فيلم “200 متر”: ماذا قالت السينما الفلسطينية المعاصرة عن قضيتها؟

فيلم “200 متر”: ماذا قالت السينما الفلسطينية المعاصرة عن قضيتها؟

“200 متر” فيلم فلسطيني-أردني، مثّل المملكة الأردنية في سباق جائزة الأوسكار، في دورته الثالثة والتسعين عام 2021، لكنه لم يصل للقائمة النهائية، كتبه واخرجه أمين نايف، وهو فيلمه الطويل الأول، بعد ثلاثة أفلام قصيرة.

يسرد فيلم أمين قصة عائلة، يفصل أفرادها الجدار العازل الإسرائيلي، الذي يدعوه كثير من الفلسطينيين “جدار الفصل العنصري”. الأب يسكن الجزء الفلسطيني، بينما الأم وأبناؤها الثلاثة يسكنون الجزء الإسرائيلي. مع ما يرافق ذلك من مآسٍ. مثلا كي يستطيع الأب زيارة ابنه في المستشفى، عليه أن يمرّ بالجدار كاملا، عبر رحلة مسافتها مئتا كيلو متر.

ومن المميز أن أمين اختار ألا يسرد فيلمه على الطريقة “الويكبيدية”، نسبه لموقع ويكبيديا، سواء من خلال تقديم معلومات عن القضية الفلسطينية، او حتي عن الجدار العازل، واحتجاجات الفلسطينيين ضده؛ ولم يتطرّق ايضا لممارسات الاحتلال الإسرائيلي، أو يغرق في الميلودراما السائدة عن “القضية”. تجاهل التفاصيل السياسية ببساطة، لتصبح مجرد خلفية للأحداث، والإطار الذي يعيشه الفلسطينيون بشكل يومي.

اختار المخرج إذن أن يركز على العلاقات الإنسانية، التي تظهر وتتطوّر علي مهل في شخصياته. ويبدو أميل لـ”أنسنة القضية”، وهو أسلوب ساد في كثير من المنتجات الثقافية، في فترة ما قبل حرب غزة الحالية، لدرجة أن معظم الأفلام المتعلّقة بفلسطين ودول الجوار، والمخصّصة للمشاركة في المهرجانات السينمائية العالمية، انتهجت هذا النهج، وهو ما نراه مثلا في أفلام الفلسطيني إيليا سليمان، واللبناني زياد الدويري.

لذلك يمكن اعتبار فيلم “200 متر” نموذجا لذلك النوع من أفلام “القضية”. فكيف عالج أمين المسائل المعقدة التي يتناولها فيلمه؟ وهل كان أسلوب “الأنسنة” ناجحا في تقديم منظور جديد، لواحدة من أعقد المسائل على المستوى العربي والعالمي؟

الهوية التي تطاردنا: كيف تصنع فيلما فلسطينيا حقا؟

استطاع أمين ان يهرب من كل الطروحات الآمنة والمكرّرة، ولا يُسقط فيلمه في فخ الابتذال. وبعد ربعه الأول، يتحوّل الفيلم لشكل سردي، أقرب لنوعية “أفلام الطريق”  Road film. لنرى رحلة بطله “مصطفى”، الذي يجسّد جيل من بلغوا الأربعين من العمر، وعلاقته بالجيل الأصغر، وبالتأكيد فهم أفراده لفكرة “الأرض” و”القضية الفلسطينية”.

يخوض مصطفى رحلته مع كل من “كفاح”، و”نادر”، الذي يساعده في عبور الأراضي المحتلة بشكل غير شرعي، بهدف الوصول لابنه؛ وكذلك “رامي”، وهو مراهق، يحسّد الجيل الأصغر، الذي كثيرا ما ينتهي قتيلا بسبب تهوّره؛ إضافة لـ”آني”، الفتاة الألمانية، الآتية من ثقافه أخرى، ليقع في حبها “كفاح”، وهي صانعه سينما، تريد توثيق مأساة الشعب الفلسطيني. يمكن اعتبار كل من “كفاح” و”نادر” بالذات، نموذجا لحالات إنسانية، لم تعد مهتمة بـ”القضية”، وتحاول التعايش مع الوضع القائم، بأقل قدر ممكن من الضرر (لكن ليس شرطا بعدم وجود الألم).

“أنا لست خائفا، انا فقط اريد العودة للمنزل”.

 يمكن عكس تلك الجملة البسيطة، التي قالتها شخصيه “رامي” في أحد مشاهد الفيلم، علي كل أبطاله، فهي تُبرز لب المشكلة، لكل الأبطال، والرابط المشترك، الذي يجمعهم في رحلة السفر. ومن أول دقائق الفيلم يبدو مفهوم “الهوية” على رأس أولويات صانعه. ويظهر ذلك عموما في حديث “مصطفى” مع زوجته “سلوى”، في بداية الفيلم، عن رفضه تدرّب ابنه في نادي “مكابي تل ابيب” الإسرائيلي، وفي الوقت نفسه سماحهما للولد باللعب مع الصبايا الاسرائيليات في المنطقة؛ وكذلك عن طريق قصة “آني” الألمانية مع “كفاح” الفلسطيني، التي نكتشف، وعلى مهل، منذ نصف الفيلم الأول، أنها إسرائيلية-ألمانية، تعاني هي الأخرى من حالة الاغتراب. وكأن مفهوما مطاطا مثل “الهوية”، يطارد كل شخصيات الفيلم، في كل وقائع حياتها اليومية، ليكون المحرّك الأساسي للأحداث.

استطاع المخرج أمين نايف أن يجبرنا، بتلك الطريقة، على التورّط عاطفيا مع أبطال فيلمه، إلى جانب الإيقاع السريع، وكأننا في فيلم إثارة أو جريمة. ورغم إغراقه في الهوية، فقد استطاع التهرّب من التنميط، والرؤى، التي قد نتوقّعها حينما نسمع عن فيلم فلسطيني. وتلك المعادلة الصعبة، التي نجح بها أمين، جعلت فيلهه “فلسطينيا فعلا”، أي ليس “كفاحيا”، أو “متغربنا”، أو “مطبّعا”، او حتى “تقدميا” للغاية.

“الأنسنة” و”العالم”: ما ماهية السينما الفلسطينية المعاصرة؟

من ناحية اللغة السينمائية فإن اخراج نايف يحاول التخديم على منطق “الأنسنة”، من وجهة النظر الفلسطينية. فمثلا كاميرته تتحرّك بكثرة، وبشكل متوتر، في المشاهد التي يظهر فيها عناصر من جيش دولة الاحتلال. كما لو كانت الكاميرا بدورها خائفة، تشعر بالارتباك وتريد الهرب؛ وأيضا في الزوايا القليلة، التي قرر فيها أن يُظهر أوجه المستوطنين في الضفة الغربية، متعمّدا أن يكون ذلك بشكل غير مريح للعين، ليجسّد ببساطة ألمه الشخصي.

إلا أن هذه اللغة السينمائية، المعتَمدة على الأنسنة والذاتية، قد تُفسّر بوصفها وسيلة لنيل ودّ “الغرب”، واعتبارات المهرجانات السينمائية العالمية، ما يجعلنا نعيد طرح بعض الأسئلة، التي ظلت إجاباتها دوما بدون أجوبة نهائية، عن ماهية السينما نفسها، وتهمة “سينما المهرجانات”، التي تطال دائما الأفلام، ذات الرسالة/القضية.

هنالك جملة، تُنسب للمخرج وكاتب السيناريو الأميركي-الإيطالي الشهير فرانك كابرا: “من يريد إرسال رسالة، فيمكنه أن يفعل ذلك عن طريق البريد”. ولكن أليس لكل الفنون، بل لكل قول في مختلف المجالات، رسالة، ذاتية او حتى عالمية؟ ومهما اختلفنا في تصنيف أهميتها؟

دائما ما توصف السينما بأنها “القوة الناعمة”، وهو وصف يقترن غالبا مع نوعية الأفلام التي تحمل في طياتها هموما وقضايا، تدفعنا للتأمّل ولو لدقائق، وتلك هي النقطة، التي لعب عليها نايف في فيلمه الأول، عن طريق صناعى فيلم ممتع ومثير وعاطفي، طرح في الوقت نفسه كثيرا من التساؤلات حول “القضية”.

يقول المخرج الفلسطيني إيليا سليمان، الذي ربما كات أحد الملهمين لأمين نايف: “كثير منّا الآن يشعرون بالشيء ذاته، لأنهم يعيشون الظروف نفسها، نتيجةً لاحتلال العالم من قبل العولمة والحكومات والجيوش المختلفة وحالات الطوارئ. إن التعاطف مع فلسطين أصبح تعاطفا عالميا. أينما كنت تتحدث عن الأمور، فأنت تفعل ذلك من زاوية فلسطينية، أي أن هناك دوما فلسطنة للأمور، وهذه الأمر بدأ من فلسطين المحتلة، ومن ثم امتد إلى العالم، فأنا حين أتحدث عن العالم أشعر أنني أتحدث عن فلسطين، وحين أتحدث عن فلسطين فأنا أتحدث عن العالم. وفي فيلمي توفّرت لي اللحظة لقول ذلك للفرنسيين والأميركيين وغيرهم من شعوب العالم. إن ما يجب أن نقوم به هو البدء في أن نكون معا بشكل قوي، وأن نواسي بعضنا عمّا يحدث لنا. وأعتقد أن هذا يحدث ليس بين الفلسطينيين أنفسهم فقط، وإنما مع غيرهم. وصناع الأفلام الفلسطينيون لا يعرّفون أنفسهم جغرافيا. إنهم في فلسطين، لكن لديهم منظور أكبر مما تعنيه لهم فلسطين”.

إنه فيلم ورسالة في الوقت نفسه، وهي رسالة بين فلسطينيين، ومن فلسطينيين للعالم. لا مجال للشك في هذا، ولكن هل ينتفص هذا من الفيلم، أو يجعله مجرّد “فيلم مهرجانات” لمخاطبة “الغرب”؟

خارج المهرجانات: هل صرنا في عهد إقصاء السينما الفلسطينية أيضا؟

المنطقة الشائكة، متعددة الدلالة والقول والمُخاطَبين، التي خطا إليها نايف، هي من جعلت من فيلمه ببساطة “تجربه تستحق المشاهدة”، فالفيلم يبدأ وينتهي، وهو يجعلك حائرا في المعسكر الذي ينتمي إليه، يمكن لأنصار “القضية”، بطرحها الكلاسيكي، أن يعتبروه نصرةً لقضيتهم في المحافل الدولية؛ كما يمكن لأنصار نظرية المؤامرة أن يتهموه بـ”التطبيع”، بوصف ذلك أحد التأويلات للفيلم، والتفسير “المنطقي” لنيله الجوائز؛ كما يمكن لمن يودون مشاهدة قصة غنية، بعيدا عن تسطيح السينما السائدة، أن يجدوا غايتهم، حتى لو كانت معلوماتهم عن “القضية” أقلّ بكثير مما تتيحه “ويكبيديا”. هل يمكننا أن ننتظر شيئا أكثر من هذا من السينما، أيا كان تحديدنا لماهيتها؟

يدفعنا هذا للتفكير بما يحدث حاليا، من تأجيل وإلغاء بعض المهرجانات والفعاليات السينمائية، خاصة في مصر، بدعوى التعاطف مع فلسطين؛ أو حتى الفعاليات الثقافية التي ألغيت في دول غربية، بحجة توتر الأوضاع، وتجنّب معاداة السامية. هل هكذا أفعال تعطي قيمة للسينما والثقافة؟ يبدو أن كثيرا من أصحاب القرار يعتبرون الثقافة نوعا من الترف، وهذا بالذات ما يحاول فيلم نايف نفيه.

لماذا لم تُستَخدم الفعاليات الثقافية، في الشرق والغرب، لتكون منبرا عاما، يتحدّث فيه الناس، من مختلف الأعراق والثقافات والمواقف، بلغة متزنة وبشكل غير صدامي، عن الحرب الدموية التي تجري في الأراضي الفلسطينية؟ أليست تلك وسيلة مهمة، سواء لمناصرة القضية أو تجنّب التطرف، ومواجهة معاداة العرب أو السامية؟

ورغم أن السينما تتشارك بخصائص كثيرة مع الإعلام الجماهيري، في كونهما موطنا للبروباغندا، وتأثير أصحاب القوى والنفوذ، إلا أنها أيضا قادرة، إذا كانت سينما حقا، على إيصال شيء من أصوات المقصيين عن الخطاب السياسي السائد. كما يمكن أن تجعل الكلام على مستوى أعلى من الصورة والرمز، فلا يبقى أسير علامات رخيصة، لإستثارة البشر.

ربما كان إقصاء السينما الفلسطينية، بدعوى مناصرة “القضية” أو معاداتها، جانبا من العدوان على الفلسطينيين، ولذلك فقد تكون إعادة قراءة أفلام، مثل “200 متر”، شديدة الأهمية في أيامنا هذه بالذات.

5 3 أصوات
تقييم المقالة
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات