كابوس العنف السياسي: هل يمكن التعويل على ثقافة “الوداعة” المصرية؟

كابوس العنف السياسي: هل يمكن التعويل على ثقافة “الوداعة” المصرية؟

أَقبلَ فصل الانتخابات في مصر، وسط توتر اجتماعي شديد، وحديث فئات كثيرة من المعارضة عن “الإجهاز على ما تبقّى من أمل لدى المصريين في تغيير سلمي للسلطة”. وبدا فوز الرئيس عبد الفتاح السيسي بفترة جديدة نوعا من “الحتمية”، التي تعب منها الجميع.

حين أعلن المعارض المصري أحمد الطنطاوي نيته بالترشّح لمنافسة الرئيس السيسي، أحيا أملا لدى البعض، بإيجاد مدخل للتغيير، كان هذا قبل إزاحته عن المشهد السياسي، ما أعاد طرح سؤال مؤسِّس على الساحة المصرية: هل مجتمعنا قادر على خلق حكومة صالحة بإرادته الحرة، أم أن ذلك المجتمع قد قُدّر له الخضوع الكامل، أو ربما ما هو أسوأ؟

“الأسوأ”، الذي يحذّر منه بعض المعارضين، هو أنماط غير متوقعة من العنف السياسي والمجتمعي، قد تُدفع إليها الجماهير دفعا، في ظلّ الانهيار الذي يعيشه البلد، سواء على المستوى الاقتصادي أو الإداري؛ أو مستوى الحريات الأساسية. ماذا إذا لم يبق أمام الناس سوى الصدام العنيف مع السلطة، لتحطيم بنية القهر، والقمع، والاستغلال، واستملاك الفضاء الاجتماعي؟

يُقال عادة إن المصريين يميلون إلى المسالمة والوداعة، على الأقل لدى مقارنتهم بشعوب الجوار، ويفضّلون عدم الاصطدام بالسلطة، كما أن ثقافتهم السياسية أقرب لاحترام سيادة الدولة، ورفض كل تهديد لها، وأية نزعة للاقتتال الأهلي. حتى ثورة يناير، بكل ما رافقها وتلاها من أحداث دموية، لم توصل البلد لدرجة ما خلّفته الثورات في ليبيا وسوريا واليمن. و”صمدت” بعدها الدولة، بل عززت مواقعها، فيما لم تستطع أية جهة أن تهدد احتكارها للعنف والسلاح.

رغم كل هذا فإن الركون إلى أن الثقافة المصرية محصّنة من العنف السياسي قد لا يكون دقيقا على الإطلاق، ولا بد من طرح أسئلة عن الوضع الحالي، ومخاطر انفجاره: هل يمكن أن تصل فئات من المصريين إلى مرحلة الصدام المفتوح والعنيف مع السلطة؟ أم أن “احترام الكبير”، الموروث ثقافيا، سيقي البلد من هذا المصير؟

أسطورة المسالمين: هل تتمتع مصر بـ”حماية ربانية” من العنف؟

تندرج تحت وصف “العنف السياسي” كل الأفعال، التي تسعى إلى تحقيق تغيير في أوضاع سياسية معينة، أو قلب نظام الحكم، عبر العنف. ومن أمثلتها الأهم الثورات، وحروب العصابات والميليشيات، والانقلابات، والتمرّد والشغب، والنزعات الانفصالية المسلّحة.

توجد شريحة اجتماعيّة في مصر، يصفها البعض بـ”المستفيدين”، تعيش في حالة يمكن وصفها بالطوباوية، إذ تظن أنها في مأمن من الاضطرابات العنيفة، بفضل احتكار الدولة للعنف، وقدرتها على ممارسة قمع لا متناه ضد أي محاولة تمرد؛ جنبا لجنب مع الوضع الدولي للبلد، الذي ليس من مصلحة جيرانه، خاصة الغربيين، أن ينفجر في وجههم، ويلقي بقوافل من اللاجئين إلى حدودهم.

بناء على هذا فإن الاعتقاد السائد هو أن العنف السياسي ليس إلا حالة عرضيّة في تاريخ مصر، يبدأ ثم ينتهي بسرعة، وبأقلّ الخسائر، ومن جديد فنقطة المقارنة هنا هي دول الجوار. إلا أن هذا الاعتقاد لا ينبني إلا على نوع من الإيمان بـ”حماية ربّانية” لمصر، وثقة مبالغة بها بثقافتها السياسية ووداعة شعبها. الحقائق التاريخية تظهر أن العنف لم ينقطع على المستوى العالمي، فمقابل كل أربع سنوات تمرّ في سلام، هنالك سنة من الاضطرابات العنيفة. وأخطر الصراعات، وأشدها تدميرا للحياة البشرية، خلال المئتين عاما المنصرمين، كانت حروبا أهلية وحركات تمرد. ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت المحاولات الهادفة للإطاحة بالحكومات بالعنف، شائعة أكثر من الانتخابات الوطنية.

لم يسلم أيّ بلد في التاريخ الحديث من اللجوء للعنف السياسي، بما في ذلك مصر نفسها، إلا أنه يتم عادة تهميش أحداث العنف في الرواية الرسمية ووسائل الإعلام، أو تُذكر بعد تشذيبها والتخفيف من حدتها. في الواقع لم تكن الثقافة السياسية المصرية يوما ثقافة سلام ومحبة واحترام للآخر. وحتى لو وافقنا على مقولة “المصريون أميل للوداعة”، فالناس يمكنها أن تتعلّم العنف، كما يمكن أن تتعلم أي شيء، وأن تغيّر موقفها الرافض تجاهه، نتيجة ظروف معينة، بحسب عالم النفس الأميركي هادلي كانتريل.

سيكولوجيا الحرمان: لماذا يلجأ الناس للعنف السياسي؟

يذكُر الروائي جورج أورويل، في كتابه “الطريق إلى رصيف ويغان”، حديثا دار بينه وبين أحد عمال المناجم: “سألته عن الزمن الذي أصبحت فيه ندرة المساكن حادة في مقاطعته، فأجاب قائلا: “عندما تمّ إخبارنا بذلك”، بمعنى أن مستويات الناس كانت حتّى وقت قريب العهد متدنية جدا، إلى درجة أنهم اعتبروا أيّ درجة من الاكتظاظ شيئا مسلّما به”. هذه الحالة المتطرّفة من الإحباط وعدم المُبالاة، التي يصفها أورويل، تتولّد لدى الأفراد تجاه السلطة، بسبب انعدام الفجوة بين متطلّباتهم وتطلّعاتهم، وما يحصلون عليه فعلا، فضلا عن غموض تصوراتهم عن المستقبل. وبالتالي فإن أيّ زيادة في توقعات الناس حول مستوى حياتهم، غير مصحوبة بتحسّن فعلي فيه؛ أو أيّ قيود مفاجئة على ما لديهم فعلا، أو ما يمكن أن يأملوا في الحصول عليه، سيخلق فجوة بين التوقعات والواقع، ويدفعهم للتمرّد.

يشعر المواطنون عادة بالحرمان، حين يؤثّر الفشل الاقتصادي على حياتهم، من تضخّم، وتغيّرات في القيمة التجارية، أو الناتج المحلي الإجمالي، وبطالة، الخ. إلا أن الحرمان لا يقتصر على الجانب الاقتصادي والمعيشي، بل يشمل أيضا الجانب السياسي، فعندما توضع قيود جديدة على الصوت السياسي، والمشاركة والتمثيل، وتشمل تلك “القيود” حظر الأحزاب، وحظر النشاط السياسي، فهذا يعني بالنسبة للمواطنين أن الحكومة تحرمهم من حق كان مكتسبا لهم.

تنبّه الفيلسوف الألماني كارل ماركس، في كتابه “العمل المأجور ورأس المال”، لتلك الحالة، حين قال إنّ “رغبتنا ومسرّاتنا تنبثق من المجتمع، لذا فإننا نقيسها بواسطة المجتمع”. أي أن تقديرنا للحرمان أو الاكتفاء، ليس “طبيعيا”، أو راجعا لعوامل بيولوجية مثلا، بل مبني اجتماعيا، لذا يكون العنف على أشده في الدول، التي يشعر مواطنوها شعورا حادا بالحرمان، بشكل جماعي، ولا يجدون طريقة لإيصال أصواتهم، بعد استنفاذهم الوسائل السلمية لتعويض حرمانهم، إلا الغضب.

في كتابه “لماذا يتمرّد البشر”، جادل عالم السياسة الأميركي تيد غور أنّ الناس يندفعون للتمرّد بسبب “الحرمان النسبي”، وليس الفقر المطلق أو القمع الخالص. و”الحرمان النسبي” هو شعور المجموعة، وإيمانها، بأنها لم تتلق الفوائد الاقتصادية، أو الصوت السياسي، الذي تعتقد أنها تستحقه. هذا الشعور بالظلم هو الذي يؤدي إلى الصراع. إضافة إلى ذلك، غالبا ما تكون المجموعات المتمرّدة مدفوعة بشكل خاص بفقدان الفوائد أو القوة، التي كانت تتمتع بها من قبل، أو الخوف من أن تؤدي الظروف المتغيّرة إلى فقدان السلطة والفوائد الاقتصادية.

إضافة إلى دوافع التمرّد، من الضروري أيضا النظر في دوافع الناس لرفضه، ومنها الخوف من فقدان الوظائف الآمنة والفرص المستقبلية. إلا أنه مع اندلاع التمرّد بالفعل، يدرك من أبقوا أنفسهم خارجه، أن حياتهم لا يمكن أن تستمر بالطريقة القديمة نفسها، وأن كثيرا من المكاسب، التي خافوا من فقدانها، قد زالت بالفعل، وهذا قد يدفعهم لكثير من الاستجابات المحتملة، ومنها الانضمام للتمرّد، أو القتال ضده، أو ربما مغادرة البلاد. بكل الأحوال يفرض التمرّد واقعه على خيارات الناس.

الحرب على “إيجيبت”: هل الصدام العنيف محتوم؟

يمكن القول إذن إن الصدام العنيف، بين الجماهير والنظام السياسي، ممكن في كل مكان، وأيّ بلد، لدى توافر أسبابه، ومصر ليست استثناءً. وبعد عقد من الزمن على أحداث 30 حزيران/يونيو 2013، ربما تكون احتمالية عودة العنف السياسي إلى البلد أعلى مما يتوقع البعض.

كانت “ثورة يونيو” 2013، حدث عنف سياسي واضح المعالم، فهي عمليا انقلاب عسكري، مترافق مع تمرّد شعبي. وقد مارست السلطة الجديدة العنف منذ اللحظة الأولى لقدومها، وأيدت الجماهير استخدامه، تجاه المجموعات التي تمرّدت على السلطة، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، في مقابل وعود بالأمن والرخاء الاقتصادي.

عرف الشعب المصري، في أولى سنوات السلطة الجديدة، أزمات أمنيّة واقتصادية طاحنة، ورغم إحباطه الظاهر من الإخفاق الاقتصادي، ظل ساكنا دون رد فعل. كان المبرر لهذا السكون هو حرب أعلنتها السلطة باسم “الحرب على الإرهاب”.  قد يمكننا العودة لتيد غور لتفسير تلك الحالة، إذ يؤكد أنه “عندما يشعر الناس بأنّ إحباطهم له ما يبرره، فإنهم يصبحون أقلّ عدوانية، وبالتالي أقلّ ميلا إلى الانخراط في صراعات”.

انتهت “الحرب على الإرهاب” بانتصار ساحق للسلطة، ليس فقط على الإرهابيين، وإنما على كل أطياف المعارضة، بما فيها الأكثر سلميّة و”مدنيّة”؛ وأيضا نجح النظام الجديد بتثبت أركان سلطوية جديدة له، عبر ضمان صعود طبقة اجتماعية قديمة/جديدة، استحوذت على الثروة. صعود هذه الطبقة كان عنيفا أيضا، فهو قد جاء على حساب مكاسب وحياة طبقات أخرى، سواء من الطبقات العليا التقليدية، التي تضّررت بعض شرائحها بشدة من الطبقة الصاعدة؛ أو الطبقات الدنيا، التي جاء الصعود على حساب إفقارها. 

وبعد سنوات قليلة، جفّفت الطبقة الصاعدة منابع الاقتصاد الرأسمالي بعنف شديد، وأنتجت سياساتها الاقتصادية فشلا بعد أخر، وبالرغم من سجل الحريات شديد السوء، كان السبب الرئيسي للإحباط الشعبي نابعا بالأساس من الفشل الاقتصادي. إذ تضاعف حجم الديْن الخارجي بالنسبة للناتج المحلي العام، وباتت خدمة الديْن تلتهم نصف الميزانية. وتراجعت الثقة بالاقتصاد المصري، وتسابق المستثمرون المصريون والأجانب لسحب أموالهم. وفقد الجنيه المصري نحو ثلاثة أرباع قيمته أمام الدولار الأميركي خلال العشر سنوات الأخيرة، في بلد يستورد غالبية احتياجاته الضرورية، فارتفعت أسعار المواد الغذائية الأساسية إلى مستويات قياسية، في ظلّ شح بالغ في العملة الصعبة. ويُنتظر من مصر سداد أقساط ديون كبيرة، مما قد يؤثر سلبا على الوضع الاقتصادي والنقدي. كل تلك الازمات، التي لا يجد الناس أي متنفس سياسي سلمي للاحتجاج عليها، قد تؤدي لانفجار كبير في البلد.

سبب آخر للانفجار المتوقّع ، هو تغيّر الشرائح الاجتماعيّة الفعّالة في مصر. يوجد اليوم جيل كامل، لم يعش فعليا أيّ من لحظات العنف السياسي بين عامي 2011 و2013، ولا ذاكرة له مع الرعب الذي أصاب كثيرين منها. إضافة لذلك، يعيش ذلك الجيل في ظلّ سهولة في التواصل والاتصال، أعلى بكثير مما تحصّلت عليه الأجيال السابقة، ما يساهم  في تعزيز إحساسه بالإحباط، وشعوره بالحرمان.

يتحدّث كثيرون اليوم، بين المزاح والجديّة، عن معركة أهلية بين سكان “مصر” وسكان “ايجيبت”، أي بين “المصريين العاديين”، والفئة العليا الجديدة، المنفصلة عن واقع أغلبية الناس، اجتماعيا وثقافيا، لدرجة أنه لم تعد هنالك لغة مشتركة للتواصل معها، فأهالي “ايجيبت” يتكلّمون الإنجليزية! ولا أحد يمكنه أن يعرف الاتجاه الذي سيسير فيه هذه الانقسام، وما أشكال العنف السياسي الذي سيؤدي إليه.

من جهة أخرى، يعتقد كثير من المحللين أن الحرب الإسرائيلية على غزة قد أجّلت الصراع الاجتماعي المصري المحتوم، وأعطت فسحة للنظام القائم، سواء على المستوى الإقليمي والعالمي، أو على المستوى الداخلي، ولكنّ هذا التأجيل لن يستمر للأبد، وعوامل الصدام في مصر أكثر تأزّما من أن تداويها أزمة خارجية. لذلك فربما يكون السؤال الصحيح ليس عن إمكانية تصاعد العنف السياسي في البلد، فربما يكون هذا واضحا وبديهيا؛ وإنما كيف يمكن التخفيف من آثاره مدمّرة، وتهديده لسلامة المواطنين واستمرار الدولة. قد تحتاج الإجابة إلى مسؤولية كبيرة، سواء من السلطات أو معارضاتها، إلا أن هذه المسؤولية غير متوفّرة للأسف، ما يزيد القلق من العنف السياسي القادم في مصر.   

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
4.1 15 أصوات
تقييم المقالة
3 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات
Abd alwahab Alkosy
2 سنوات

هايل ..هايل

احمد محسن
2 سنوات

المقال اقام فرضية انا مهتم بتتبعها جدا و هي “وداعة المصريين السياسية” و ادعي انه هيفندها لكن المقال كله تجميعات من سياقات مختلفة تبرهن ع شيء واحد، و هو ان الظروف الاجتماعية و الاقتصادية تدفع الشعب للانفجار العنيف”. و للاسف ده لم يفد المقال بشىء لانها بديهية و كان المطلوب مناقشة اكثر جدية للفرضية و محاولة التعامل معاها في ضوء ظواهر تاريخية مرتبطة بيها ع اقل تقدير.

صفوت
2 سنوات

المقال رغم موضوعيته النظريه الا انه يتبني وجه نظر المعارض بغض النظر عن تلمس الواقع علي الارض.. مسأله الحريات تحتاج إلى مراجعه شامله علي مستوي كل دول الجنوب دون استثناءوهي ليست حاله مصريه خالصه او حتي حديثه ثم مساله العوز والفقر لايمكن بحال في مصر ان نعتبرها وليده النظام الحالي فالقله الاقتصاديه موجوده من قديم.