبسة من اللاتينية، ومعناها الأصلي “كن مزيفا”، كما أن لفظها بالإنجليزية له وقع قريب لجملة “be fake”؛ فيما يرى آخرون ان الكلمة مستوحاة من اسم مصارع أسطوري، لم يكن يتحدّث أبدا، اسمه “كاي فابيان”؛ أو أنها كانت عبارة رمزية، يصرخ بها شخص يأتي من الكواليس، كي يدفع المصارعين للحفاظ على شخصياتهم الوهمية.

تم أخذ الكايفيب قبل عام 1989 على محمل الجد، لدرجة أن المصارعين المحترفين غالبا ما ظلوا يؤدون شخصياتهم حتى في الأماكن العامة خارج حلبات المصارعة، فإذا كنت “Heel”، أو رجلا سيئا، فعليك أن تبقى لئيما طوال الوقت، حتى مع معجبيك في الأماكن العامة؛ أما إذا كنت “babyface”، أو رجلا جيدا، فعليك أن تبقى لطيفا دائما. كانت الفروق تذوب بين الشخص والشخصية التي يؤديها داخل الحلبة، وعلى المصارع أن يعيش بوصفه بطلا خياليا طوال الوقت.

إلا أن هذا تغيّر اليوم، وصرنا أمام عملية أخرى شديدة التعقيد، يميل البعض إلى تسميتها Kayfabrication، ربما كانت ترجمتها الأفضل “الانتقال إلى الكايفيب”، أو تصنيعه، أي أن الخطوات التي ينتقل بها المصارع من شخصيته، التي من المفترض أنها “حقيقية”، إلى الشخصية التي يؤديها على الحلبة، باتت واضحة للجمهور. ولكن هل “الأصل” هنا هو “الطبيعي”؛ والأداء هو “المصطنع”؟  

روعة الكايفيب: كيف نصل إلى “الواقع” عبر التزييف؟

يقول إريك واينشتاين، وهو اقتصادي وعالم رياضي أميركي، ومبتكر تعبير Kayfabrication: “ما يجعل الكايفيب رائعا هو أنه يعطينا المثال الأكثر اكتمالا للعملية العامة، التي تنتقل من خلالها فئة واسعة من المساعي المهمّة، من الواقع الفاشل إلى التزييف الناجح. وفي حين أن معظم عشّاق الرياضة المعاصرين يدركون مكانة المصارعة الحرة، بوصفها رياضة زائفة، فإن ما يتذكره قليل من الأحياء اليوم هو أنها تطوّرت من رياضة حقيقية فاشلة، تُعرف باسم مصارعة الصيد catch wrestling، والتي أُقيمت آخر مباراة صادقة لها في أوائل القرن العشرين. كان يمكن أن تستمر المباريات لساعات، دون أية نتيجة مُرضية، أو تنتهي فجأة بإصابات معوقة لرياضي واعد، تم استثمار الكثير فيه”.

المصارعة الحرة إذن حلّت، عبر التزييف، مشكلة “الواقع”، الذي عانى منه مصارعو الصيد. عبر تقديم مُنتَج جذّاب، لجمهور ملّ من المنافسات القديمة، وفي الوقت نفسه نجحت بتقليل المخاطر على المصارعين.

على هذا النحو، يرى واينستاين أن العملية المسماة Kayfabrication، تعبير واضح عن كثير من مناحي وأنظمة مجتمعاتنا المعاصرة، مثل الحرب والتمويل والحب والسياسة والعلوم. في كل تلك المجالات، نطلب استهلاك النموذج المزيّف، الخالي نسبيا من المخاطر، والذي يؤمّن لنا المتعة، أو التسامي الأخلاقي، أو راحة الضمير، أو تفريغ رغبات معيّنة، دون أن ندفع أثمانا اجتماعية أو أيديولوجية باهظة.  

بهذا المعنى فربما تكون المصارعة الحرة أحد “أصدق” مناحي واقعنا المعاصر، أو “الواقع” الأكثر واقعية إن صح التعبير، فعبارة “كن مزيفا”، المُضمرة في مختلف ممارساتنا، يصرخ بها المصارعون بكل وقاحة، بل أصبحت “تزييفا معترفا به”.

جيسي فينتورا، المصارع سابق، والمحافظ السابق لولاية مينيسوتا الأميركية أيضا، أجاب على سؤال: “فيمَ تتشابه السياسة مع المصارعة الحرة؟” بالقول: “السياسة اليوم هي المصارعة، هذا ما أخبر به الجميع، وما أعنيه بهذا أنك ترى الديموقراطيين والمحافظين أمامك، زاعقين أمام الجمهور بمدى كرههم لبعضهم، ولكن بمجرد انطفاء الكاميرات، وعودتهم إلى غرفهم الخلفية، يعودون أصدقاء، ويأكلون معا. تماما مثل المصارعة الحرة: أمام الجمهور، نكره بعضنا، نحطهم رؤوس بعضنا، وبعد المباراة نعود جميعا أصدقاء”.  

يسأله المحاور: “هل تقترح بكلامك أن المصارعة مزيفة؟” فيرد: “ما أقترحه هو أن السياسة مزيّفة”.

من جهتها ترى كاري لين راينهارد، أستاذة التواصل في “جامعة الدومينيكان” بولاية إلينوي الأميركية، ورئيسة جمعية حديثة النشأة، لدراسات المصارعة الحرة، أن سوء فهم الكايفيب هو سبب النظرة الاستعلائية تجاه متابعي المصارعة، إذ ان غير المعنيين بها ينظرون غالبا إلى عشاقها بوصفهم بدائيين.

وتضيف: “ما يزال هناك بالتأكيد تصوّر بأن عشاق المصارعة الحرة هم من أبناء الطبقة الدنيا، وأقلّ تعليما، وأكثر عرضة لاحتضان العنصرية والشوفينية، والتمييز على أساس الجنس، ورهاب المتحولين جنسيا، ورهاب المثلية الجنسية، وما إلى ذلك. غالبا ما تكون هذه الفكرة بسبب الكايفيب، والشعور بأن عشاق المصارعة المحترفين قابلون للخداع، لأنهم يصدّقون ما يرونه. ولكن ما يتناساه أصحاب هذا الاعتقاد أن كل شخص لديه عنصر من الكايفيب في حياته. وأعتقد أن الكايفيب موجود في أي وقت ترى فيه أشخاصا يعملون على تطوير أدائهم، وكيفية تقديم أنفسهم لأشخاص آخرين”.

بهذا المعنى فجميعنا، فقراء وأغنياء، محافظين وتقدميين، منفتحين على الآخر أو عنصريين، من هواة المصارعة الحرة، بل مصارعون في حلبات أوسع بكثير من حلباتها، وأكثر قسوة. وربما ظلم أنصار “الرياضة الحقيقية” و”السينما الجادة” مؤديا مثل “ذا روك” كثيرا.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
4.3 12 أصوات
تقييم المقالة
1 تعليق
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات
Jado
3 شهور

Well done bro ♥️👍😁