الضحية المقدسة: هل تنفع “البضائع الدينية” غزة؟

الضحية المقدسة: هل تنفع “البضائع الدينية” غزة؟

يمكن القول إنه لا يوجد زمن خالٍ من مصائب وكوارث تصيب البشر، بداية بالكوارث الطبيعية، إلى نتائج العنف والصراعات الإنسانية. إلا أننا في عصر الصورة الرقمية نتعرّض لصدمات متتالية، من جراء أي حدث عنيف، بسبب سيولة الأخبار والمقاطع المصوّرة للدمار والقتلى، ما يسبب مشاعر متباينة، تضغط على وعينا.

ربما تختلف مشاعر الرهبة والفزع والخوف، وبالتالي التعاطف، التي تسببها تلك المشاهد، بحسب الاقتراب أو الابتعاد من الحدث، واللذين يُقاسان في منطقتنا العربية باعتبارات الهوية والثقافة، ولكن المسـألة أكثر تعقيدا من تبسيط الروابط الثقافية المشتركة، إذ يوجد داخل الرابطة العربية والإسلامية دوائر مختلفة، قد يكون التضامن والتآزر فيها طائفيا أو مناطقيا، مثل التعاطف بين المسلمين السنة فقط؛ أو بين المسلمين الشيعة؛ أو داخل إحدى طوائف المسحيين. كما أن للاعتبارات السياسة تأثيرا واضحا على وسائل الإعلام، وبالتالي انتشار التعاطف. وكلما كانت الدائرة قريبة، كلما كان الأمان الوجودي للمخيلة العربية والإسلامية في قلق وتشتت، ما يجعل الطلب على العاطفة الدينية أكثر إلحاحا.

ربما تكون عملية “عاصفة الحزم”، في نيسان/أبريل 2015، التي قادتها المملكة العربية السعودية ضد قوات “أنصار الله” التابعة للحوثيين في اليمن، وما تبعها من دمار وقتلى وتهجير، ونزوح مئات الآلاف من المدنيين، مثالا واضحا للتفاوت التداولي إعلاميا، وبالتالي التعاطف، مع مآسي الناس، على الأقل إذا قارنها بكارثة إنسانية أخرى كبرى، حدثت في سوريا إبان حربها الأهلية، ونالت اهتماما عربيا أكبر نسبيا.

إلا أن حجم التضامن مع غزة، في ظل الحرب الإسرائيلية المدمرة، فاق الحالتين المذكورتين أعلاه، إذ يبدو أن التعاطف مع الدمار الفلسطيني أسهل للعرب،  لأسباب عديدة، منها الذاكرة المشتركة للاحتلال، وكون القضية الفلسطينية في قلب الروايات المؤسسة لدول التحرر الوطني، كما أن المنطقة المقدسة إسلاميا ومسيحيا، ويدور عليها صراع ديني مبسّط.

المشاعر الدينية هنا “سهلة الاستهلاك” إن صح التعبير، وتقدّم تحديدات واضحة لما يجري، وتشكّل العمود الفقري للتضامن. وربما ما نحتاج أن نوغل في أعماقه هنا هو  ثلاثة مناحٍ، تدور حول طبيعة المشاعر الدينية: لماذا تطغى العاطفة الدينية، بوصفها طوق النجاة أمام الدمار والأشلاء؟ وهل تعدّ المشاعر الدينية المفرطة لجاما لجدالات الحيز العام حول ما يجري؟ ومتى تصبح مقاطعة المنتجات الدينية أمرا ملحّا؟

المقدس والمدنس: المشاعر الدينية من التجربة إلى السلطة

تعود التجربة الدينية بشكل عام، أي قدرة البشر على التسامي TRANSCENDENCE إلى جذور الوجود البشري، إذ اكتشف الأنثربولوجيون آثار طقوس دفن الموتى عند إنسان النياندرتال، وجنسنا المسمى الإنسان العاقل “هومو سابينس”. وبحسب المنظور العصبي(1) فإن ذلك السلوك الديني موجود بسبب  القشرة المخيّة أساسا، التي مكنت الأسلاف من أداء عمليات استيعابية عالية المستوى، ومنها إدراك الأخطار المستمرة فيما حولهم، وتسميتها وتصنيفها وتجريدها، في ظل غموض العالم وتعقيده. وهكذا أصبح التفكير في الخطر المحتمل نزعة إنسانية، بخلاف الحيوانات، التي ارتبطت استجابة الخوف عندها بالمثيرات المباشرة حولها.

 ذلك التطور في وظائف الدماغ البشري، سمح بالابتكار والتخيّل في خلق الأسطورة، كي يتغلّب البشر على تهديد الأخطار، خاصة الموت المحتوم، ففي رحلة التكيّف والبقاء، نسجت الأسطورة إجابات ذات معنى، تنحي القلق الوجودي، والتفكّر الملغّز حول الوجود، لفتح طريق الجواب أمام تساؤل: كيف يمكننا العيش في هذا العالم المحيّر دون خوف؟

 كانت تلك الروحانية صالحة في مجابهة المخاوف الكونية، وفي مركزها الموت، ويمكنها تأسيس جانب أساسي من الثقافة والتقاليد، التي عملت على تعضيد بنية وروابط المجتمع القديم، ضد الخوف من الجوع والمرض والجشع والعنف. إلا أن  طبيعة الروحانية تغيّرت بعد نشأة المدن الحضرية، مع الثورة الزراعية، وتعقد المؤسسات، لا سيما الدينية، فانشطرت بين ممارسة روحانية فردية، وبين تأسيس اجتماعي قائم على الملكية والعنف والأيديولوجيا. واستمر هذا حتى عصر الحداثة والانقلاب الصناعي، حين تكيّفت المشاعر الدينية تبعا لنمط الإنتاج والتداول السلعي، كما تهجّنت مع المشاعر القومية الحديثة.

 ربما كان من أبرز ما ترسخه الأديان في الوجدان الجمعي، تقسيم العالم إلى مقدّس ومدنّس(2)، الأول يرتبط بالفكرة المطلقة، والثاني بما هو نسبي، ويقبع في التاريخ البشري. وعبر التقسيم الثنائي الواضح، تفرز الخطابات الدينية المختلفة تنويعات وجدانية، تُشكّل عبرها الذوات الفردية، ضمن مؤسسات مثل العائلة والمدرسة والمسجد والكنيسة، وصولا إلى الجيش والمنظمات الأهلية والصحافة الإعلام، الخ. كما تنبني المشاعر الوطنية على صيغة تُقارب النمط الديني، إذ تستمد قومياتها المتنوعة أصالتها بالإرتباط بمفهوم الأمة ذات الوجدان الديني، كما تقسّم بدورها العالم بين خير وشر،  وفق ثنائية وطن وعدو.

إذ كانت الأسطورة ذات دافع عصبي لضمان استمرار الوجود الإنساني والاجتماعي وتفسيره، فإن سيولة المشاعر الدينية والقومية، في أحيان كثيرة أيضا، ذات غرض احتجاجي سلبي، أمام الاغتراب الاجتماعي والسياسي، كما يؤكد الفيلسوف الألماني كارل ماركس، الذي يرى أن التعابير الدينية نوع من الاحتجاج على المحنة الواقعية، فالدين “زفرة المخلوق المضطهد”.

بيد أننا لا بد أن ندرك “أن التعبيرات الدينية لا تخرج عن نطاق التحديدات الاجتماعية”(3)، لذا نجد أن نماذج الحداثات العربية، قد اعتمدت على التآلف بين مفهومي الوطن والدين، في تنشئة المخيلة المولّد للمشاعر والتعبيرات، والتي تُأصّل هرمية أبوية وصائية سياسيا واجتماعيا، بذلك يصبح ما هو وطني وديني إتكاليا على الرب السياسي، الذي ترجع إليه نشأة الدولة القومية الحديثة، وما دمجته داخلها من تيارات علمانية عربية، توظّف الديني لحساب الوطني؛ وتيارات إسلامية تغلّف الديني بشعارات وطنية أحيانا.

هذه الإتكالية الاحتجاجية مترسّخة في الشعور الديني العربي، وتمثّل حاضنة جاذبة لإحياء الخطاب الإسلاموي المهزوم، في مواجهة خطاب الدولة الوطنية المهزوز، من جديد.

الهروب من اللايقين: لماذا نعود دائما إلى “الصحوة الدينية”؟

في كتابها تاريخ الله، توضح الباحثة كارين أرمسترونغ ارتباط اللاهوت الفكري بالتنوير، إذ أن الإرث المسيحي–اليهودي ساعد على اختلاق الإنسانية الليبرالية. بينما تنوّه إلى أن الدين أو الإله يمكن أن يتحوّلا إلى وثن، نسقط عليهما حاجاتنا ومخاوفنا، لأن الرب يبارك أفعالنا، أيا كانت.

ربما ما تذكّرنا به أرمسترونغ، في حالتنا العربية، أن حركة الإصلاح الديني الإسلامية، في المنتصف الثاني من القرن التاسع عشر، آلت، تحت وطأة صراع خطابات القومية الناشئة، إلى ثقافة فرعية إصلاحية عقلية ضيقة، وإلى تنظيمات إسلامية “إصلاحية سلفية”، دمجت صيغا تراثية في قالب حداثي، حملته الطبقة الوسطى المتعلّمة والمتأزّمة. كل تلك الخطابات ترسّخ وتعزز عواطف دينية، تجابه البلاء والدمار، إما بالتفويض المباشر إلى الإله، الذي يمنح الشعور بالملاذ والعزاء، من خلال المعية والعدالة الإلهية؛ وإما بتقديمها وقودا للاحتجاجات، جاهزا للاشتعال في أية لحظة، من أجل المخلّص، المتمثّل في الخطاب الإسلامي.

ورغم أن عالمنا العربي قد دخل فعليا في العصر المسمى “ما بعد الحداثة”، المُفكك لكل “السرديات الكبرى”، إلا أنه ما يزال قائما بشكل ما على تقليد ديني، يدّعي الإرتباط بـ”التراث”، بعد أن “وجد مستهلكو الدين طرائق جديدة للتعبير عن تديّنهم والشعور به، فهم يستهلكون الأفكار في السوق الدينية، مثلما في السلع والخدمات”(4). ربما لا تحتاج المجتمعات العربية لإعادة إضفاء السحر على العالم، كما قال عالم الاجتماع البولندي زيغمونت باومان، فهو لم يُنزع أصلا على الطريقة اللائكية الأوروبية بتنوعاتها. بل أن علمانية القوميات العربية، وظّفت “السحر “عضويا وأيديولوجيا ومفاهيميا، وبالتالي ظلت الثقافة أسيرة سحرها الخاص، وفي عصر “ما بعد الحداثة” صار ذلك السحر مُنتَجا، يمكن استملاكه، وله أسواقه.

لذا، عند وجود أزمة معنى، يتوق الناس إلى الترياق، الذي تقدّمه العاطفة الدينية، سواء بوصفها ملجأ فرديا، أو بحثا عن سلطة دينية أعلى، أو ارتماءً في عباءة أصولية دينية، خاصة في ظل التنشئة الاجتماعية والتربوية المحافظة دينيا.

هكذا غززت أحداث غزة التشديد على الهوية الدينية، واستدعت بلاغة دينية طنانة، لا ترتبط بغير العجز، والإرتكان إلى خانة الضحية. وبات المزاج الديني الحالي بمثابة نداء صامت لإحياء خطاب الصحوة الإسلامية، وشبكته الدلالية، حول الظلم والوعد الإلهي. خاصة في ظل الخطاب، الذي قدّمته قيادة حماس، في محاولة لاستملاك “المقاومة”، بوصفها سلطة رمزية.

ربما يبدو الايمان دائما تعبيرا عن اليقين، لكن ذكر مدّعيه الدائم للتعبيرات الدينية المتنوّعة والكثيفة، يمكن أن يكون تغطية على اللايقين، خاصة في أوقات الأزمات والصدمات وجوائح الخوف، التي يلجأ البعض فيها، ممن لا يتبنون إيمانا راسخا أو طريقا صوفيا، إلى الارتداد الآني للبلاغة الدينة، في محاولة للاحتماء بالدين وطقوسه وأساطيره وتعبيراته، باعتباره إجابة عن كل ما يحصل. أي ليشعروا أن حياتهم جزء من خطة مفهومة. هذا يعني أن التعبيرات الدينية ليست كلها مظاهر لإيمان عميق، أو ذات طبيعة روحانية، بل، حسب تعبير عالم النفس الألماني ايريك فروم(5) “هروب من شك لا سبيل إلى احتماله”، أي الهرب من التساؤل حول معضلة الشر، وتأثير الدمار والدماء، في ظل صمت العناية الإلهية. وأيضا نلاحظ أن تلك التعبيرات الدينية تقدّم إجابات سهلة للتساؤلات تجاه المجتمع والسياسة.

بعد الملة: لماذا تبدو مقاطعة السلعة الدينية خيارا واقعيا؟

إن رصد المزاج الديني في أوقات الطوارئ يقدّم إشارة واضحة، وبيانا كافيا، للتنبؤ بقدرة الأيديولوجيات الدينية على التعبئة الجماهيرية الرومانسية، وبالتالي تعميق أزمة الدولة الوطنية والإسلام السياسي. فما يبدو أن الكارثة الفلسطينية لا تكرّس الضعف وقلة الحيلة فقط، بل تخلق حالة من التطبّع مع تلجيم الحيز العام، عبر تهيئة أجواء التعصب والعنصرية والازدواجية، بوصفها سَمة ملازمة للمقولات الدينية المسوّقة للعاطفة. والتي تؤدي إلى تبنّي حالة عامة شبه انعزالية تجاه العالم، وهي حالة لا تساعد على شيء أكثر من تكريس المظلمة التاريخية.

لا شك أن النظام العالمي ليس بريئا أو مثاليا، ولكن فهم وقائع التاريخ يرغمنا على تقبّل وفهم الواقع السياسي والاقتصادي القائم، على الأقل بوصفه شرطا للتأثير والتغيير، وذلك ما يحيلنا بطبيعة الحال إلى ضرورة الالتفات إلى أيديولوجياتنا المؤسِّسة، وعلاقتها العضوية بذلك النظام غير البريء، والتساؤل حول المفاهيم التي نعتبرها بديهيات، في السياسة والثقافة والمجتمع.

إن القطيعة مع التعبيرات ذات البعد القومي والديني للأمة، ليست مجرد شك، أو تفكير على مستوى مجرّد، لاهوتي وفلسفي، بل نوع من الريبة بالنظام، العالمي أولا،  والاجتماعي المحلي ثانيا، فربما يكون الظالم والمظلوم جانبا من سياق واحد، لا بد من تجاوزه، فكريا على الأقل.

ربما يكون من أبرز المحاولات الفلسفية في طرح مسألة الدين إجمالا، وعلاقتها بسياقاتنا السياسية والاجتماعية، حديث الفيلسوف التونسي فتحي المسكيني، في كتابة “الإيمان الحر، أو ما بعد الملة”، عن ضرورة الفلسفة في تحرر العقل من أي سلطة لا تؤمن به، إذ بغير ذلك تظلّ عقولنا عبئا علينا. ويشير المسكيني أيضا إلى أن ما نحتاجه هو نوع المفكر، الذي لا يخترع أفق انتظاره الخاص فحسب، بل يحطّم فكرة الانتظار من أساسها، ويرفض تملّق الأمة.

من هنا يؤكد المسكيني أن علينا طرح الأسئلة الفلسفية، حتى يكون الإيمان بالإنسان هو اختبار أنفسنا وما نؤمن به، وبدون ذلك تصبح الديموقراطية عائقا تاريخيا. مؤكدا أن ما تعاني منه ثقافتنا هو عدم قدرتها على اختراع قيمها الكونية، إذ يبدو أن سبب المشكل ليس مجرد الخلط بين الدين والدولة، بل أن تصوراتنا عن الدين والدولة نابع من ثقافة الاستبداد، وهكذا تكون العاطفة الدينية مُنتَجا لذلك الاستبداد، ونحن مستهلكوها.

بهذا المعنى فربما يجب فعلا مقاطعة “المنتجات الدينية” المعاصرة، فهي سلعة لسلطات تكرّس حالة الخنوع القائمة، وقد تؤدي لاضطرابات اجتماعية وأفعال سياسية عبثية. وهذه “المقاطعة” قد تكون أجدى من التوقف عن شراء منتجات الشركات العالمية، فهي ستوصل إلى طرح الأسئلة الأكثر صعوبة، والتي تتطلّب الإجابة عنها فعلا فكريا وسياسيا، قد يساعدنا على تجاوز واقعنا الحالي.  

المصادر

  1. صورة فوتوغرافية للرب، أندرو نيوبرغ – يوجين داكويلي، منشورات نصوص.
  2. المقدس والمدنس، مارسيا إلياد
  3. سوسيولوجيا الدين، ماركس وانغلز، ج1، دانيال ليجيه وجان ويلام
  4. المرجع في سوسيولوجيا الدين، المجلد الأول، كتاب أكسفورد.
  5. الدين والتحليل النفسي، إيريك فروم.
هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
4.2 10 أصوات
تقييم المقالة
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات