الذاكرة “المدنيّة”: لماذا لا يتحدّث العراقيون عن تجربتهم مع “المقاومة”؟

الذاكرة “المدنيّة”: لماذا لا يتحدّث العراقيون عن تجربتهم مع “المقاومة”؟

منذ بدء عملية “طوفان” الأقصى في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر المنصرم وحتى الآن، ظهرت في العراق عدة خطابات متشابهة من طرفين متناقضين، لا يتفقان عادة، لا في أيديولوجياتهما ولا توجهاتهما ولا أدواتهما؛ طرفان كانا يشغلان أحد أهم محاور الصراع في البلد، وهما الإسلام السياسي الشيعي، بكل تمثّلاته وميليشياته و”مقاوماته” وتياراته من جهة؛ و”المدنيين” من جهة أخرى، الذين يشكلون غالبية النخبة “المثقفة”، وعماد العمل الحزبي المستقل عن الميليشيات، ومن المفترض أن أغلب القوى التي ينتظمون بها، كانت فاعلة، أو انبثقت من “انتفاضة تشرين”.

الاتفاق في مسألة “القضية” لا يمكن تجاهله، هو حدث ويحدث وسيحدث، وكأنه في كل لحظة حاسمة تذوب “المدنية” في العباءة الإسلامية وتنسحق. كثيرون اليوم يحيّون “المقاومة”، وسط صدمة آخرين، يعلمون جيدا، مثل كل العراقيين، ما الذي يفعله هذا النمط من المقاومة حقا .

لماذا يحدث كل هذا دائما؟ هل قضية “المقاومة”، بميليشياتها، عادلة لدرجة أن تُنسي البشر كل خلافاتهم؟ وكيف يمكن فهم التزاوج المستمر بين الأيديولوجيات الدينية والحراك “المدني” في العراق؟

الذاكرة المثقوبة: هل علينا فعلا التذكير بتراث “المقاومة الإسلامية”؟

ليست فكرة نقش أسماء الأطفال والشباب على أجسادهم، التي نراها من مواقع الصراعات الدموية الحالية، شيئا جديدا بالنسبة لأهل العراق، فقد نقش كثير من العراقيين أسماءهم على أجسادهم أثناء الحرب الطائفية التي شهدها البلد، ليميّز الناس جثثهم، ويجنّبوا الطواقم الطبية والأهالي مشقة التعرّف على الهوية، عبر التحديق في وجوه الجثث المتحلّلة. كان الموت في تلك الفترة يتم على الهوية، قبل التحلّل طبعا. ويا ويل من اسمه علي أو عمر في المنطقة “الخطأ”! تزداد الأمور سوءا لو مررت بحاجز، لا تعرف أهو سني أم شيعي، ففي الحالات كلها هناك احتمالية، تصل إلى النصف، بأنك مقتول لا محالة، وربما بأشنع الطرق.

لا فائدة من إيراد هذه “الحقيقة”، إلا لدالتها على عمق الصراع الطائفي الذي حدث، مع بروز “المقاومة”، والتي انتصرت كعادتها، و”بَنَت” العراق المعاصر. وقد يكون من المستغرب أن نضطر لإعادة سرد الوقائع المعروفة عنها، ولكن يبدو أن الذاكرة العراقية والعربية مثقوبة:

في نهاية عام 2003، شكّل مقتدى الصدر، في جنوب ووسط العراق، قوة “جيش المهدي”، لمقاومة المحتل الأميركي، وبدأت حربها ضد قوات التحالف، وسرعان ما تحوّلت إلى أحد أكثر القوات بطشا بالمدنيين، من خلال ارتكاب عدة مجازر ضد الطائفة السنية، عبر ما عرف بـ”فرق الموت” (وقد تبرّأ مقتدى الصدر فيما بعد من بعض الأسماء، التي اتُهمت بارتكاب المجازر).

