في ذكرى البوعزيزي: هل تجاوزنا مخيّلة “الربيع العربي”؟
تشكّلت ذاكرة ما يُعرف بـ”الربيع العربي”، منذ اللحظة التي أضرم فيها محمد البوعزيزي النيران في جسده، في السابع عشر من كانون الأول/ديسمبر 2010، ما أدى لانطلاق مظاهرات غاضبة، سرعان ما عمّت الأراضي التونسية، لتنتشر النيران نفسها فيما بعد في بقية الدول العربية، ويصبح رفع صور البوعزيزي مشهدا متكررا ومنتشرا فيها.
ورغم أن حالة التمزّق والاحتقان الاجتماعي، من فقدان التمثيل وعدم عدالة توزيع الموارد، كانت بمثابة الضوء الأخضر لإندلاع الإنتفاضات العربية، إلا أن البعد الاجتماعي/السياسي في قصة البوعزيزي بقي في الظل، فيما برز بشكل أكبر بعد سياسي من نوع مختلف، فقد ظلت ثورات “الربيع العربي” داخل الإطار المفاهيمي للقومية العربية والإسلام المحافظ، والدولة الوطنية المرتبطة بهما، وكأن الثورات كانت لمسح الغبار عن المشروع الوطني، وليس للتغيير الاجتماعي، وإعادة تشكيل النظام السياسي والدولة الوطنية جذريا.
لذلك، ربما من الأفضل أن لا تقتصر محاولات فهم أحداث “الربيع” على السعي لبناء سرد تأريخي، يروى البطولات والمظالم من زاوية المنهزمين، بل بالأحرى التأمل فيها، لمحاولة فهم ذاتنا السياسية، سواء كانت فاعلة أو خاملة، في ارتباطها بمفهوم القومية والثقافة.
ما بَدا من مآلات حركات الربيع العربي المفصلية، من تونس إلى مصر، ثم سوريا وليبيا واليمن؛ وصولا لـ”الموجة الثانية” من “الربيع” في السودان والعراق والجزائر، باختلاف التجارب والسياقات الداخلية، لم يكن فترة الحصاد والازدهار، كما أعلنت بعض أبواق الإعلام، بل لم ترتق تلك الحركات لمرتبة ثورات، تُحدث قطيعة سياسية وأيديولوجية مع الرواية السائدة للدولة. ربما كانت، بحسب المفكر المغربي عبد الإله بلقزيز(1)، الفترة الفاصلة، ذائعة الصيت، التي عبّر عنها أنطونيو غرامشي بالقول: “القديم يحتضر، والجديد لا يستطيع أن يولد بعد، وفي هذا الفاصل تظهر أعراض مرضيّة كثيرة، وعظيمة في تنوعها”. (2)
ربما ما يحثنا عليه ذاك الفاصل، هو التشريح النقدي، عبر إعادة طرح الأسئلة التي تمثّل قوام فترة “ما بعد الربيع العربي”، التي بدأ يتحدث عنها عديد من المفكرين والباحثين، لكنها لم تأخذ بعد حقها من التفكير والبحث، وذلك بعيدا عن النمطية والخطابية المتسامية عن الواقع، والدعوات للقفز نحو “الأمام”، أو الارتداد إلى “الخلف”، أي لما قبل الانتفاضات العربية. لذا فقد يكون من الضروري التساؤل حول “مخيّلة الربيع العربي”، التي ربما مازالت تشكّل نظرتنا إلى أنفسنا، وإلى المجتمع والسياسة: كيف حملت “المُثُل الثورية” أكفان “الربيع” منذ البداية؟ لماذا ما يزال معظمنا عاجزا عن تقديم قراءة وتفسير مفيد لما جرى؟ وهل أصبحت ذكرى “الربيع العربي” عائقا عن المضي قدما؟
لم يكن انفجار الأحداث، بداية من تونس ومصر، صادما ومربكا لرموز السلطة وحدهم، بل إن حالة الارتباك طالت مجموعات المعارضة الفاعلة، التي شعرت أن الأحداث جاءت على غير توقعاتها، وأفلتت من أيديها، بل وحمّلتها مسؤوليات لم تتخيّلها. مثلما حدث مع الشباب المصريين، الداعين لاحتجاجات 25 يناير، والذين وجدوا أنفسهم فجأة وسط الحدث، من ثم في صدارة المشهد، بوصفهم “شباب الثورة”، الذين يجب أن يكون لديهم مشروع ما. وهو ما كان غائبا أساسا عن تفكيرهم السياسي، ومخيّلتهم الأيديولوجية.
محدودية الآفق السياسي والاجتماعي للحركة الاحتجاجية الشبابية، المرتبطة ببعض النخب المدنيّة المفككة اجتماعيا، جعلت رهانها الأكبر هو سقوط ممثلي النظام، وإعادة تعريف الدولة، بناء على الحقوق والحريات السياسية الأساسية. المفارقة أن الهتافات الكبيرة، التي صرخ بها المتظاهرون، مثل “حرية”، “ديموقراطية”، “عيش”، “عدالة اجتماعية”، “كرامة إنسانية”، كانت أكبر بكثير من مجرد إسقاط القيادات الحاكمة، فهي تتعلّق بأهداف تغييرية، تطول بنية وهياكل المؤسسات، كما تستلزم إجراء تحولات على المستوى الاجتماعي والثقافي والديني، وعلى مستوى النمط الاقتصادي، فضلا عن نقد المفاهيم المؤسسة لرواية الدول القومية الحديثة، وارتباطها بمفهومي العروبة والإسلام، اللذين حُددا دائما بوصفهما أبرز مكونات مفهوم “الأمة”. بدا وقتها وكأن الثوار أنفسهم لا يفهمون شعاراتهم.
مسألة “الفهم” و”المشروع” هذه دُفعت إلى الخلف، مع تبلور المثالية الرومانسية، من قلب الاحتفالات في الميادين العربية، بعد هروب الرئيس زين العابدين بن علي من تونس، وخلع الرئيس حسني مبارك في مصر، وهي احتفالات، تحوّلت بفضل خطابات وسائل الإعلام، إلى حالة أقرب للهستيرية، بسبب عدم التصديق، والانبهار من “تحقق المستحيل”، وفقا لمعايير الخيال الراكد، الذي ساد لعقود. تلك المشاعر المفرطة، قد تكون مُبررة عند جموع المشاركين، لكنها مثيرة للاستغراب في حالة النخب المشهورة والفاعلين السياسيين، الذين عجزوا، رغم كل ما أبدوه من شجاعة، عن قراءة التوازنات وتقديم المشاريع، وإعادة النظر في الذات السياسية لـ”الأمة”.
بدا التدفّق الإعلامي الكبير للصور السريعة، عن الأحداث الثورية العظيمة، وكأنه مشهد نهاية التاريخ بالنسبة للثوار، فقد انتهى دورهم في خلق عالم جديد، وساد الفرح العارم، وصرخة الأمل الساذجة عن التغيير، والرؤية المثالية للواقع، وكأن الفعل الثوري مجرد إرداة الفاعلين والجماهير. وهو ما عبّرت عنه، نوارة نجم، أحد أشهر “شباب الثورة”: “مفيش كسرة نفس تاني، مفيش ذل تاني، مفيش ظلم تاني، مفيش خوف تاني”.. إلخ. إضافة إلى ذلك، ارتسمت رؤية ثنائية تبسيطية للواقع، بين الخير والشر، لتحلّ الرؤى الأخلاقية محل البدائل والبرامج السياسية، فتحوّلت الأخلاقية الثورية إلى وسام رفيع، وأضفت على “الشباب” النقاء والطهارة، مما أدى للتعامل مع الاختلافات الداخلية بين الفاعليين الثوريين بكثير من الحديّة، والزهو المتعالي بالنفس، في بعض الأحيان، تجاه الفئات الاجتماعية الأخرى.
ربما كان الأكثر تناقضا مع الأهداف المأمولة، في خضم تهاوي الرؤوس القديمة، هو إعلان قطاع واسع من الفاعليين الشباب العزوف الأيديولوجي والسياسي، بمعنى التباهي بطابع احتجاجي لا فكر له، ولا تعرف له أهدافا واستراتيجيات محددة، وبالتالي لا أهلية لحامليه في المشاركة في البدائل السياسية.
وحتى مع الزخم الاجتماعي، الذي تصاعد مع الأحداث، والكيانات الحزبية والحركات التي تأسست في فترة تهاوي المؤسسات الأمنية القمعية، كانت المشاركة في التنظيمات أشبه بعضوية نادٍ اجتماعي، إذ غلبت التفضيلات والامزجة الرومانسية على الجدل السياسي الفعلي.
بيدو بالفعل أن “الربيع العربي”، خاصة الجناح “المدني” فيه، كان “ثورة بلا ثوار”، بحسب تعبير الباحث الإيراني آصف بيات، إذ تحولت طليعة “الشباب” إلى “عواجيز”، يكررون العبارات نفسها لسنوات، حاملين القيم المثالية لـ”الثائر”. لكن يمكننا القول أيضا، وبلا تناقض، أن الثورة فتحت مدا ثوريا مدنيّا وليدا، مع جيل صنعته الأحداث، الأمر الذي يذكّر بما جاء على لسان دانتون، في مسرحية الأديب الألماني جورج بوشنر “موت دانتون”: “نحن لم نصنع الثورة، الثورة هي التي صنعتنا”. لكن ذلك المد انحسر في خضم توغّل القبضة الأمنية من جديد، وعودة الظلامية الإسلامية.
ما الذي تبقّى إذن من ذاكرة البوعزيزي وسط كل هذا؟ ربما مجرد مشهد احتفالي بالنار المشتعلة في الجسد والعالم، ومن ثم إدراك مدى ألمها.
لا شك أن ثورات “الربيع العربي” لم تكن على خط النظرة الكلاسكية حول الثورات، التي تؤكد على ضرورة وجود تنظيم أو حزب ثوري، يملك التمثيل الاجتماعي؛ ويتبنّى مفهوما عن العلاقة بين المجتمع والدولة؛ ورؤية نظرية وبديل للوصول إلى السلطة؛ وبالتالي يتمكّن من القطيعة مع الأوضاع السابقة، وتأسيس تجربة جديدة. كثيرا ما جادل أنصار “الربيع” بأنه احتجاجاتهم نموذج جديد للحراك الاجتماعي، وليسوا مضطرين للعمل وفق نماذج مسبقة. ولكن ماذا قدّم هذا “الجديد” الربيعي؟ وهل من آفاق للاستفادة منه أو البناء عليه؟
من خلال قراءة أحداث “الربيع العربي”، يتبدّى أن الغرق في ضبابية الرؤية، العاجزة عن تفسير ما تستهدف تغييره، كان السمة الغالبة، اللهم إلا بعض الإنتاج الثقافي محدود الانتشار والتأثير، وغير المتداول بشكل جدلي في الحيز العام، لعدد من الباحثين والمفكرين والمثقفين، وبالتالي لا يمكن الاعتماد عليه. وربما كانت الاستهانة بالتفكير النظري، والسخرية من “المثقفين”، أحد الأسباب الرئيسية التي ساهمت في بروز نزعة “مثقفة” أخرى، وهي النزعة المثالية، شديد التناقض والضعف النظري، والأميل للتأكيد الخطابي للأخلاق.
إذا نظرنا إلى القوام الأوسع لحركات الاحتجاج، سنجد أنها تحمل شعارات عن الديموقراطية والقانون، تبدو كأنها تعبّر عن الجميع، لكنها في حقيقة الأمر مضلّلة، لأنها تتغافل عن الثقافة الجماهيرية، ذات الطابع المحافظ، الوطني والديني، وذلك ما يفسّر غلبة الطابع المحافظ نفسه على أكثرية المشاركين في “الربيع”، حتى الكيانات الأيديولوجية “المدنية” في أوساطهم، ناهيك عن الحركات الاجتماعية الأوسع انتشارا وتنظيما، أي الإسلام السياسي. هكذا بدا لدى معظم الأطراف أن التغيير يعني فقط صناديق الاقتراع، دون قواعد دستورية واجتماعية وسياسية مناسبة لتأسيسها. هذا تفكير “قديم” جدا، ولا علاقة له بأي أفق “جديد”، ولذلك كان من الطبيعي أن تسعى الطوباوية الإسلامية إلى الهيمنة في قلب الأحداث، عبر فاعليتها، ومنظوراتها البراغماتية، وعقليتها الإصلاحية، وأحلامها الماضوية.
ربما ما يجب أن نحيي به ذكرى الربيع العربي، هو وضع كثير من علامات الاستفهام والتعجّب على ذلك الادعاء حول “الجديد”، وتجاوز “الأطر النظرية القديمة”، الذي أوصلنا لأكثر المواقف الماضوية والمحافظة نمطية، علّ ذلك يساعدنا في تحليل الحالة المهيمنة على طيف واسع من بقايا “شباب الربيع العربي”، الذي ما يزال رهين تلك اللحظة التاريخية، غارقا في النوستالجيا والشاعرية الثورية المتطهّرة، ومظالمها، ما يؤثر على الجيل الذي أتى بعده. فكما يُقال: “لا يمكن أن يعيش المرء في المهد إلى الأبد”.
طرح المفكر السياسي المصري نزيه الأيوبي، في كتابه “تضخيم الدولة العربية”، مفهوم “اختزال المجتمع بالدولة”، أي أن عمليات التحديث، المرتبطة بنموذج الدولة العربية المعاصرة، كانت معادية للمجتمع، وذلك لأنها ببساطة تعمل على إلغاء التنوّع، وتحييد الفئات الاجتماعية المتعددة، والطبقات والإثنيات، وتسعى للسيطرة عليها عبر مركزية البيروقراطية والجيش. فكانت تجربة الحداثة متلازمة مع التغيير القسري من الخارج. وذلك لم يكن يسيرا بدون مخيّلة اجتماعية وسياسية مشتركة، وفّرها المفهوم الأيديولوجي عن “الأمة”، الذي ترسّخ على مستوى البنى الاجتماعية والثقافية، فكانت الروابط والعلاقات القائمة على القهر والاستبداد تضرب في جذور “الأمة”، من اللغة والثقافة والعائلة إلى الحياة العامة السياسية. بالتالي تكون لغة الاستبداد السياسي أكثر ملائمة وحضورا في النسيج الاجتماعي.
لم تكن ثورات الربيع العربي خروجا على مفهوم الأمة “الخالد”، بل إعادة إنتاج المجتمع والدولة في إطارها الأيديولوجي، وتلك كانت الخلاصة التي وصل إليها عديد من الباحثين (3)، فإعادة إنتاج الدول العربية مستمر مع بقاء بنيتها العميقة، التي تتمركز حول سلطة مركزية تعسفيّة.
من جهة أخرى فإن ثورات “الربيع” كانت داخل نمط السياسات الليبرالية الجديدة، التي سبق لـ”الأمة” التأقلم معها، ولم تكن خروجا عليها، بالرغم من إشارة عديد من المراقبين والمحللين إلى أن لاحتجاجات والاضرابات ضد الأنظمة العربية، في مصر وتونس وسوريا على سبيل المثال، كانت نتيجة مباشرة لعملية إعادة الهيكلة الاقتصادية، التي أجرتها الحكومات.
قامت تلك العمليات على منطق السوق، الذي يقلّص الدور الاجتماعي للدولة؛ ويُضعف القطاع العام لصالح الخاص، يدون أي شبكة رعاية اجتماعية أو حقوق عمل؛ ويفضّل الاعتماد على الخدمات بدلا من الصناعة والإنتاج، وكل ذلك انعكس مباشرة على شرائح المجتمع المختلفة، خاصة الطبقات الدنيا، الساعية لكسب الرزق، والتي ازدادت همومها مع ارتفاع نسب البطالة، أو ازدياد مشقّة العمل لمن يستطيع تأمينة، وانخفاض الأجور، وصعوبة توفير السكن، ما أدى إلى توسّع أحياء البؤس في أطراف المدن. وهذا الحال لم تسلم منه ما تسمى “الطبقة الوسطى”، التي غزت يومياتها مظاهر الحياة غير النظامية وغير المستقرة (4).
على الرغم من كل ذلك، لم تكن عدالة التوزيع والقضايا الاقتصادية في قلب الثورات، التي ركنت إلى نمط من تفكير تبسيطي، قائم على الفردانية، ولا يُعني بأي أطروحة عن “الاجتماعي”، وهكذا فقد شعار “العدالة الاجتماعية” المعنى الواضح.
جسد البوعزيزي المحترق، وهو العاطل عن العمل، والبائع المتجوّل الفقير، أُخرج من سياقاته الاجتماعية تلك، وصار في مخيّلة الثورات أشبه بناشط، يهتف بـ”حرية” لا يمكن فهم معناها. ربما رددت الثورات العالم العربي صرخة ألم البوعزيزي، ولكنها ظلّت على مستوى الصراخ، ولم تنجح إلا بإظهار أعراض العطب، في الجسد الاجتماعي والسياسي بشكل عام، وليس في عضو معين ضمن أجهزة ومؤسسات الدولة، حتى لو كان الرأس.
ربما، لكل هذا، فإن نقد مخيّلة الربيع العربي هو، للمفارقة، مدخل مناسب لتفكيك مفهوم “الامة” والدولة، وليس الثورة، فـ”الربيع” لم يخرج أبدا عن تلك الدولة، وإنما جسّد أزماتها فقط.
هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.