تاريخ فوتوغرافي: ماذا تقول الصور عن السلاطين والنساء و”الأمة”؟

تاريخ فوتوغرافي: ماذا تقول الصور عن السلاطين والنساء و”الأمة”؟

ابتداء من العقد الماضي، بات حضور الصورة الفوتوغرافية، أي النمط القديم من الصور، ذات الوجود الفيزيائي، والمُلتقطة عبر كاميرات تقليدية، أمرا شائعا في الفضاء الإلكتروني. بعد أن ظلّت حبيسة الأرفف والأدراج العائلية لسنوات طويلة، وبعد أن ظن كثيرون أنها آثار من عهد بائد، لا فائدة لها في عصر الصور الرقمية والكاميرات الديجتال.

الآن، يوجد كثير من الصفحات والمبادرات على وسائل التواصل الاجتماعي، تقدّم الماضي الحبيس إلى الأجيال الجديدة، لتكشف عن كنز من اللقطات، التي تعبّر عن أوضاع تاريخية واجتماعية وأيديولوجية، ما يدفع المتلقي المعاصر لطرح كثير من الأسئلة حول التاريخ، والظروف التي التقطت فيها تلك الصور، والمعاني التي تحاول إيصالها. كل هذا يجعل تأمل الصور القديمة رحلة شيّقة في الماضي، وتصورات من عاشوا ظروفه المعقدة.

ربما كانت أكثر الأسئلة أهمية حول تاريخ الصورة الفوتوغرافية تتعلّق بمعاني اللقطات التي حفظتها، ضمن سياقها السياسي والاجتماعي. وكيف تحوّل التصوير من ممارسة للطبقات العليا إلى استوديوهات منتشرة في كل شارع وزقاق؟ وبأي أسلوب تعاملت معه الثقافة الشعبية؟ وما التحولات التي طرأت على التعاطي مع الصور القديمة، ودلالاتها، عقب التطورات التكنولوجيا الحديثة؟ ولماذا تعود إلينا اليوم من جديد؟ باختصار، ما علاقة تلك الصور العتيقة بالسلطة، وتصوراتنا المعاصرة عن أنفسنا وتاريخنا؟

الاستشراق الفوتوغرافي: كيف التقطنا صورتنا بأنفسنا؟

عرف العالم رسميا التصوير الفوتوغرافي في عام 1839، وفي السنة نفسها أبحر هوراس فيرنيه، وهو فنان فرنسي، بصحبة ابن أخيه وآخرين، من ميناء مرسيليا إلى مصر وفلسطين وسوريا ولبنان وتركيا، لتسجيل مشاهداتهم. في الواقع تزامن التصوير مع وجود مصالح سياسية واقتصادية أوروبية في الشرق الأوسط، وبالتالي لم يخل تصدير هذه الحرفة من مطامع، جعلت تلك التكنولوجيا تنتقل بسرعة إلى “الشرق”.

عندما عاد المصورون الأوروبيون الأوائل إلى بلادهم، روّجت صورهم شكلا لـ”شرق” يعاني من الفقر والتخلف، ولكن لا يخلو من السحر. ولسنوات ظلت تلك الصورة الاستشراقية حاضرة. ثم سلك التصوير مسلكا آخر، يركّز على الأشخاص، وذلك بعدما أدرك المصورون رغبة مواطني الغرب في أن يروا صورا تقدّم “واقعا” أكثر قابلية للتصديق، لا مجرد كليشيهات تداعب المخيّلة.

من صور المستشرقين

في الخمسينات من القرن التاسع عشر افتتح الأخوان عبد الله استوديو التصوير الخاص بهما في إسطنبول؛ وفي عام 1867 أُنشأت دار “بونفيس”، التي اشتهرت في بيروت، على يد المصور الفرنسي فيليكس بونفيس؛ وفي مصر شهد منتصف خمسينات القرن التاسع عشر انطلاق الجيل الأول من المصورين الفوتوغرافيين؛ في حين ظهر في سبعينات القرن الجيل الثاني منهم؛ أما في منتصف ثمانينات القرن التاسع فقد نرح عدد من المصورين الأرمن لمصر، على رأسهم الأخوان عبد الله، اللذان استقدمهما الخديوي توفيق، لإنشاء استوديو تصوير عام 1887، بجوار قصر نوبار باشا في قنطرة الدكة بباب الحديد في القاهرة، وتربعا على عرش التصوير، بعد النجاح الذي حققاه في تركيا.

كانت الاستوديوهات تستقبل زوارا من الطبقة البرجوازية والأجانب آنذاك، وساعد البدء في استخدام الصورة الشخصية في الوثائق الرسمية بزيادة عدد الاستوديوهات في المدن خلال ثلاثينات القرن العشرين، وإن ظل مقتصرا على طبقة بعينها، لأن التصوير كان عملية مكلفة، لا تتحمّل أعباءها إلا الطبقة العليا والمتوسطة في المناطق الحضرية. إلا أنه منذ أربعينات القرن العشرين، بدأ التصوير يصبح متاحا لجميع طوائف الشعب، من الحضر والريف وكل الربوع.

استديو تصوير كلاسيكي

ومع منتصف القرن العشرين انتشر التصوير بين الهواة، وخرج من الاستديوهات الاحترافية، وكان لانتشار كاميرات “كوداك” في العالم دور كبير في تنقّل المصورين بين الأماكن العامة والمنازل، الأمر الذي اعتبره إسكندر مكاريوس، صاحب مجلة “اللطائف المصوّرة”، عصرا جديدا للتصوير الفوتوغرافي، فتلك الكاميرات أتاحت المزاوجة بين النزعة الاستهلاكية الصاعدة والتعبير عن الهوية الفردية.

بروز “الأمة”: كيف وُضِعت الصورة في إطار التمييز الطبقي؟

بدأ التصوير الفوتوغرافي بتصوير الحكّام، بدلا عن رسم بورتريهات لهم، الأمر الذي كان يتطلّب وقتا أطول من اللازم. ورغم استمرار رسم الملوك، فإن الصورة كانت تشير إلى التطور والتقدّم إلى الأمام. وبالطبع، مثل أي خطوة حديثة، كان الجميع يريد مسايرة الركب، ومن هنا حظت طبقة النبلاء بتجربة الاختراع المبهر. كانت استوديوهات الأرمن والأجانب مفتوحة أمام من يستطيع دفع تكلفة الصورة، وتم تصوير النبلاء في منازلهم، وفي الخارج. ومن هنا كان التصوير في بدايته تعبيرا عن صعود البرجوازية، كما أوضحت دراسة صادرة عن جامعة “كامبردج”، بعنوان “التاريخ الاجتماعي للتصوير الفوتوغرافي العربي المبكّر”.

وتؤكد الدراسة أن التصوير الفوتوغرافي كان له دور قوي في خلق الهويات الطبقية والوطنية، وتأسيس “الأمة”، بالاعتماد على أنماط فوتوغرافية، مستمدة في الغالب من القوالب الأوروبية.

من صور البرجوازية في المشرق

كانت صور النبلاء انسلاخا عن الواقع الاجتماعي المعاش، لا تريد إلا أن تحمل هوية مغايرة عن الهوية الشعبية السائدة، وتقدّم نفسها بوصفها ذات ثقافة مغايرة، وهو الأمر الذي ظهر أيضا في انتشار ما يُعرف بالبطاقات البريدية على النموذج الأوروبي، والتي كانت العائلات الراقية تهديها لبعضها، بعد أن تلتقط صورة، مزيّلة بتعليق للتهنئة

انتشرت موضات عدة، تؤسّس لارتباط التصوير بالطبقة المخملية، وكان من أهمها موضة صور “صابونجي”، التي انتشرت في أواخر القرن التاسع عشر، وقدّمت كبار المسؤولين العثمانيين، ومثقفي بيروت، ومن بينهم إبراهيم اليازجي وبطرس البستاني، بجانب كون لويس صابونجي المصوّر الرسمي لمدحت باشا، “أبو الدستور العثماني”، في الفترة التي كان فيها واليا على سوريا. إذ اخترع صابونجي طريقة لطباعة الصور الفوتوغرافية على الحرير، ثم أعاد إنتاج صور مدحت باشا على ستة وثلاثين وشاحا. كانت صور صابونجي وغيره تقدّم ما تلح الطبقة البرجوازية الجديدة على اكتسابه: حالة استرخاء مليئة بالثقة، ومتطلّعة إلى المستقبل. وهي فكرة انتشرت في جميع أنحاء شرقي البحر المتوسط، من إسطنبول إلى بيروت إلى القاهرة، وكأنها ختم لطبقة تريد تأكيد ما لديها.