على الجانب الآخر، وفي المناطق الغربية من العراق وشمال العاصمة بغداد، تأسست مقاومات مختلفة من أهالي الطائفة السنية، وكان هدفها قتل المحتل، ليتطوّر الأمر فيما بعد لقتل أفراد الجيش العراقي. ثم انشقت تلك “المقاومة” إلى فصائل عديدة، ليبايع بعضها تنظيم القاعدة، فيما انفضّ الآخرون عن الأمر، أو قتلتهم “المقاومة” نفسها. ليصل الصراع إلى ذروته بعد تفجير مرقد الإمامين العسكريين في سامراء عام 2006، ويدخل البلد في حرب طويلة، بين مذهبين، لديهما جيشا مقاومة، امتدت من 2006 إلى 2008، لتخلّف أكثر من 66 ألف مدني، وهذا الرقم يزيد عن الرقم الذي خلّفته حرب “داعش”  فيما بعد بضعفين.

وعلى ذكر “داعش”، فلا يمكن إغفال حقيقة أن التنظيم المتطرّف انبثق من بقايا “القاعدة”، واستمد قوته من القهر الذي لحق بأبناء المناطق السنية من قبل القوات العراقية، والتي بالأصل أعيد تأسيسها على مبادئ مذهبية عقائدية. وهكذا حمل التنظيم مظلمة أهل السنة، وبدأ بارتكاب جرائم لا يمكن للعقل استيعابها، لم يذهب ضحيتها المسلحون من الطائفة المعادية، بقدر المدنيين من كل الطوائف، وعلى رأسهم الإيزيديون والتركمان الشيعة، وكذلك السنة العرب أنفسهم. على إثرها تأسّس “الحشد الشعبي”، الذي حارب تنظيم داعش، وشارك في تحقيق الانتصار عليه، ولكن أُعيد استخدام قسم من فصائله فيما بعد ضد المدنيين.

تطوّرت بعدها “فصائل المقاومة الإسلامية في العراق”، التي تستهدف المصالح والقواعد الأميركية، كلما ساءت العلاقة بين واشنطن وطهران.

يمكن اعتبار حال “المقاومة العراقية” مثالا ممتازا على  المقاومة القائمة على أساس ديني وطائفي، ودون أي شرعية شعبية مؤسساتية، والتي تتحوّل فيما بعد إلى قوة تبطش بكل من يخالفها الرأي، بل بجمهورها نفسه. وبالطبع، فبالنسبة لهكذا “مقاومة” فإن أي حديث عن “أرضية” أو أهداف” أو “قضية” مشتركة لا معنى له، وله عواقب وخيمة على السلامة الجسدية. يجب فقط الإيمان والتسليم بها بوصفها أيديولوجيا حاكمة، لها الحق في استباحة الناس ذوي الآراء المختلفة، أو التقليل من قيمة حياتهم، بحيث لا يكون قتلهم أمرا يستحق النقاش أمام “القضية”.

الجهادية الإسلامية /الشيعية، المنتصرة في الحرب الأهلية، لم تجد بأسا في قتل المخالفين إبان الاحتجاجات الشعبية، التي انطلقت عام 2019، بوصفهم تشرينيين أو ملحدين أو مثليين أو حتى “جندريين”، واليوم تعدّ لمشاريع “قانونية”، ستحاكم فيها صاحب كل رأي مختلف، بوصفه “مطبّعا” أو “عميلا للصهيونية”.

 الذاكرة دائما جاهزة للتلاعب، وإعادة بناء الوقائع وفقا لتوجهات أو رغبات معيّنة، ولكن السؤال هنا: إذا كانت الذاكرة العامة للعراقيين قد خضعت لتلاعب قوى، تملك السلاح والمال ووسائل الإعلام، فما حال ذاكرة “المدنيين”، الذين كانوا من أهم ضحايا تلك “المقاومة”؟

مناورات مع الأب: متى يصل “التيار المدني” العراقي إلى سن البلوغ؟

منذ تأسيس “التيار المدني في العراق”، بقيادة الحزب الشيوعي العراقي بعد عام 2004، واشتراكه في العملية السياسية، رغم تعرضه لكل أنواع التنكيل والبطش، استمر ذلك التيار بتقديم نفسه بوصفه معارضة للنظام، وبدأ بتنظيم جماهيره في نهاية عام 2011، بالتزامن مع “الربيع العربي”، ليطالب بتغيير الحكومة، عبر تظاهرات واسعة، وكذلك تنظيم حراك سياسي، تحضيرا لانتخابات مجالس المحافظات، التي أجريت عام 2013، وكذلك الانتخابات البرلمانية عام 2014، ونجح بالفوز بمقعدين. ثم نظّم تظاهرات عام 2015، تعرّض فيها إلى القمع، وخطف بعض عناصره، واستخدام القوة المفرطة ضده من قبل حكومة رئيس الوزراء العراقي الأسبق حيدر العبادي. إلى أن جاءت دعوة مقتدى الصدر لـ”التظاهر مع المدنيين”، لتبدأ بذلك حقبة الاحتجاجات، التي سيطر عليها الصدر، للمطالبة بـ”الإصلاح”.

كان التغيّر الدراماتيكي، في مسيرة كل من “التيار المدني” والحزب الشيوعي العراقي، في عام 2018، حين تحالفا مع كتلة “سائرون”، وهو الاسم الذي دخل به التيار الصدري إلى الانتخابات، ما أدى إلى استيلاء الصدر على قرارات التحالف، وتهميش طرفه “المدني”. لتنطلق بعدها تظاهرات تشرين الأول/أكتوبر عام 2019، التي أصدر الصدر بيانا ضدها، وصف المتظاهرين فيه بـ”الشيوعيين الخونة”، وصار أنصاره بعدها من أهم قامعي التظاهرات، عبر الميليشيا المعروفة باسم “القبعات الزرق”. عندها اعتبر كثير من المدنيين، ومن ضمنهم أعضاء في الحزب الشيوعي، أن التحالف مع الصدر كان من أسوأ القرارات التي اتخذوها في حياتهم السياسية. من جديد نسأل: هل الذاكرة السياسية للتيار المدني مثقوبة أيضا؟

لم يتغيّر أسلوب “المقاومة”، خاصة في التيار الصدري، في التعامل بأبوية مع كل الشعب العراقي، هي ترى أنها الأذكى، والأكثر قدرة على اتخاذ القرار، وفي حال المخالفة، ستضرب حتى أنصارها وحلفائها، وتعنّفهم وتذلهم، أو حتى تقتلهم إذا تطلّب الأمر؛ فيما يبدو أن غالبية “التيار المدني” يتصرّف بطريقة الابن المتخبّط، الذي يعود في اللحظات الحاسمة، ليختبئ تحت عباءة الأب، بعد أن يكون قد تمرّد عليه جزئيا، وحاول البحث عن طريقة أخرى للتعبير عن نفسه. هل هذه سمة “التيار المدني” و”اليسار” في العراق فقط، أم أنها “خصوصية ثقافية” عربية؟

ربما كان الأجدى أن يكبُرَ هذا الطفل، في القضايا الكبرى بالتحديد، مثل انتفاضة تشرين، والقضية الفلسطينية، لأنها فيصل بلوغه الفعلي؛ وأن يعرف كيف يطرح نفسه في الساحة، دون العودة إلى الأب، ويكفّ عن إيجاد “مشتركات” مع قوى، تعلن، بكل وضوح، أنها تريد فرض نمطها في التفكير والسلوك، بالعنف وقوة الأجهزة القمعية، على كل المجتمع، وعلى رأسه ذلك “المدني” أو “العلماني” أو “اليساري” المهلل لها.

تلك العلاقة بين الطرفين، في “القضايا” بالتحديد، لا يقبلها المنطق. لم يتعلّم “المدنيون” و”اليساريون” العراقيون من تجربة جيرانهم الإيرانيين إبان ثورة عام 1979، ممن هتفوا للخميني، لينتهوا معلّقين على المشانق. بالفعل السؤال محيّر للغاية: لماذا لا يتعلّمون وينضجون، رغم أن التجارب كثيرة، والنوايا واضحة؟

الضحايا المفاهيمية: “الهوبزة” بوصفها تيارا سياسيا

منذ بدء عملية “طوفان الأقصى” في الأراضي الفلسطينية، سقط ما يمكن تسميته بـ”الضحايا المفاهيمية” في العراق، منها مثلا حرية التعبير، حقوق الإنسان، الحقوق المدنية، قضايا النساء، الخ. مثقفون عراقيون، ومنهم بعض “اليساريين”، أكدوا بأنهم صُدموا من أن كل تلك المفاهيم “الغربية” واهية وفارغة. وماذا يعني هذا؟ التخلّي عن كل النضالات السابقة، والدعوة للتوحّد جبهةً واحدة تحت راية “المقاومة”. أية مقاومة؟ يبدو أنها مقاومة أبطال الحرب الأهلية أنفسهم. ربما اعتبر هؤلاء المثقفون قيمهم السابقة منتجات يمكن مقاطعتها، تماما مثل “بيبسي” و”كوكاكولا”.

الدور الذي لعبته “المقاومة العراقية” سابقا في رفض المفاهيم والحقوق العالمية، وربطها بالاحتلال الأميركي، رغم تحالفها معه سرا أو علنا في فترات مختلفة، ساهم في تشكيل فهم “المدنيين” لهويتهم السياسية، بوصفها تناقض الإسلام السياسي ونفاقه. ويبدو أن حرب غزة، وما رافقها من مقولات عن “الغرب الازدواجي”، الذي يساند إسرائيل، ساهمت مجددا في صدمة الطفل غير البالغ، وعودته صاغرا إلى منزل أبيه المُعنِّف.

لهذا السبب ربما لم يبذل الكثير من “مدنيي” العراق جهدا لشرح رؤاهم في خضم هذه الحرب الإقليمية الجديدة، أو إعادة طرح التجربة العراقية مع “المقاومة” لبقية الشعوب العربية، رغم التشابه في أساليب سلوك وتفكير كل أنواع “المقاومة” الإسلامية، خاصة المدعومة من طهران.

قد يفسّر البعض هذا بما يسمى “الهوبزة العراقية”، أي التصفيق لكل ما هو لحظي، وعدم التفكير بما هو أبعد منه، والفخر بإنجازات بسيطة، لا تساوي ما يقع من خسائر، وعدم الاهتمام حقوق الناس. وبدل العودة إلى شرح المفاهيم، وتحليل الواقع المركّب والمتغيّر، يخفق غالبية “المدنيين” في إظهار أدنى حد من الحس الجدلي. أدت “الهوبزة” إلى عشرات آلاف القتلى في العراق سابقا. كم ألفا، أو مئة ألف آخرين، نحتاج كي نتعلّم؟

من ناحية نظرية، يبدو أن “المدنيين” وافقوا نهائيا على جعل الإسلامية نمط المقاومة الوحيد الممكن في المنطقة، وهذا بالضبط ما يريده أبناء “المقاومة” في كل الدول العربية، لأن هذا يعيدهم إلى “الطليعة” والقيادة، بعد أن فقدوا كثيرا من نفوذهم المعنوي، وحتى المادي، بسبب الجرائم التي ارتكبوها في العقدين الماضيين.

قد يكون التحليل المذكور أعلاه خاطئا من زاوية معنية، إذ اننا نفترض أنه يوجد بالفعل “مدنيون” أو “يساريون” أو “ليبراليون” في العراق، والدول التي تشبهه. ربما كان الصحيح أن كل هؤلاء بالأصل تنويعات مخفّفة على الفكر الإسلامي الذكوري، ولذلك، وعند المواقف الحاسمة، يهللون لكل مشروع “مقاومة”، دون معرفة عواقبها أو قراءة مستقبلها. وبهذا المعنى فنحن نحمّلهم أكثر مما يحتملون.

ربما يوجد تيار واحد في العراق، وما يشبهه من دول المنطقة، يعيش حروبه الأهلية وقضاياه ومقاوماته دون أن يُعكّره أحد. فيما تضيق “المساحات” المستقلة رويدا رويدا، لتصبح مجرد “دربونة” أو مقهى صوب الكرّادة في بغداد، يهتف رواده أيضا باسم المقاومة.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
4.2 10 أصوات
تقييم المقالة
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات