فيلم “وداعاً جوليا”: في جماليات “الكذبة السودانية” الكبيرة
تحذير: هذه المقالة قد تحوي تفاصيل “تحرق” أحداث الفيلم
من الجمل الشهيرة، التي تتردد كثيرا في اللقاءات التليفزيونية، السياسية والثقافية: “التاريخ يكتبه المنتصرون”، بالتالي يحتّم عليك التفكير النقدي دائما عدم الثقة في التاريخ، وأي رواية أحادية أو سلطوية عنه، وكلما كان التاريخ قديما، كلما كانت احتمالية تحريفه وتغيير حقائقه أكبر. ويبدو أنه في الوقت الحالي يتم تحريف الوقائع، تماما مثلما يُحرّف التاريخ، فالأحداث الحقيقية المصوّرة، التي تحدث الآن وهنا، أو في أماكن قريبة، ستجد لها روايات مختلفة، تستطيع حتى تزييف معنى الصورة.
السودان كان أحد مواطن ذلك النوع من الروايات المتعارضة عن التاريخ، وحرب التأويل حول الصور، خاصة منذ العقد الأول من الألفية الجديدة، الذي تصدّرته قضية انفصال جنوب السودان، بعد سنين من حرب متوحّشة، قتلت وهجّرت الملايين، وانتهت بتصويت الانفصال، تحت رعاية الأمم المتحدة.
الفن السينمائي يعمل بدوره ضمن إطار تعددية التأويلات والروايات عن التاريخ، ولكن دون ادعاء امتلاك “الحقيقة”، بل يقّدم قراءته من زاويته الخاصة. وفي هذا العام، وبعد أكثر من اثني عشر عاما على الانفصال، يقدم لنا المخرج السوداني محمد كردفاني فيلم “وداعا جوليا”، من إخراجه وتأليفه، والذي تدور أحداثه في الفترة الأخيرة من تاريخ الصراع بين الشمال والجنوب. ومن المُلاحظ أن الفيلم لاقى شعبيةً جماهيرية لدى عرضة في مصر، ليس فقط من قبل المهاجرين واللاجئين السودانيين الكثر في البلد، وإنما أيضا من قبل المصريين أنفسهم.
يستخدم كردفاني أبطاله، ومكوناتهم النفسية، ودوافعهم وخلفياتهم، لرسم صورة عن الصراع السوداني، ومع أن الفيلم مبني على أحداث سياسية، هي المحرك الأساسي لتصاعد الأحداث، إلا أن المسيطر الأكبر على صورته هو الأبطال بوصفهم أفرادا؛ أو بعبارة أخرى، يمكن النظر لشخصيات العمل بوصفها وجها آخر للصورة السياسية في المجتمع السوداني، وهو مجتمع انقسم فعليا، في عاداته، دينه، لونه، أفكاره، قبل انقسامه السياسي والإداري.
في الصورة التي رسمها كردفاني عبر فيلمه، ستحصل على تحليل مبدئي لتاريخ السودان القريب، لأن كل بطل من أبطال العمل يمثّل فصيلا معروفا في المجتمع السوداني المتشظّي. فهل أوقع هذا الفيلم في النمطية والرمزية المباشرة؟ أم أنه ما يزال مفتوحا على طبقات متعددة من القراءة والتلقي؟ وما سر شعبيته في دور السينما المصرية؟ هل بات الجمهور المصري من هواة “أفلام المهرجانات”؟
تدور أحداث الفيلم حول منى (ايمان يوسف)، وهي امرأة شمالية مسلمة، تعيش مع زوجها في الجنوب، وهو من الشماليين المقيمين هناك. يظهر من المشهد الافتتاحي مدى عدم انتمائها للمكان. ونفهم، مع تطور الأحداث، أنها تنازلت عن شغفها وحبها للغناء، حتى لا تفقد زوجها.
ذلك الزواج، الذي لا يبدو عليه أي من معالم السعادة والتفاهم والتوافق، يرمز بوضوح للانشقاق والفتور بين السودانيين، سواء كانوا من سكان أقاليم مختلفة، أو أبناء الإقليم نفسه. كما يقدّم الاغتراب، بوصفه أحد أهم أسس الوجود السياسي السوداني الحديث.
يظهر في كل موقف، يجمع منى بزوجها أكرم (نزار غوما)، الاختلاف بينهما، فيما يتعلق بجميع القضايا السياسية والاجتماعية. تكذب منى على أكرم، وتذهب لحضور حفلة غنائية لفرقتها السابقة، التي منعها أكرم من متابعتها، وفي طريقها تصدم بسيارتها الطفل الصغير دانييل، أمام والده، الذي يقرر محاسبتها على فعلها، يرعبها ذلك فتهرب، وتخبر زوجها أن هناك جنوبيا يطاردها. مجرد سماع جملة: “جنوبي يطاردني يا أكرم!”، كان كفيلة بجعل الزوج يصوّب فوهة سلاحه في وجه الجنوبي، أبو الطفل، ليقتله بدون تردد.
تبدأ هنا رحلة منى مع الإحساس الذنب، الذي سيجعلها تبحث عن أم الطفل، جوليا؛ ويصل بها الأمر إلى أن تأويها في منزلها، مع ابنها المصاب، بصفة خادمة. يلازم الكذب منى دائما، تغيّر الحقائق بلا توقّف، خوفا من العواقب، مثل تمسّكها بالغناء، جريمتها بحق الطفل ووالده، أو حتى هوية السيدة التي جلبتها إلى منزلها.
تتطور مع الوقت صداقة قوية بين منى وجوليا (سيران رياك)، تفعل الأولى كل ما بوسعها لتعويض الثانية عما فقدته بسببها. للوهلة الأولى، نتعاطف مع منى، فهي سيدة تعيسة، لا تدري معظم ما تريده من الحياة، ولا تحصل على ما تعرف أنها تريده. تعيش في واقع اجتماعي، تظن أنها ترفضه وترفض قسوته، ولكنها، مع ذلك، جزء منه، ومستفيدة منه بشكل أو بأخر، تجد نفسها أمام موقف صعب نفسيا، ولذلك تختار الكذب. لكن هذا التعاطف سرعان ما يتبدد مع تصاعد الأحداث، بسبب ما يبدو من شخصيتها النرجسية، التي، وحتى المشهد الأخير، تظن أن العالم كله يدور حولها، وحول ما تريد فقط، تمرّ الأعوام دون أن تفكّر بمصارحة جوليا بالحقيقة، اعتقادا منها أن كل الأمور مستقرة.
وبالتفاعل مع تناقضات منى، يتضح لنا بالتدريج أن البطل الحقيقي للفيلم هو جوليا، الفتاة الجنوبية، التي لم تكن تريد سوى حياة بسيطة، كانت تعيشها مع زوجها الذي تحبه جدا، وطفلها الذي تقلق عليه من المستقبل الذي ينتظره، في بلد سيُنادى فيه بـ “العبد” طوال عمره، بسبب جذوره الجنوبية.
الرمزيات أكثر من واضحة هنا، منى هي فئة من المثقفين والناشطين السياسيين السودانيين، من الطبقات الأقل فقرا؛ أكرم هو النظام الحاكم، العسكري/الإسلامي، في السودان؛ أما جوليا وزوجها وابنها فهم الفئات الأكثر معاناة من الجنوبيين. وسيظهر، ضمن هذه الشبكة الرمزية الواضحة، عامل جديد، يقلب الأمور في النصف الثاني من الفيلم.
يبرز جوني، الجنوبي المتمرّد، المتحالف مع جهات أجنبية، والذي عانى كثيرا فيما مضى: قُتلت عائلته بأكملها، عرف الجوع والتشرّد، فقرر إلقاء نفسه في حضن من سيقدّم له الحماية والمال والقوة والنفوذ. يظهر، في أول مشهد له، يتحدّث الإنجليزية، ملقيا خطابا في الناس، حول أهمية التصويت لأجل قرار الانفصال، لإنهاء عهد طويل من العنصرية تجاه الجنوبيين. يتعرّف فيما بعد على جوليا، التي تعبّر له عن نيتها بالتصويت بـ”لا” على الانفصال، فهي ترى أن الشماليين والجنوبيين، ومهما اختلفوا في اللون والدين والعادات، شعب واحد. يعزم جوني على تغيير رأيها، عبر التقرّب منها ومن طفلها، وعرض المساعدة في معرفة حقيقة ما حدث لزوجها. كما يصارحها برغبته في الزواج منها. ترى جوليا أن الارتباط به سيهدم الحياة، التي بنتها مع منى على أساس الكذبة المسكوت عنها، وترفض كل عروضه.
إلا أن جوني لا يستسلم، بل يقرر التفتيش بنفسه عمّا حدث لزوج جوليا. وفي الختام يواجه الشمالي أكرم، زوج منى، ويرغمه على الخنوع، والاعتذار عن استخدام لفظ “عبد” تجاهه أو الموت. إنه تغيير واضح في ميزان القوة، ومكافأة حلم بها جوني طويلا.
أما منى، وبعد أن تدحرجت كذبتها الأولى، لتصبح شديدة الضخامة، ككرة الثلج، ترى كل شيء ينهار فوق رأسها: تخسر زوجها؛ وترحل عنها جوليا ودانييل الصغير، الذي تعلّقت به جدا؛ وتجد نفسها تواجه نتائج أفعالها. يتزامن كل هذا مع إعلان نتائج التصويت، الذي أدى إلى انفصال الجنوب عن السودان، وبدء عملية ترحيل الشماليين.
في مشهد النهاية، تجتمع الصديقتان، في هذا الوقت بالتحديد تعلم منى أن جوليا كانت تعرف الحقيقة منذ البداية، وبمنتهى النرجسية تلومها على الكذب. وبعد المواجهة، تستلقى منى على فخذ صديقتها المفضّلة، طالبة السلام والأمان. بالرغم من كل ما جرى بينهما، وما جرى بين الشمال والجنوب، وجدت الصديقتان في بعضهما الالفة، التي تبحث عنها كل منهما.
قد يكون هذا أقرب لمنطق الأفلام الكلاسيكية القديمة، مثل “ذهب مع الريح” أو غيره، في التعامل مع الأحداث والمآسي التاريخية الكبرى، و”تصفية الذاكرة”، فهل هذه السمة، التي قد يعتبرها بعض النقّاد المعاصرين عيبا، هي سبب شهرة الفيلم؟
حصد فيلم “وداعا جوليا” عديدا من الجوائز في المهرجانات العالمية، أهمها جائزة “الحرية” في مهرجان كان السينمائي؛ كما رُشح للمنافسة في الأوسكار، ضمن فئة “أفضل فيلم غير ناطق بالإنجليزية”، ويعتبر أول فيلم سوداني يصل لهذه المرتبة العالمية. كما حصد مؤخرا جائزة “سينما من أجل الإنسانية”، من مهرجان الجونة السينمائي في مصر، ضمن دورته الاستثنائية، التي اهتمت بشكل أساسي بالأفلام السودانية والفلسطينية، نظرا للأحداث الراهنة في البلدين.
قد يمكن إرجاع إنجازات الفيلم لعاملين أساسيين، أولهما قصة كردفاني المؤثّرة، التي عكست الوضع السياسي السوداني، ضمن خطاب يمكن اعتباره مقبولا في “الغرب”، وفي أوساط المثقفين المعتدلين؛ والثاني طريقة تنفيذ تلك القصة، فبعد فترة طويلة، عانى فيها السودان من فقر الإنتاجات السينمائية، بسبب اضطراب الأحداث السياسية، يقدّم فيلم “وداعا جوليا” صورة سينمائية احترافية، وإن لم تتسم بكثير من التميّز، أو اللغة البصرية المبتكرة.
يعتمد كردفاني على الرمزيات البسيطة، ليس فقط في قصته، وإنما أيضا في لغته البصرية، مثل مشهد إلقاء منى البيض في سلة المهملات، بعد أن أحرقته وفشلت في إعداده، في إشارة لمحاولة إخفاء الفشل السوداني (الشمالي) في التعاطي مع مختلف القضايا؛ وكذلك قيامها بتحرير العصافير التي تربيها من القفص، في إشارة لتوقها إلى الحرية.
في النهاية تأخذ الموسيقى دور الراوي، تسكت كل الألسنة، ونجد دانييل الصغير يحمل السلاح، مع خلفية موسيقية متصاعدة، تدلّ على انضمام الطفل لمنظومة العنف الأكبر، المسيطرة على البلد. وذلك على عكس المشهد، الذي جمع جوليا ومنى، وسط موسيقى حزينة ورقيقة.
رغم كل هذا، فربما من الظالم اعتبار أن الفيلم أوضح أو أبسط مما ينبغي، وأن إنجازاته سببها فقط التعاطف مع المسألة السودانية، ففي النهاية نجح كردفاني، وفريقه من الممثلين المتميزين، في تقديم قصة إنسانية تشدّ المشاهد، وتقديم أزمات السودان من زاوية فنيّة، لها جمالياتها. المطالبة بأكثر من هذا مصادرة على ما يبغيه صنّاع الفيلم، الذين تعاملوا، بنجاح، مع كل التحديات التي طرحوها على أنفسهم. ولعل صالات العرض الممتلئة بالمشاهدين في مصر، كانت خير دليل على أنه ليس مجرد فيلم آخر، يريد أن “يخاطب المهرجانات”.
كان من المفترض أن يعرض الفيلم، لأول مرة في الشرق الأوسط، في الدورة السادسة من مهرجان الجونة السينمائي الدولي، التي كانت ستقام من الرابع عشر من تشرين الأول/أكتوبر، وحتى العشرين من الشهر نفسه. وبعد تأجيل المهرجان، بسبب أحداث غزة المؤلمة، عُرض بشكل تجاري في السينمات المصرية، وحقق إيرادات جيدة. ليظهر على السطح سؤال عن أسباب اهتمام المصريين بـ”فيلم مهرجانات”، بحسب العبارة الدارجة في مصر؛ وأيضا بعمل ينتمي للسينما السودانية، التي لا يعرف عنها الجمهور أي شيء تقريبا.
ربما لا يجب أن نغرق كثيرا في البحث عن إجابات معقدة، بكل بساطة “وداعا جوليا” فيلم يستحق المشاهدة، والجمهور يحب أن يرى تجارب سينمائية لجيرانه، وأن يعرف كيف يتحدثون عن واقعهم وتاريخهم. فذلك الجمهور لا يريد أن يرى “الإفيهات” أو الأبطال الخارقين فقط، كما روّج طويلا أنصار ثنائية فيلم تجاري/فيلم مهرجانات.
لا يمكن أيضا إنكار التواجد الكبير للسودانيين في دور العرض المصرية، فمن الطبيعي أن يسعد الوافدون الجدد، وكذلك المقيمون القدماء، بفيلم من بلدهم، يُعرض في مصر. مشاهدة “وداعا جوليا”، في سينمات البلد الأعرق سينمائيا في المنطقة، تثير الحنين لوطن يعاني، والفخر بأول فيلم منه يحقق كل تلك الإنجازات. ولذلك، فربما يجب أن نشكر، مصريين وسودانيين، كردفاني وفريقه، لصناعة ذلك الفيلم، وإتاحة تلك الفرصة.
هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
الفيلم أعاد لنا الثقة في مستقبل السينما السودانية وفي جدية المثقف السوداني في التصدي لقضايا بلده … فيلم انتظرناه كثيرا .. نقطة ضوء في النفق المتطاول …