القومية الكروية: ما أسرار تضامن الألتراس الأوروبيين مع “القضية”؟

القومية الكروية: ما أسرار تضامن الألتراس الأوروبيين مع “القضية”؟

منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر تبدّلت أولويات معظمنا، مثلا لم تعد مباريات كرة القدم تحظى بالاهتمام الجماهيري المعهود من المتابعين العرب، وكثيرون توقفوا عن مشاهدة مباريات فرقهم المفضّلة، العربية والأوروبية، رغم هذا برزت القضية الفلسطينية في ملاعب كرة القدم، وبأسلوب مفاجئ للبعض، عبر الجماهير التي ترفع أعلام فلسطين، خاصة في أوروبا، وهكذا عادت كرة القدم إلى عادتها القديمة، التي صنعت جانبا كبيرا من شعبيتها: ميدان لإبراز الانتماءات.

والسؤال الآن: إذا كان دعم القضية الفلسطينية من قبل الفرق العربية ومشجعيها أمرا منطقيا، ما الذي يجعل جماهير فرق، في اسكتلندا وإسبانيا وإنجلترا وإيطاليا، تصرّ على مؤازرة ما تعتبره الحق الفلسطيني؟ هل يمكن تفسير هذا بالتضامن الإنساني البديهي؟ أم أن بحث ظروف كل بلد على حدة، سيساعدنا أكثر على الفهم؟

إيطاليا: الشاطئ الفلسطيني على المتوسط

ليست العلاقة بين القضية الفلسطينية وملاعب كرة القدم العالمية وليدة اللحظة، بل لـ”القضية” باع داخل بطولات وملاعب اللعبة منذ عقود. عام 1982 تمكّن المنتخب الإيطالي من الفوز بكأس العالم على حساب ألمانيا، بثلاثة أهداف مقابل هدف واحد، ولكن المفاجئ وقتها أن الرئيس الإيطالي الاشتراكي ساندرو برتيني أهدى الكأس لمنظمة التحرير الفلسطينية، تضامنا مع نضال الشعب الفلسطيني.

الرئيس ساندرو برتيني

ذلك التضامن الإيطالي مع المنظمة لم يكن غريبا، لدرجة أن الحكومة الإيطالية بعدها بثلاثة سنوات، دخلت في صدام دبلوماسي مع الولايات المتحدة الأميركية، على خلفية سيطرة الأخيرة على طائرة، كانت متجهة من مصر إلى تونس، وتحمل على متنها محمد زيدان (أبو العباس) زعيم “جبهة التحرير الفلسطينية”، وإجبارها على الهبوط في قاعدة تابعة لحلف الناتو في صقلية الإيطالية. وذلك على خلفية اختطاف جبهة أبي العباس لسفينة إيطالية، وقتلها رجلا أميركيا على متنها. إلا أن إيطاليا أصرّت على عدم تسليم القيادي في منظمة التحرير لأميركا، رغم أنه اختطف سفينة ترفع علما إيطاليا، وبعد احتجازه لفترة قصيرة، رحّلته إلى يوغسلافيا، ومن ثم عاد إلى مصر.

صحيفة “إسبريسو” الإيطالية فسّرت تلك الأحداث التاريخية، من خلال نشرها مقتطفات من مذكرات الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، والتي تكشف عن وجود اتفاقية سريّة، بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الإيطالية، بأن لا ينفّذ الفدائيون الفلسطينيون أية عملية في الأراضي الإيطالية، مقابل أن تتيح الحكومة الإيطالية حرية الحركة لأعضاء المنظّمة، ورغم أن أبا العباس قد خرق تلك الاتفاقية إلى حد ما، فإن الأحداث أثبتت تمسّك إيطاليا بتعهداتها، لدرجة أن عرفات كتب أن “إيطاليا شاطئ فلسطيني على البحر المتوسط”.

لا يمكن تفسير تعاطف الجماهير الإيطالية مع “القضية الفلسطينية” باتفاقات سرية طبعا، ولكن تعقيدات التاريخ الإيطالي، والصراعات الاجتماعية والطبقية الداخلية، وكذلك شعور كثيرين في إيطاليا بالنقمة من سياسات شمال أوروبا والولايات المتحدة، أكسب “القضية” في أعينهم هالة تحررية كبيرة، ما زالت مستمرة إلى الآن.

اسكتلندا: صراخ الناقمين على المملكة

في اسكتلندا يختلف كل شيء عن فلسطين، فلا تتشابه الدولتان بالطابع الجغرافي، ولا يدين الشعبان بالديانة نفسها، لكنه في اسكتلندا، وخاصةً داخل ملعب نادي “سيلتك” الشهير، تتواجد أكبر مجموعة رياضية داعمة لفلسطين.

يعتقد علماء الاجتماع أن ميل جمهور “سيلتك” للجانب الفلسطيني يعود في الأساس لأسباب تتعلق بهوية النادي، الذي تأسس عام 1887، على يد مهاجرين أيرلنديين، انتقلوا إلى اسكتلندا، هربا من المجاعة والاستعمار الإنجليزي.

“الأخ والفريد” رجل الدين الإيرلندي المؤسس لنادي “سيلتك”.

ومع معاناة مؤسسي النادي، بدأوا في مناصرة القضايا الإنسانية من وجهة نظرهم، بداية من الاحتجاج على التمييز ضد الكاثوليك في اسكتلندا، وصولا لدعم استقلال أيرلندا. واستمر هذا التقليد، إذ وقفت جماهير “سلتيك” إلى جانب عديد من القضايا السياسية، أبرزها مواجهة الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، واستقلال إقليم كتالونيا الإسباني، والترحيب باللاجئين السوريين، وأخيرا دعم القضية الفلسطينية.

منذ أن بدأت الحرب في غزة، لم تتوان جماهير “سيلتك” في تقديم الدعم، فخلال مواجهة الفريق أمام ضيفه “أتلتيكو مدريد” الإسباني، في الجولة الثالثة من دوري أبطال أوروبا، ملأت الأعلام الفلسطينية ملعب “سيلتك بارك”. ورغم تحذيرات الاتحاد الأوروبي، وتبرؤ إدارة النادي الاسكتلندي من دعم جماهيره للقضية الفلسطينية، فإن الجماهير واصلت نهجها نفسه. دون أن يؤثر فيها حتى وجود مهاجم إسرائيلي في فريقها، هو ليل عبادة.

ليل عبادة

وكانت رابطة “غرين بريغاد”، التي تعني “اللواء الأخضر”، الداعمة لنادي سلتيك، رفعت الأعلام الفلسطينية ولافتات “فلسطين حرة” و”النصر للمقاومة”، خلال مواجهة فريقها أمام فريق “كيلمارنوك” في الجولة الثامنة من الدوري الإسكتلندي؛ وبعدها في الجولة التاسعة أمام نادي “هارتس”.

وأصدرت الرابطة بعد المباراة بيانا، ردا على تبرؤ النادي من تصرفات الجماهير، تدعو فيه الأنصار لرفع الأعلام الفلسطينية، وتخصيص صندوق التبرعات من أجل فلسطين.

يمكننا فهم تضامن جماهير “سليتك” إذن من خلال توضيح خلفية الصراع في اسكتلندا وإيرلندا ضد سياسات حكومات المملكة المتحدة، ما يجعل فلسطين، مثل كاتالونيا والباسك، جانبا مما يرونه قضية تحرر عالمية.  

اسبانيا: فلسطين في آخر بلد أوروبي اعترف بإسرائيل

خلال مباراة فريقي “ريال سوسيداد” و”ريال مايوركا” في الدوري الإسباني، والتي أقيمت في إقليم الباسك، رفع مشجعو الفريقين عددا كبيرا من الأعلام الفلسطينية، التي تحمل عبارة “فلسطين حرة”، ومن المعروف أن إقليم الباسك يحاول الانفصال عن إسبانيا، ولدى سكانه قضية سياسية، يحاولون التعبير عنها منذ عقود، وكذا دعمت جماهير فرق مثل “أوساسونا” و”إشبيلية” فلسطين في مبارياتها.

علم كاتالونيا وأعلام فلسطين

في الواقع لا يُعد ذلك حدثا جديدا في عالم الكرة الإسبانية، ففي تشرين الثاني/نوفمبر عام 2022، كانت جماهير فريق باسكي أخر، وهو “أتلتيكو بلباو”، تصطف خلف مرماها، وتهتف فلسطين حُرة.

حتى عام 1986، كانت إسبانيا الدولة الوحيدة في أوروبا الغربية التي لم تعترف رسميا بإسرائيل، لعدة أسباب، مثل سياسات فترة حكم فرانكو المؤيدة للنازية، والعلاقات الوثيقة ما بين إسبانيا والعالم العربي، التي جعلت الحكومة تُعلن في اليوم نفسه، الذي اعترفت فيه بإسرائيل، تأييدها للفلسطينيين في مطالبهم، بانسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها عام 1967 .

أما حاليا، فالحكومة الإسبانية تنتمي لحزب العمال الاشتراكي، ويرأسها بيدرو سانشيز، يساري التوجُّه، وبالتالي يبدو منطقيا جدا أن تتعارض وجهة نظره مع وجهات نظر الولايات المتحدة الأميركية الداعمة لإسرائيل.

ضد الولاء: لماذا تُتهم “القومية الكروية” بمعاداة السامية؟

في مدينة ليفربول الإنجليزية، ذات التاريخ العمّالي العريق، خرجت مظاهرات لدعم القضية الفلسطينية، وفي ديربي “الميرسيسايد” بين “ليفربول” و”إيفرتون”، قامت جماهير ليفربول برفع علم فلسطين، قبل انطلاقة المباراة.

وفي تركيا، رفعت جماهير فريق “غالطة ساراي”، الذي استضاف فريق “بايرن ميونيخ” الألماني، ضمن مباريات دوري أبطال أوروبا، لافتات عدة، مؤيدة للقضية الفلسطينية خلال المباراة. وإضافة للموقف الإسلامي المؤيد لفلسطين، فيمكن وضع هذا التصرف أيضا في سياق المناكدة المعهودة بين الجماهير التركية والجماهير الألمانية، التي تؤيد دولتها الموقف الإسرائيلي.

وقالت إحدى اللافتات: “لو لم تتحرر القدس، فالعالم كله أسير”، بينما أكدت أخرى: “لقد فقد العالم ضميره في القدس”.

وفي مباراة أيرلندا الشمالية واليونان، ضمن المجموعة الثانية للتصفيات المؤهلة لنهائيات كأس أمم أوروبا لكرة القدم 2024، رفع مشجعو المنتخب الأيرلندي الأعلام الفلسطينية، ورددوا بعض الهتافات المناصرة لغزة. ولا داعي لتفسير موقف الإيرلنديين هذا، خاصة أننا تكلّمنا سابقا عن موقف جيرانهم الاسكتلنديين.

بكل الأحوال، الرفض العالمي للحرب الإسرائيلية على غزة واسع جدا، وفي مختلف القطاعات والمؤسسات، من الأكاديميات ووسائل الإعلام وحتى بعض النقابات العمالية، ولكن في كرة القدم بالتحديد، نتحدث عن أكثر من رفض، إنه “ولاء” لقضية، فالانتظام ضمن جماعات المشجعين، يزوّد الأفراد بمجموعة من الرموز والإشارات، التي يجب الدفاع عنها، بوصف ذلك جزءا من شرف الفريق. ويعتبر هذا من أبرز مظاهر “القومية الكروية”، ذات المنظور الخاص، فلكي تكون مشجّعا صالحا لنادي “سيلتك” مثلا، يجب أن تحب اسكتلندا وإيرلندا وكاتالونيا وفلسطين، بل وأن “تقاتل” لأجلهم، على طريقة معارك مشجعي الكرة. وهذا ليس مجرّد مظهر للتسلية والترويح عن النفس، بل كثيرا ما يخوض المشجعون معارك حقيقية في الشوارع، أثناء الاضطرابات السياسية، إلا أنهم لا يخوضونها بوصفهم أعضاء في أحزاب أو جماعات سياسية، بل بوصفهم “ألتراس” منتمين لفريق ما، وبغض النظر حتى عن موقف إدارة ذلك الفريق.

يمكن بالطبع لكثير من الجماهير العربية أن تفرح بتضامن نظرائها من الغربيين، ولكن لا ندري كيف ستختلف الأوضاع مع التغيّرات في عالم كرة القدم المعاصر، وانحلال كثير من روابط المشجعين، بل وبروز ظاهرة الجماهير المأجورة.

من جهة أخرى توجد جهات متعددة تفسّر تضامن الجماهير الكروية مع فلسطين بميول “الألتراس” الذكورية والقومية، التي باتت مستهجنة في عصرنا، وقد بات كثير من مناصري إسرائيل يضيفون العداء للسامية إلى قائمة مساوئ روابط “الألتراس”. لا ينفي كل هذا أن موجة الرفض العالمي لحرب غزة قد نجّت تلك الروابط، ربما مؤقتا، من “الحرب” التي تُشن عليها، في سبيل تفكيكها، أو تحويلها إلى “أصل استثماري” يمكن بيعه وشراؤه.  

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
5 5 أصوات
تقييم المقالة
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات