أغاني “العلاقات السامة”: هل باتت المجتمعات العربية أقل رومانسية؟

أغاني “العلاقات السامة”: هل باتت المجتمعات العربية أقل رومانسية؟

الأغنية من أهم التعبيرات عن الثقافة المعاصرة، يظهر عليها التغيّر بسرعة، ويصيبها ما يصيب مجتمعها من تحولات في المدلولات والقيم والمفاهيم. وهي بجوانبها الثلاثة الأساسية: الموسيقى والكلمات والأداء، أرشيف حي لفكرة البشر عن ذواتهم وأجسادهم ومجتمعاتهم وعالمهم.

يمكن، بالتركيز على الجانب الثاني من الأغنية، أي الكلمات، استقراء التغيرات المذكورة بشكل شديد الوضوح. وبما أن الأغاني العربية ركزت دائما على موضوعات الحب، والعلاقة بين الجنسين، فيمكن من خلالها فهم كيف تبدلت مفاهيمنا عن الآخر، المساحة الشخصية، الأخلاق العامة.

 فيما مضى كانت الأغاني مليئة بـ”السهد” و”الجوى” و”الألم”، تستعطف الحبيب وتستحلفه أن يرضى، اليوم نسمع نغمة مغايرة تماما، إذ صارت الأغنيات كأنها في سجال مع الحبيب، وتعريفه بحدوده، التي سيلقى الويل والثبور إن تجاوزها. تغيّرت الكلمات من الرومانسية الحالمة، شبه المازوخية، إلى الغضب والتهديد والوعيد، في أغانٍ موضوعها ما يزال الحب. وهذا أمر ملفت حقا، ويستحق التأمل والدراسة. هل انتهت الرومانسية العربية؟ أم أن طبيعتها ولغتها اتخذت أشكالا مختلفة؟ ما التحولات الاجتماعية والثقافية التي أدت لكل هذا؟ ولماذا صرنا نهدد الحبيب، بعد أن كنا نستعطفه؟

استراتيجيات العاطفة: ما المفردات التي نكررها في أغانينا؟

حتى قبل بروز أولى التسجيلات المعروفة، تؤكد أغلبية الوثائق أن الأغاني، التي كانت تؤدى في الأعراس والحفلات، تحدث عن الحب والعلاقات، سواء عبر أداء قصائد الشعر العربي الكلاسيكي، أو شعر العامية. ومع انتشار الأغاني المسجّلة، صار من البديهي أن يكون الحب الموضوع الأساسي.

تكاد الأغاني العربية لا تخرج عن إطار مجموعة محدودة من المعاني، توضّحها دراسة، صدرت عن قسم اللغة الإنجليزية للدراسات التطبيقية، في جامعة العلوم والتكنولوجيا بالأردن، للباحث محمود الخطيب: “معظم الشعراء وكتّاب الأغاني العرب لديهم ميل قوي إلى الاستخدام المكثّف لخمس استراتيجيات رئيسية في الغناء من أجل الحب، وهي: الإطراء، والإغراء، والمعاناة، والشكوى، واللوم”.

يشير الباحث إلى أن الإغراء والإطراء يُستخدم أكثر من قبل المغنيين الذكور، وذلك من أجل “إخبار الطرف الآخر بمدى جاذبيته، وجماله، وذكائه، ولطفه، وأهميته للحبيب، أما اللوم، فإنه يكون غالبا للتعبير عن خيبة الأمل في المحبوب، ومناشدته بالتعامل بشكل عادل. وباستخدام هذا التكتيك يكون المغني قادرا تماما على إبعاد نفسه عن جميع الآثار غير السارة، التي قد تنجم عن الفراق، وبالتالي المساعدة في إرضاء جميع هؤلاء العشاق (مستمعي الأغنية) الذين مرّوا بتجارب مماثلة”.

أما المعاناة والشكوى فهما من أكثر التعبيرات شيوعا في أغنيات الحب العربية، وهو ما عبّرت عنه أم كلثوم بوضوح حين غنّت “أروح لمين”، إذ يوضح الخطيب أنها “لا تعني أنها ستطلب المساعدة من الآخرين، كما أنها لا تتوقع من الآخرين مساعدتها. بل تحاول الاستفادة من الأعراف الاجتماعية والثقافية للمجتمع العربي، حيث يطلب الناس عادة المساعدة بشكل غير مباشر، من خلال الشكوى والمعاناة، لإظهار عجزهم”. وفي المحصلة فقد “أظهرت نتائج هذه الدراسة أن المعاناة والشكوى هما من الخصائص الرئيسية لمعظم أغاني الحب العربية، إذ يميل الأشخاص إلى الارتباط عاطفيا بهذا النوع من الغناء، أكثر من أي نوع آخر… ويُعتقد أن “الحرمان” و”الحاجة” هما العنصران المسؤولان عن تفضيل هذا النوع من الغناء، والذي يُعدّ المجتمع ذاته مسؤولا عن ظهوره”.

شهدت الخمسينيات من القرن الماضي ذروة “الحب”، ولكن مع بداية الألفية الجديدة، أصبحت الكلمة  أقلّ استخداما، فقد قام علماء تحليل البيانات، في “جامعة لورانس التكنولوجية” بولاية ميتشيغان الأميركية، بدراسة كلمات الأغاني، التي نالت الشعبية عربيا، على مدى العقود السبعة الماضية، منذ الخمسينيات حتى عام 2016، وخلصوا إلى أن التعبير عن الغضب والحزن في الموسيقى ازداد تدريجيا مع الزمن، في مقابل انخفاض التعبير عن الفرح. الأمر الذي يعني أيضا أن الحب لم يعد تعبيرا عن السعادة، أو “العذاب الجميل”، بل بات أمرا مثيرا للتوتر والانزعاج.

وعلى الرغم من الانخفاض النسبي في استخدام كلمة “الحب”، ما زالت تتردد بكثرة في عدد كبير من الأغاني الشعبية، الأمر الذي يعني أنها ما تزال هامة، على الرغم مما يرافقها من تعبيرات سلبية. إذ لا يعني التقليل من استخدامها، وقلة ربطها بالألفاظ الإيجابية، ميل المستمعين للابتعاد عن العلاقات. فهي ما تزال موضوعهم المفضّل، ولكنه يريدون من يقدّمها لهم من زاوية أخرى.

الحب والوسيط: لماذا يختلف غرام الراديو عن علاقات السوشال ميديا؟

تُعدّ الأغنية في الأصل تعبيرا جماعيا، وهو ما يؤكده الباحث ليث مارسون بالقول: “يبدو أن الأغاني تؤكد في الواقع قيم المشاعر المشتركة، وليس الشخصية؛ والتجربة المجتمعية والجماعية، وليس الفرد”، وهكذا فإن الأغنية انعكاس للحب بوصفه ظاهرة اجتماعية، كما تقدّم معلومات تاريخية غير مباشرة حول مجتمعها.

وتعتبر الإذاعة أول وسيط، جمع الأشخاص قديما، فقد كانت تنقل رسائل الحب بين العشاق، في برامج كان بعضها يقرأ إهداءات المستمعين، التي كانت ضرورية بشكل خاص في مجتمع يفصل بين الجنسين، ويعدّ الحب فيه قبل الزواج غير مقبول اجتماعيا، ومن غير المرحب إظهاره حتى إن حدث، ومن هنا يبحث المستمعون عن تعويض عبر الأغاني، والتعبير عن مشاعرهم بواسطة إهداءات برامج الراديو، التي غالبا ما تأتي على هيئة رسالة مبطّنة من المحبوب لمحبوبته، بدون أن يشير إليها إلا بالحرف الأول من اسمها.

فيما بعد، ومع انتشار أشرطة الكاسيت، صار تبادل الأشرطة طريقة للتعبير عن الحب، إذ كان المحبون يعبّرون عما يريدون قوله عبر شريط معيّن، غالبا ما يكون “كوكتيل”، يُصنع وفقا لطلبات الزبون.

مع تغير الوسائط، من الراديو وأشرطة الكاسيت، إلى مواقع التواصل الاجتماعي بعد عام 2011، وتوفّر مساحة أكبر نسبيا للقاء المحبين، وبروز قدرات جديدة للأفراد لتصوير أنفسهم، وتقديمها والتعبير عنها، لم يعد المحبّ محروما من حبيبه كما السابق، ولكننا أصبحنا أمام أشكال أخرى من “الحرمان”، فلدينا الآن فرد تضنيه الخيارات، في حب غير مرض، أو غير ناجح، أو “سام”، ولذلك يحتاج إلى شيء جديد للتعبير عنه. وبالتالي فإن صانعي الأغاني سارعوا للتعبير عن الأوضاع المستجدّة، فأنتجوا الأغاني لمن يريد حماية نفسه من “السميّة”، وتحقيق الانتقام، والتهديد والوعيد، والتكبّر وإبراز الذات.

ولكن هل هذه “الحرية” النسبية في عرض الذات تعبّر عن تغيّر فعلي في العلاقات الاجتماعية؟

حروب الأجناس: كيف ظهرت الذكورة والأنوثة في الأغاني؟

في دراسة بعنوان “الموسيقى العابرة للحدود الوطنية والجندرية والشعبية في العالم العربي” لدانا ج. بيبي، توضح الباحثة أنه بتحليل كلمات 500 أغنية، صدرت في المنطقة العربية بين أعوام 2010 و2019، تبيّن أن “الأغاني قد عبّرت عن نماذج التفاعل القائمة بين الجنسين، في العالم الرقمي الحديث”. وتستعين الباحثة بنظريات عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، الذي يؤكد أنه “يمكن الاستفادة من المنتجات الموضوعية والوسائطية لإعادة إنتاج السلطة الاجتماعية، والحفاظ على التسلسلات الهرمية المنظّمة”.

توضح الباحثة أنه “مثل عديد من المنتجات الثقافية الأخرى، قد تسهّل الموسيقى تشكيل هوية المستمع، من خلال إبراز أيديولوجيات مثل أدوار الجنسين، فمن المفهوم عموما أن أدوار الجنسين تتضمّن قواعد موحّدة بشكل جماعي، تملي السلوك الاجتماعي، وغالبا ما يتم التمييز فيها على أساس الجنس”.

وعلى الرغم من تربّع النساء على عرش الأغنية العربية منذ نشأتها، إلا أن الدراسة تؤكد أن صناعة الموسيقى هيمن عليها الذكور دائما، الذين كان لهم دور كبير في تقديم الخطاب المشرعن اجتماعيا: “تاريخيا، كان الرجال هم الجنس الذي يشارك في تطوير هذا المنتج، وما يزال أغلبية مبدعي رأس المال الثقافي العربي المعاصر من الرجال. يمكن أن يرسّخ هذا السرد الجندري، الذي سيتم منحه الأولوية والتمثيل، وإمكانية الوصول، ضمن الخيال الثقافي الجماعي”.

وتخلص الدراسة إلى ان خطاب الأغاني منذ نشأته حتى هذه اللحظة لم يتغيّر في وصف الذكورة، بوصفها مقابلا للسلطة والشجاعة والهيمنة. وإذا كان العالم الرقمي قد أعطى المرأة القدرة على التعبير عن نفسها، فإن  “الفصائل المحافظة في المجتمع قد تقاوم التغيير، بسبب تصوّر مفاده أن زيادة الفاعلية الجنسية، وتغيّر أدوار الجنسين، يشكّل تهديدا للنظام الاجتماعي”.

رغم كل ذلك فإن هذا المنظور لا يفسّر كل ظواهر الأغاني المعاصرة، إذ شهدت المنصات الغنائية ظهور فنانات يغنين خارج الإطار المتعارف عنه، ومن أشهر الأمثلة انتشار أغنية “هشرب حشيش” للوكا، والتي تتحدث عن فتاة، ستخالف كل ما يقوله لها أولياء أمورها، وتتعاطى الحشيش. وقد وجدت الأغنية صدى داخل منصات التواصل الاجتماعي، واستطاعت تحقيق ثمانية ملايين زيارة على موقع يوتيوب، منذ إطلاقها في عام 2018.

حتى فيما يتعلق بصورة الرجل المُحب، من المثير للاهتمام أن المغنين والمغنيات قد أظهروا، على مدار العقد الماضي، ميلا إلى تصوير الرجال على أنهم “ضعفاء”، والنساء “مسيطرات”. وهذا يناقض الفرضية، التي تؤكد أن الرجل هو الجنس المهيمن، والمرأة هي الجنس الأضعف في الخطاب الغنائي. كما تشير نتائج دارسات متعددة إلى أن كلا الجنسين يعرّفان أنفسهما، في كثير من الأحيان، على أنهما ضحايا، ومن جهة أخرى هنالك انتقال تدريجي من صورة الضحية، إلى صورة القوي المنتقم.

المحاكاة الضبابية: لماذا باتت الرومانسية مثيرة للسخرية؟

في مجتمع يحظى بتنوّع الوسائط، بتنا الآن أمام مزيج من الأغاني العاطفية الكلاسيكية، أو “الرسمية” إن صح التعبير؛ وأغاني “الأندرغراوند”، والراب، والمهرجانات. وعلى الرغم من أن جمهور الأغنية “الرسمية” ما يزال واسعا، ولكنّ هنالك اهتماما واسعا ومتزايدا بالنوع الثاني.

في دراسة بعنوان “أغانٍ من الأحياء الفقيرة إلى وسائل الإعلام”، أُجريت على عينة من المستمعين الشباب، توضح الباحثة دينا فاروق أبو زيد أن “جميع أفراد العينة، وهم طلاب جامعيون من المناطق الغنية بالقاهرة، يحبّون الاستماع إلى أغاني المهرجانات، وهم يحبّون الموسيقى أكثر من كلمات الأغاني، ولكن ما يحبونه في الكلمات كلماتها الغريبة والعجيبة (96%)، والأفكار المضحكة (94%)، والموضوعات الجريئة والحرة (82%)، والتي تظهر مشاكل الفقراء (80%)، استخدام اللغة العامية (76%) وتعلّم لغة المناطق الفقيرة والعامية (70%)”.

لا تتحّدث كلمات الراب أو المهرجانات عن موضوع واحد، فالحب أحد موضوعاتها، ولكن ليس جميعها، وهي تقارب الموضوعات القديمة للقصيدة العربية في العصر الجاهلي، ففيها الفخر والرثاء والحنين والهجاء. وقد أثّرت حتى على الاغنية “الرسمية”، التي تستعير بعضا من سماتها أحيانا، وتطعّم نفسها ببعض مظاهرها، كي تحافظ على استمراريتها. وبالتالي فإن “الحب” الرومانسي القديم بات نوعا من سذاجة أجيال، محدودة المصادر والوسائط؛ وعالم اجتماعي راسخ الخطاب الأيديولوجي، لم يعد موجودا اليوم.

ما يحاول معظم مغنيات ومغني اليوم تقديمه لجمهورهم هو تعبير عن عالم غير واضح المعالم، مليء بالعلاقات العابرة وغير المستقرة، والتنافس؛ والرغبة في التعويض عن خيبات حياتية متراكمة؛ والقدرة غير المتناهية على تصوير الذات وإبرازها؛ والخوف من الآخر، سواء كان من جنس مختلف، أو طبقة أخرى، واشتهائه في الوقت نفسه؛  فضلا عن مواكبة إنتاج موسيقي عالمي شديد الاتساع والتنوع، لا يبدو مرتبطا بأي بيئة محلية فعلا، بل أقرب لمحاكاة أصول غير موجودة. إنها “محاكاة المحاكاة”، التي اعتُبرت في القرن الماضي نموذجا لـ”الفن الطليعي”، ولكنها اليوم باتت العادي و”المينستريم”.

هل صار العرب أقل رومانسية إذن؟ ربما نعم، إذا قرأنا الأغاني السائدة حتى عام 2023، وفي الوقت نفسه باتوا أكثر غضبا.    

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
4.4 7 أصوات
تقييم المقالة
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات