تتناول بعض الدراسات الغربية الانتشار الجماهيري، الذي حققته الأعمال الأدبية والدرامية، المعتمدة على تيمة “الزومبي”، وظهوره ضمن موقف أبوكاليبسي انهياري شامل، مهاجما مدينة أو ضاحية، حيث تدور معركة صفرية، لا تنتهي إلا بتخريب كل معالم الحضارة، انتهاء بأكل لحوم البشر، دلالةً على الغياب الكلي للرادع الأخلاقي أو الإنساني الواعي، ضمن صراع خلاصي للنجاة. الزومبي وفق هذه الدراسات هو ميت حي، أو كائن يستوي لديه الموت والحياة، وحش آدمي، ومسخ أنتجته دراما حياتية قاسية، مذنب وضحية، مجرّد من العاطفة أو الرثاء. حسب تعبير الباحث مكسيم كولومب: “أيا كان الموضوع الذي صنع من الزومبي كائنا حيا غائبا عن ذاته، سواءً صدمة مؤقتة أو مستمرة، فقد اضطرب وعيه وتوحَّش. وزلزلت صدمة عظمى لديه ما يعرّفنا كبشر: قدرتنا على التفكير”.

الزومبي وفق هذه التحليلات هو استعارة، ينظر من خلالها الإنسان الغربي المعاصر لمسخ مشوّه عن نفسه، في ما يشبه الاحتجاج أو التفريغ النفسي، فيزيل “قشرة الحضارة” لينفذ إلى “الحالة الطبيعية”، التي يتصرّف فيها البشر فقط لأجل البقاء على قيد الحياة، بالتحلّل الكامل من الأطر المخترعة (مثل القانون والأخلاق الحديثة للصراع) يتحرر الزومبي من كل الروابط والتراتبيات والامتيازات والتاريخ، فهو ومن يهاجمهم أصبحوا متساوين في صراعهم لأجل النجاة، إذ يتخلّى أبناء الحداثة عن القشرة أيضا، وينتظمون في ميليشيات في مواجهة الزومبيز، في عودة لغريزة البقاء العارية.

والزومبي ينتقل بين حالين: وجود عدمي يراوح في الفراغ، وملء الوجود عبر الفعل المتوحش. والحالتان فيهما إلحاح على الارتفاع فوق العقل وطاقة التفكير، التي لم تعد تلزم الزومبي. الافتراض هنا أن الزومبي يستحلب الصدمة الدرامية القاسية، لتبقى مثل بصمة مطبوعة على وجوده، لكنها تشلّ تفكيره، وتسلبه قدرته على رد الفعل إزاءها. البصمة الدامغة للصدمة هي كل دوافع الزومبي، سواء انعكست على وجوده الملتف بالعدم، أو الفناء في فعله الوحشي المجرّد من الغائية. والغائية المقصودة هنا هي السعي لاستمرار الحياة، ورفاهها المعنوي والمادي، وهي قضبان تسير عليها عملية التفكير، وفي غيابها تتجرّد غريزة البقاء لعناصرها الأولية.

ظهر الزومبي ضمن إنتاجات ثقافية غربية، وتيارات فكرية تجلد ذاتها الحديثة، تندم على جرائم الماضي، ويشعر أفرادها بالإنهاك داخل ماكينة السعي الطاحنة، دون قدرة فعلية على تعديل اتجاهها. وحضر في فيلم “ليلة الميت الحي” عام 1968، تحت صفة “الغول”، ثم  تمّت إعادة إنتاج الفيلم في عام 1990، ليصبح الغول مرادفا للزومبي. وبعدها حضر طيفه العدمي، الذي يغوص في الفراغ، قبل أن يتشرّس سعيا لبعث غريزة القتال “الطبيعانية”، في رواية “نادي القتال” 1996، والفيلم الشهير المأخوذ عنها عام 1999. ويظل حضوره يتعزز، وصولا لشخصية الجوكر في الفيلم الجماهيري عام 2019. ملاحظة النجاحات الجماهيرية الفائقة لتلك الأفلام، وترسّخ الحضور الأيقوني للزومبي، تعبير عن الاحتياج المستمر للتفريغ، والاتجاه المتنامي للإيمان بـ”قشرية الحضارة”، أي هشاشتها، ومفاهيمها التي لا تصمد أمام الغرائزية الطبيعية، فالقتال بلا غاية هو رمزية الزومبي الرئيسية، ومبرر الإعجاب به، إذ يتشوّق المعجبون لخلع ألبسة تلك الحضارة/القشرة، ولو لساعات قليلة، هي مدة مشاهدة فيلم.

إلا أن الزومبي، بوصفه تعبيرا ثقافيا، لا يقتصر على واقع غربي، وتيارات فكرية معيّنة فيه، إذ يبدو أننا نمتلك نسخة محليّة له، تشير إلى أوضاع لا تقلّ تعقيدا.

تمصير الرعب: في التماهي الضاحك مع الزومبي

أعادت السينما المصرية إنتاج شيء من حضور الزومبي فكاهيا، ابتداء من شخصية “اللمبي” 2002، وأبطال موجة أفلام العشوائيات التالية له، وصولا لشخصية “حزلقوم” في فيلم “لا تراجع ولا استسلام” 2010. وذلك بعد ثماني سنوات، تلت صك مصطلح “السينما النظيفة”، بالتوازي مع الحراك السياسي الذي سبق ثورة يناير 2011. والسمة الرئيسية، التي تجمع اللمبي وحزلقوم وتوابعهما بالميت الحي هي تصالحهم (وجمهورهم) مع استبعادهم الاجتماعي وتهميشهم، البصمة المطبوعة للصدمة، للدرجة التي تبرر تعطّل قدرتهم على التفكير، وتلعثم لغتهم، والتسامح مع عجزهم عن الإتيان بالحلول، لأن القوة القاهرة التي تضغط عليهم جبّارة. وأخيرا التحذير منهم، بوصفهم قنبلة موقوتة، لو أظهروا الوجه العنفي بدلا من الفكاهة (مثل حالة فيلم “حين ميسرة” للمخرج خالد يوسف 2007)، فهم يصبحون عندها غيلانا لا عاطفة لديها، ولا رادع أخلاقي، يغتصبون الأخوات والنساء، ويسرقون ويقتلون، ويبيعون الأصحاب والأهل فداء الجنيه.

حيلة التلقي، التي رحّبت على أساسها الطبقات الوسطى المصرية والعربية بالزومبيز المحليين في بداية الألفية، كانت التماهي، وهو من طباع الفرجة. إذ تحوّل اللمبي لوكيل عن تلك الطبقات أيضا، يُزاح الفارق الطبقي بينه وبينها تدريجيا، لتقتبس لغته، وتزداد إعجابا ببلاهته، لأنها تستعير ظرفه القاهر داخل سياقها، ومن ثم يصبح إسقاط قشرة الحضارة، وابتعاث حالة الطبيعة فكاهيا، مبرَّرا مجازيا لجمهور اللمبي.

أفلام العشوائيات تحدد إطار الصراع دائما بين الزومبي المنسحق (والخطير) والقوة القاهرة، صراع لا توسّط فيه ولا احتمال للحلول العقلانية، ولا فائدة من التفكير والحيلة. وفي الإطار نفسه تختلق المبررات للانسحاق أو السلوك الخطر، بينما لا مبرر ولا عذر في حالة القوة القاهرة، فهي مكتملة وفجّة وناجزة. حتى التوحّش في مواجهة هكذا قوة يتوّلد تحديدا من عدم اكتراث الزومبي بالفناء، على طريقة “إذا مت ظمآنًا فلا نزل القطر”. ومن ثم تصلح استعارة نموذج اللمبي من وجهة نظر معارض للحكومة، أو ثائر على النظام في مرحلة تالية، أو ثوري مهزوم في مرحلة ثالثة. كل هؤلاء، في خيالات ورمزيات وتمثّلات بصرية وفانتازمية، كانوا منسحقين أمام قوة قاهرة؛ ثم متشرسين بلا غائية إزائها، في ثورة تحتفل أنها بلا قيادة ولا قياد؛ ثم مهزومين مستحقين، حاملين لبصمة الصدمة المطبوعة. الحالات الثلاث لا يلزمها استدعاء العقل أو الحيلة في معركتها، ويكفيها سعيها لكشف ظلم النظام، وقشرية الحضارة، وازدواجية الغرب، وفوقية “الرجل الأبيض”. القوة القاهرة ما أسهل إدانتها! والمنسحق/المستشرس مرفوع عنه القلم والتكليف.

لكن السؤال عن تلك النوعية من الاستقبال لا يجب أن يُغفل أنها لا تعبّر بالضرورة عن المستبعدين اجتماعيا، الذين حوّلهم اللمبي لصورة كاريكاتورية. سواء في تقرير عدم اكتراثهم بنوعية حياتهم، أو السعي “العقلاني” لتحسينها، والحكم عليهم بالاكتفاء بالفناء في العدم أو التلذذ بالوحشية، واحتجازهم في موقع ثابت منسحق أمام القوة القاهرة، التي لا يملكون أمامها إلا النكوص لـ”حياة الطبيعة”. تلك المصادرة على أهليتهم، وعلى مسؤوليتهم عن مصائرهم وأفعالهم، تخصّ المتفرجين وتماهيهم مع الزومبية.

بعد المتفرجين يأتي دور مجموعات المحللين، التي أضفت ألقا بطوليا على مسخ حداثتنا المحلية، ليتحوّل اللمبي وحزلقوم لمثقفين “ما بعد حداثيين” من عيار ثقيل، تغيب عنهما الحكمة، لكنهما يستبطنان عذابات المثقف العبثي، الذي يتأسى ويتلذذ مع اللمبي التفكيكي، حين يتطوّح أمام كمين (حاجز) الشرطة، مدندنا أغنية أم كلثوم الوطنية الشهيرة: “وقف الخلق ينظرون جميعا …”. وكأن اللمبي كذلك أصبح زومبي يستعمله مثقفو حداثة تجلد ذاتها، مطبوعين بوصمة تحت جلودهم، ومطالبين بالتكفير عنها، أولا لأنهم فاشلون، وثانيا لأنهم متأجنبون.

جمهورية أجنابيا: كيف صار “الخلاص” أجنبياً

“المتأجنب” صفة مدّعاة، واتهام وقع على المثقف الحداثي من خارجه. قد تكون مرتبطة بخطاب تيارات التحديث والتنوير العربية، وعلاقتها بالاستعمار الغربي في الداخل، وحداثته في الخارج، ومواجهتها مع التيارات الأصولية المحلية. هي مدّعاة لأنها وعدت جمهور الحداثيين العربي بالغرب “الإنساني”، ذي القيم الرفيعة، وكأنه مثال متحقق وملك حصري غربي، وليس مسارا وصراعا. وكأن تلك القيم نبت غرائبي وإجرائي، أداة طيعة، لها فعل السحر، لا عقل نقدي ولا مصالح متعارضة وراءها، لا سلطات وشعوب، لا مختلفين ومتحاربين، لا طبقات وجبهات. علاقة الحداثيين الشائكة بالغرب، سعت للتهرب من ثنائية المنسحق/القوة القاهرة، ولكنها فتحت بابا لاتهام تيارات الحداثة بالاستلاب أمام الأجنبي، وأصبح الاتهام بالتأجنب سلاحا في يد الأصوليين، الذين ينسبون لأنفسهم صفة الأصليين/العضويين، مهما تشعّبت وتعقدت علاقتهم بالغرب نفسه. “الغرب” جملة اعتراضية في هذا الصراع الداخلي، يظهر في أثواب السوبرمان، الذي يطير ويحط على المنسحقين، فينقذهم ويبعثر قيمه الجميلة مجانا عليهم، وإن تخلَّف عن هذا الدور سقطت “قشرته الحضارية”، وبانت “ازدواجيته”، وتساقطت صورة المبشرين بتلك القيم، أمام “العضويين”، بفوقيتهم الدينية أو القومية.

في هذا السعي لإلصاق تهمة التأجنب، نجح الأصوليون في التأكيد على ثنائية المنسحق/القوة القاهرة، ليخوضوا تحت لافتتها الصراعات المتنوعة. ومع الطور الحضاري الحالي، وانتعاش تيارات الهوية، صارت لهم اليد العليا في تمثيل العرب/المسلمين في الغرب نفسه، بناء على الثنائية نفسها. والحقيقة أن القوة القاهرة لا يضيرها كثيرا أن يدينها المنسحقون في هذا التصور، فهو تأكيد فعّال على فوقيتها وتفوقها؛ والمنسحقون كذلك، إذا امتلكوا كل المبررات للإدانة، لا يردعهم رادع عن امتثالهم لموقعهم، بين العدمية وسخريتها المبتذلة وبين التوحش؛ وكذلك عن خوض مسار الزومبي، تحت شعارات لا تقلّ فوقية.

غضب الزومبي هورموني، لا يد له فيه، ومظلمته فائرة زابدة ومعذورة، وتحدياته دائما في مواجهة قوى قاهرة وامبراطورية، لا يختار قوى صغيرة يحاول الانتصار عليها، فتلك من سمات العقلانية. والعجيب أن التأجنب نفسه، في الطور الهوياتي الحالي، لم يعد اتهاما، بعدما صار المتحدثون باسمنا في “جمهورية أجنابيا”، أي “الغرب”، هم أنفسهم جيش المنسحقين، في مواجهتهم الخلاصية مع الإمبراطورية القاهرة، على أرضنا وعلى أرضها.

ضد اللمباوية: في صعوبة التبرؤ من التوحّش

وجد اللمبي، وقت عرضه، جمهوره الذي يدافع عن قصوره التفكيري، كما يجد الإرهاب الإسلامي من يعزيه إلى ظروف المعيشة والاستبداد الدولتي، حتى لو حصد من المسلمين آلافا، كلاهما مرفوع عنه القلم، كالطفل في مهاده، والمحتلم في غفوته، والمجنون إن غاب عقله. وتحمي تلك المزاوجة خطابها بالتخفّي خلف ستار معارضة الأنظمة العربية، أس البلاء وبيت الداء. وفي حال طالبنا نخب “جمهورية أجنابيا” بوقفة جادة أمام التطرّف، يمكن لحراس “اللمباوية” منهم أن يجدوا المبررات لذلك التطرّف، كلما كانوا مطالبين بالتصرف، والتبرؤ من العدمية أو التوحش، ووضع الخطط التفصيلية المملة، والانتباه لضرورة بناء القدرات التدريجي البطيء، وفحص ما فات ونقده وتعلّم دروسه. حراسة “اللمباوية” كناية عن تعطّلهم، وليست بالضرورة نظرة فاحصة لموقع اللمبي في الهيكل الاجتماعي خارج “جمهورية أجنابيا”. فاللمبي لو ضرب زوجته أو قتلها، بوصفه حامل امتياز، يجد ألف من يدافع عنه باقتناع في بيئته “العضوية”، ولكنه في “جمهورية أجنابيا”، وبلسان المتأجنبين، مجرّد ضحية منسحقة للقوى القاهرة، غربها وشرقها.

ما يلحظه اليوم بعض من يتخذون مواقف مناوئة لحرّاس “اللمباوية”، ممن يعيشون خارج “جمهورية أجنابيا” ومصالحها ومؤسساتها، أنهم صاروا نهبا لحالة رعاعية، تسلبهم أبسط عناصر أمانهم، بينما يباركها المتأجنبون، حاملو ألوية الصراع الخلاصي.

في صراعات المعسكرات، التي خلفها “الربيع العربي”، تبرز الكتلة المتمسّكة بما تبقى من صيغ تعايش متحللة، والناظرون لبلاد مفككة أو شبه مفلسة، والمجبولون على الاختيار بين سيء وأسوأ. وهي كتلة متنوّعة وغير متجانسة، يحسبها الخلاصيون بكل تبسيط على أنظمتها الحاكمة، أو أي قوة قاهرة أخرى، ويدينون تواطؤها وتخاذلها وجبنها، ويصنّفون نقدها للحالة الرعاعية (أو السرسجية) في باب العنصرية الطبقية؛ بينما تخيّر الأنظمة نفسها رعاياها بين سلطتها، أيا كان حالها، وبين السقوط تحت رحمة الخلاصيين والسرسجية من كل صنف.

يسخر الخلاصيون بعد تأجنبهم من محلّية “العضويين” الجدد، الخائفين من “العضويين” القدامى، وينأون بأنفسهم عن تفصيلات الصراع، الذي لا يسهل تعريفه، وفق ثنائية المنسحق/القوة القاهرة. فذلك صداع للعقل واختبار للصمود الحضاري، ولو في قلب مأساة. ويفضّلون أن يتابعوا الصراعات الحربية، بنظرة معجبة، وكأنهم يتابعون لعبة “كول اوف ديوتي” الحربية، وهي الجيل الجديد من ألعاب المحارب الفرد ضمن جيش لا يعرفه، وأقرب النماذج لشكل ميليشياوي جديد، ينضمّ إليه المرتزقة من كل أنحاء العالم، ويحارب نيابة عن الجيوش الوطنية. فتى الميليشيا هو أيضا محارب مرتزق يأتي من شتى البلاد، وزومبي في طوره التوحشي، يمكن تبرير نكوصه بحاجته الاقتصادية، ولكن رصاصه أحيانا يرتد في صدور أطفالنا.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
4.2 14 أصوات
تقييم المقالة
1 تعليق
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات
Hamlet Wali
2 سنوات

مقال عظيم