فلسطين في المغرب: كيف تتبدّى “القضية” في “المملكة الشريفة”؟
أعادت الأحداث الأخيرة بقطاع غزة “القضية الفلسطينية” إلى صلب السياسة والثقافة المغربية، رغم أنه ليس من الدقيق الحديث عن ”عودة”، نظرا لكون “فلسطين” لم تغب يوما عن الساحة المغربية، وإن اضمحلت قليلا منذ بداية العقد الماضي، وبعد اندلاع ثورات ما سمي بـ”الربيع العربي”، والتي خلقت نوعا من الإرباك في التفكير السياسي المحلي.
لكن سياق عودة “الجدل الفلسطيني” داخل المغرب اليوم، لا يقتصر على الحرب الإسرائيلية على غزة، وقبلها عملية “طوفان الأقصى”، بل أيضا يتعلّق بالعلاقات بين المغرب وإسرائيل على المستوى الرسمي؛ وكذلك، ولو بشكل جزئي، موقف بعض الفصائل الفلسطينية الموالية لإيران من قضية الصحراء الغربية، والصراع مع جبهة البوليساريو.
سمحت الأحداث الأخيرة بإعادة طرح مجموعة من الأسئلة حول “القضية”، وسط ما يمكن تسميته بـ”الانقسام” في الشارع المغربي، بين أصحاب الموقف التقليدي الداعم لفلسطين؛ وآخرين يظهرون بعض الحس النقدي؛ فيما تُعبّر أقلية محدودة بوضوح عن موقف عدائي تجاه المسألة الفلسطينية.
هنالك “خصوصية مغربية” بالتأكيد في التعاطي مع “القضية”، وفهم هذه الخصوصية قد يساعدنا، في المغرب وخارجه، على فهم كيف اتخذت “فلسطين” تمثيلات متعددة، لا تتعلّق بالضرورة بالصراع الدائر في الشرق الأوسط، بقدر ما هي مبنية على عوامل سياسية وأيديولوجية داخلية. ولذلك فربما يمكننا طرح الأسئلة التالية: ما علاقة “فلسطين” بالمسألة الوطنية المغربية عموما؟ ومن يتحدث اليوم في المغرب عن “القضية”؟ وما “السيميائية الافتراضية”، التي يسقطها المغاربة المعاصرون على تلك الأرض البعيدة/القريبة؟
حظيت فلسطين بمكانة مهمة في السياسية المغربية، منذ لحظات “النكبة” الأولى، و”النكسة” التي تلتها فيما بعد، ثم مشاركة المغرب في حرب تشرين/أكتوبر مع الجيش السوري. كان هذا الارتباط، على المستوى العام والشعبي، نابعا من التمسّك بما اعتُبر رابطا لغويا ودينيا بين المغرب وفلسطين.
كان تكريس تلك الرابطة القومية الدينية أساسيا في بناء خطاب الأحزاب الوطنية المغربية بعيد الاستقلال من الاستعمار الفرنسي، أي حزب “الاستقلال”، و”الاتحاد الوطني للقوات الشعبية” المنشق عنه، قبل أن تتبعهما الأحزاب التي ستتشكل فيما بعد.
وبدورها ساهمت المنظمات الطلابية والجماهيرية في إعطاء زخم لـ”القضية”، خاصة “الاتحاد الوطني لطلبة المغرب”، وهو منظمة نقابية طلّابية، كانت مكوّنة في غالبيتها، إلى حدود نهاية ثمانينات القرن الماضي، من متحزبين في منظّمات يسارية، إلى درجة تبنّي المنظمة، في مؤتمرها الثالث عشر عام 1969، شعار “قضية فلسطين قضية وطنية”.
لكن تبنّي “القضية”، وطرحها على الساحة السياسية والثقافية، وإن كان يشترك بمجموعة من الخصائص مع بقية الدول العربية، لاسيما في توظيف الجانب العروبي القومي، إلا أنه كان يتسم بكثير من “الخصوصية المغربية”.
ومن أهم عوامل تلك “الخصوصية” أن فلسطين لم تكن “أسطورة مؤسسة” للنظام السياسي المغربي، مثلما هو الحال في بعض دول المنطقة، سواء ذات الميول البعثية، مثل سوريا والعراق؛ أو الملتزمة بشعارات “التحرر الوطني” مثل الجزائر، وهذا سمح بمساحة أكبر للفاعلين السياسيين المغاربة، للتحرّك بنوع من الاستقلالية، وتنظيم جدل عام حول “القضية”.
ومن أهم أشكال طرح القضية على المستوى المغربي في القرن الماضي، محاولة التركيز على الجانب السياسي فيها، بدلا من الغرق في الشعارات القومية والدينية. اعتبر الطلاب واليساريون أن “فلسطين” قضية تحرر، فيما تخدم إسرائيل مشروعا استعماريا عالميا، وبالتالي فالتضامن مع المقاومة الفلسطينية نوع من “الأممية”، وليس فقط رابطا دينيا. وهذا سمح لعديد من المغاربة اليهود بالانخراط في صف “القضية”، وإظهار معاداتهم لـ”الصهيونية”، وقد كان هذا طريقة فعّالة للاندماج بالمجتمع المغربي المسلم، والتخفيف من معاداة السامية.
وجود عدد كبير من اليهود داخل المجتمع المغربي، ساهم نسبيا في فصل “الصهيونية” عن “اليهودية” في الثقافة السياسية المحلية، إلا أن ذلك لم يمكّن المغرب من الحفاظ على يهوده، إذ هاجر عديد منهم لإسرائيل ودول أخرى، تحت ضغط ظروف معقدة.
ومع سيطرة الإسلاميين على الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وتراجع اليسار، اقتربت تمثيلات “فلسطين” كثيرا من الطرح المشرقي الاعتيادي. رغم ذلك، فإن “فلسطين”، التي كانت دائما قضية “خالصة”، لا تحوم حولها أسئلة بالنسبة لبقية البلدان العربية، تثير بعض الارتباك في المغرب، خاصة في سياق العلاقات المغربية الإسرائيلية، ما يؤدي لنقاش محلي واسع، حول كيفية دعمها، ومدى أسبقية المصالح الوطنية المغربية عن باقي القضايا الكونية، ومن جملتها قضية فلسطين.
مع تفكك “العوامل المؤسِّسة” للقضية داخل المغرب، أي الأحزاب والنقابات والمنظمات الجماهيرية، وضعف تأثيرها، وصعود الإسلام السياسي، إلى جانب تراجع الأساليب الكلاسيكية في إنتاج الثقافة، وهي ظاهرة أصبحت مميزة للشرط الثقافي المعاصر حول العالم، بات مطروحا اليوم سؤال حول المتحكّمين الجدد بطرح “القضية”، في الحيّز العام المغربي.
يصعب حصر المتكلمين الرئيسيين حول فلسطين اليوم، وتوجهاتهم السياسية، مثلما كان عليه الأمر في السابق، فمنذ اندلاع الحرب الأخيرة على قطاع غزة، تمكّنت الأحزاب السياسية، من أطياف الإسلام السياسي، مدعومة بأحزاب وقوى يسارية مختلفة، من البروز على الساحة، عبر تنظيم مجموعات من المسيرات المتضامنة مع فلسطين، تخطت إحداها حاجز المليون مشارك، كما أكد منظموها.
يمكن القول إنه رغم ماضي الصراع، الدموي أحيانا، بين الإسلاميين واليساريين في المغرب، فإن “القضية” اليوم عادت لتخلق نوعا من التضامن بينهم، ولكن على أي أساس؟
المتتبّع للمسيرات المختلفة، التي شهدها المغرب منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر، يلاحظ استمرار الشعارات والخطابات السابقة نفسها، التي رفعها الإسلاميون واليساريون في السنوات الماضية، فحتى شعار “إسقاط التطبيع”، الذي عارض العلاقات بين المغرب وإسرائيل، ليس بالشعار الجديد، بل كان دائما يرّوج، بالضد من التعاون بين مجموعة من الفاعلين الاقتصاديين في إسرائيل والمغرب.
يبدو التضامن الإسلامي-اليساري في المغرب لأجل “فلسطين” أقرب لجبهة موحدة، بروابط قلقة، ومحلية الطابع، تهدف لمعارضة سياسات السلطة، دون بذل أي جهد جدّي لإعادة التفكير بالمسألة الفلسطينية، وفق الأوضاع السياسية المستجدّة في الشرق الأوسط، وبالتالي فربما كانت المسيرات “المليونية” علامة على بعد فلسطين عن المغرب، وليس قربها.
وإذا كانت الأحزاب السياسية، بشقيها اليساري والإسلامي، قد حافظت على “إرثها” الخاص، فيما يخص التضامن مع “القضية الفلسطينية”، إلا أنها لم تعد المهيمنة على ساحة النقاش الفلسطيني بالمغرب، ولم تعد وحدها القادرة على تعريف وصياغة “القضية”.
في هذا السياق شجّعت وسائط التواصل الاجتماعي على ظهور متكلّمين جدد عن “القضية”، من نشطاء ومؤثرين، يعيدون “اكتشاف فلسطين” من جديد، بأدواتهم، مما يطرح سؤالا عن المعرفة المتداولة عن المسألة الفلسطينية اليوم، بين الأجيال الجديدة من المغاربة.
يفتح جيل جديد بالمغرب أعينه على “فلسطين” اليوم، وسط تدفّق كبير للصور والفيديوهات، حول الحرب والدمار الهائل، وضرورة التضامن ومقاطعة بعض المنتوجات، إضافة إلى استقطاب كبير في الآراء، جعل “فلسطين” معركة “مع أو ضد”.
وقد يحوّل هذا الانخراط الافتراضي الواسع المسألة الفلسطينية إلى حرب صور، بين “مؤثرين”، غير مطّلعين فعليا على أي شيء متعلّق بتاريخ ذلك الصراع، المقبل من المشرق، ويحاولون التنافس على أكثر الأفعال الافتراضية “تضامنا”؛ فيما يكتشف آخرون “تقدّم” إسرائيل، والحضور المغربي اليهودي الواسع جدا فيها؛ كما أن “القضية” دخلت في سجالات المؤمنين والملحدين، المنتشرة في الفضاء الافتراضي.
يحوّل كل هذا “فلسطين” من قضية، استخدمت فيما مضى ضمن السياق السياسي الوطني المغربي، للتداول والتدافع السياسي والأيديولوجي، إلى شيء أشبه بأسطورة مدينة “أطلنتس” المفقودة. أي تكريس فكرة أن فلسطين رقعة جغرافية بعيدة، ليس فقط جغرافيا، بل بعيدة أيضا عن مفاهيم الدولة والحداثة السياسية، يقودوها رجال ملثّمون، يثيرون الخيال، جذّابون للبعض، ومخيفون للبعض للآخر. ووسط هذا الجو الأسطوري، يندر أن نجد من يتساءل، كما فعلت الأجيال السابقة، عن الخلفيات الأيديولوجية لاولئك المقاتلين والملثمين، وعلاقاتهم الدولية المتشعّبة.
بالنهاية حصل المغرب، كالعادة، على نسخته المحلية من “القضية” التي لا تنتهي، سواء عبر التحالف القلق وغير المستقر بين الإسلاميين واليساريين، أو عبر فعل “الأنفلونسرز” الجدد. وهي، كالعادة أيضا، نسخة “مستقلة”، تعبّر عن المغرب المعاصر، أكثر من انخراطها جديّا في تعقيدات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.