إلا أن ولع التصوير، بوصفه فنا، دفع  المصورين للخروج من استوديوهاتهم، وتصوير العامة، فبدأ الناس العاديون بالتعرّف على تلك التقنية عن قرب، ورغم أن أيا منهم لم يكن يملك ما يمكّنه من التقاط صورة، فإن الجميع كان ينتظر اللحظة المناسبة.

غزو الجدران: الصورة من قصر السلطان إلى منازل الفلاحين

بعد سنوات من سيطرة الأرمن والأجانب على مهنة التصوير، بدأ أبناء البلدان العربية “الأصليون” يحظون بمكانتهم في هذا المجال. كان المصورون المصريون على موعد لدخول المهنة، بعد ستين عاما من ظهورها الأول، وكان من أبرز هؤلاء رياض شحاتة، الذي اختاره الملك فاروق مصورا شخصيا له، فسجّل بكاميرته المناسبات الملكية، مثل مولد الأميرة فوزية، أو حفلات التتويج والزواج. بدا التصوير الشخصي لامعا، لأنه جاء من الطبقة الحاكمة مباشرة، وارتبط بمناسباتها السعيدة، الأمر الذي جعل حفلات الزفاف، التي يهواها الملوك، أحد أهم اللحظات التي يجب تسجيلها في القرن العشرين، مع اختلاف الطبقات، وإن كان هذا التقليد شائعا أكثر بين الطبقات المتوسطة والعليا، سواء عبر الذهاب للاستوديو مباشرة، أو إحضار مصور خاص للمنزل.

في كتاب بعنوان “الصورة العربية: التاريخ الاجتماعي للتصوير الفوتوغرافي، 1860-1910” يوضح الكاتب ستيفن شيهي أن الصور كانت أيضا وسيلة لحدوث الزواج من الأصل، إذ لجأت العائلات لتصوير أبنائها الذكور، من أجل الحصول على فرصة لزواج مقبول، في مجتمع لم يكن من السهولة فيه أن يجلس الرجال والنساء سويا، وإن كانت هنالك قيود أكثر على صور النساء آنذاك، لذلك كان الرجال يلجأون لوصف أمهاتهم أو أخواتهم للعروس المنتظرة.

صورة زفاف كلاسكية

بعد أن تخلّى المجتمع قليلا عن تحفّظه إزاء صور النساء، وبعد أن انتشرت الاستوديوهات شيئا فشيئا، وصارت مهنة شائعة، انتشرت صور العائلات، التي تُحفظ في “الألبومات العائلية”. وفي دراسة بعنوان “التصوير الفوتوغرافي العثماني المتأخر: العائلة والبيت والهويات الجديدة” توضح نانسي ميكلرايت أن “عرض الصور والألبومات كان جزءا من المنزل العثماني الحديث، وطريقة لدمج المألوف (وجوه الأصدقاء والعائلة) في المساحات المحلية الجديدة أو غير المألوفة في البداية”، الأمر الذي انتشر عبر العالم العربي بأكمله، واستمر حتى بدء عصر الكاميرا الرقمية، ليحل محله فيما بعد عرض الصور عبر الهاتف، أو مشاركتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

خرجت الصور من الألبومات المغلقة، وأصبحت جزءا من جدران البيوت كذلك، وبحسب دراسة “التصوير الفوتوغرافي العثماني المتأخر”، بدأت تلك العادة مع  السلطان محمود الثاني، الذي منح الإذن لأول مرة يتعليق لوح زيتية بصورته، ووزعها على ضيوفه والقادة البارزين، بعد عقود من تحريم فن البورتيه في الدولة العثمانية. ثم قدّم الملحن والموسيقي فرانز ليست حفلا موسيقيا كلاسيكيا في قصر السلطان، الذي زيّنت جدرانه بصور محمود الثاني. وغُرزت تلك الصور بعد ذلك المكاتب الحكومية ومنازل المواطنين، وأصبح تعليق الصور في نهاية المطاف ممارسة مقبولة بين عامة الناس، الذين رفعوا صورهم وصور قاداتهم على جدران منازلهم.

الملك فاروق

 كانت الصور في الغالب تعلّق لرب الأسرة أو للفقيد أو للابن البعيد. وفي قصة توفيق يوسف عواد القصيرة “قميص الصوف”، تنظر امرأة فلاحة، تنظّف كوخها بانتظار ابنها، لصورة معلّقة على الجدار، تجمع بين ابنها وزوجها الراحل. هكذا وصلت الصور إلى كل الطبقات، وعُلقت على جدران المنازل، احتفاظا بذكرى شخص شديد الأهمية، أو بعيد، أو لم يعد موجودا، عبر تجميده في الزمن، لتصير الذكرى واقعا فيزيائيا عبر الصورة.

الاقتراب من النجوم: الصورة في السينما والثقافة الجماهيرية

مع ظهور السينما، لم يتم التعامل مع الصورة فقط بوصفها ذكرى، ولكنها كانت طريقة أخرى للدعاية الفردية، بجانب الدعاية الرسمية بالطبع. كان أحد أشهر الاستوديوهات في مصر  استوديو “بيلا”، الذي افتُتح منذ عام 1890، ومازال مستمرا حتى اليوم، بعد تغيّر مالكه الأصلي. كان استوديو “بيلا” محتكرا للتصوير الفوتوغرافي لفترة من الزمن، سواء عبر تسجيل المناسبات، أو للحصول على الشهرة، إذ كان المخرجون يطلبون صورا للوجوه الشابة، التي يقدمونها للجمهور. ومن أفضل من ستوديو بيلا للقيام بهذه المهمة؟! كانت طوابير الجمهور تنتظر أمام الاستوديو دورها للحصول على صورة/تذكار لأحد النجوم المشهورين.

من جهة أخرى، كان استوديو “فان ليو” بوسط القاهرة منافسا هاما، منذ افتتاحه في منتصف أربعينات القرن الماضي، وقام بتصوير وجوه عشرات المشاهير المصريين بالفعل، وقدّم وجوها جديدة، عرفت طريقها للشهرة، كان أبرزها الطفلة شريهان، التي أصبحت الفنانة الاستعراضية الأشهر في مصر فيما بعد. تهافتت الفتيات للحصول على صورة من ستوديو “فان ليو”، سواء في سبيل حلم الشهرة، أو للحصول على الصورة التي يمكن ان يفخرن بها أمام أقرانهن.

صورة الطفلة شريهان

ولكن مع بروز الصورة الملونة في أواخر السبعينات، وظهور استوديوهات “كوداك”، وانتشار براندها التصويري، تراجع زخم صور الاستوديوهات الشخصية. لدرجة أن فان ليو ذاته، وكثيرين من جيله من المصورين، لم يكونوا على استعداد للتأقلم مع تطورات الزمن، وظل بعضهم رافضا للتغير الذي عرفته الصورة التقليدية بعد التلوين، ما أدى لاضمحلال أعمالهم.

كانت التغيرات أسرع بالفعل من كل جهة أو شركة، حتى “كوداك” ذاتها لم تستطع مواكبة التطورات اللاحقة. في مقالة بعنوان “كيف فشلت كوداك”، بمجلة “فوربس”، يؤكد الكاتب أن الشركة، التي احتكرت التصوير الفوتوغرافي لوقت طويل، “عجزت عن رؤية التصوير الرقمي باعتباره تقنية مدمرة”، الأمر الذي أدى لإفلاسها في النهاية. في الحقيقة كان الجمهور الطرف الوحيد الذي أراد مواكبة هذا التطور منذ البداية، ولم يستطع أي طرف، أيا كان، أن يقف في طريق رغبته.

تابو الصورة: دين ونساء وصحوة

في الحقيقة لم تكن الصورة دائما في صدارة المشهد، بوصفها احتفاء طبقي، أو تطورا تكنولوجيا يسير للأمام، فالمجتمع، الذي فتح أذرعه للصورة، كان بعضه يبعدها عنه كذلك. وبحسب كتاب “انتشار التقنيات الغربية الصغيرة في الشرق الأوسط” لأوري كوبفرشميت، فقد “كان معظم المسيحيين منخرطين في هذا المجال الجديد، وقلّما كان فيه أي مسلمين، فضلا عن عدد قليل من اليهود. اعتبر البعض أن هناك موانع دينية تمنع التصوير، وحتى اليوم هناك مجتمعات وأفراد يرفضون تصويرهم. وبالفعل، كانت هناك فتاوى ضد التصوير الفوتوغرافي، على سبيل المثال فتاوى رشيد رضا”.

 مع ظهور الأصوليين الإسلاميين، أحرقت عديد من الاستوديوهات في التسعينات صور الفتيات “المتعرية” التي كانت تعلّقها، ومنها استديو فان ليو شخصيا، الذي اعترف أنه اضطر لإحراق تلك الصور، متحسّرا على موت القاهرة التي يعرفها، بعد أن أصبح المصريون مفرطي التديّن والظلامية، بحسب رأيه.

من صور فان ليو “المتعرية”

وكما سبق وأوضحنا، فإن موقف المجتمع إزاء تصوير النساء لم يكن متسامحا، ولكن الأمر لم يكن بسبب موانع دينية بحتة، ولكنه كان عرفا مجتمعيا في العموم. وعندما خرجت النساء للشوارع في ثورة 1919، للمطالبة بحقوقهن، جنبا إلى جنب مع الرجال، بات من الممكن أن تظهر النساء في الصور، خاصة عندما التقط المصورون بعض صور النساء خلسة، وهن يرددن الشعارات ويحملن الأعلام. بالطبع لم تكن النساء ممنوعات تماما من التصوير، إذ سبق ظهور النساء في الصور العائلية والمدرسية، وصور الزفاف، بجانب ما صورّه المستشرقون من راقصات وبائعات. ولكن في 1919 كانت هناك صورة جديدة تماما للنساء، اللواتي خرجن من أسر التقاليد السائدة، ومن المكاسب التي نلنها الحق في المرئية عبر الصورة.

كذلك ظهر اتجاه جديد لتصوير النساء العاملات، ولم يعد تصوريهن مستهجنا كما السابق، ومع نهاية العشرينات ومنتصف الثلاثينات التحقت نساء الطبقات العليا بالأندية الرياضية، وتم تصويرهن وهن يمارسن  الألعاب المختلفة؛ وكذلك على شواطئ المدن الساحلية، بملابس السباحة المكشوفة.

صورة متداولة على مواقع التواصل حول النساء العاملات

المعنى والأمة: الصورة في حرب التأويل

في كتاب “أرشيف الصور وفكرة الأمة” توضح كوتستازا كارفا وتيزيانا سيرينا كيف عادت الصورة الفوتوغرافية للساحة، بعد أن اندثرت لفترة من الزمن، بسبب ظهور الصور الرقمية. يتعلّق الأمر بتحويل الماضي إلى سلعة في متاجر الأنتيكات وأسواق الورق المستعمل. فيما حاول البعض حماية صور عائلته، عبر عرضها على الإنترنت.

يوضح الكتاب أنه قد “تم تجريد الصور الفوتوغرافية القديمة من مصدرها، ومن أي معلومات سياقية، من شأنها أن تحافظ على معناها الأصلي، فقد نُشرت عديد من الصور، دون أي تعليقات من شأنها أن تساعد في إزالة الإبهام بشأن معناها”.

يعاد تدوير الحنين مع تلك الصور، إلا أن لذلك التدوير أيضا معنى متعلقا بـ”الأمة”، التي تحوّلت إلى لقطات منتزعة من سياقها، تُسترجع في حرب التأويلات المتعددة، حول معنى وجودنا السياسي المعاصر.

يتم استخراج الصور القديمة، وتعمّم، لتقديم دليل مرئي، على مشروع ثقافي وسياسي قائم، أو مطروح في الزمن الحالي. وسنجد دائما صورة فوتوغرافية قديمة، في سياق تبادل الحجج في الجدالات المعاصرة؛ أو ضمن الحروب والنزاعات العنيفة، لإثبات حق ما، أو مظلمة تاريخية، أو بطولات متأصّلة.

لقد صوّر الناس أنفسهم ليتجنّبوا الفقد والغياب، سواء المادي المباشر، أو المعنوي المتعلّق بالقيمة والطبقة، إلا أن سعيهم لم يكن ناجحا تماما، فقد بقت صورهم خالدة، إلا أن معناها ضاع واندثر، وباتت مجالا لصراع خطابات جديدة على السلطة. إنها سخرية التاريخ، الأكثر حركية من أي “تراث مادي”.  

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
4.3 7 أصوات
تقييم المقالة
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات