رؤى الآخرة: لماذا تعود صور صدّام في كل “معارك الأمة”؟

رؤى الآخرة: لماذا تعود صور صدّام في كل “معارك الأمة”؟

كانت هناك حكاية، تربّت عليها أجيال من العراقيين، ولا نعرف مدى صحتها، لكنها أصبحت أسطورة متداولة: يُحكى أن صدام حسين كان طالبا مجتهدا، وفي أحد الأيام ساق الحظ العاثر معلّمه إلى الصراخ في وجهه، ليلتها لم ينم المراهق صدام، الذي سيتحوّل فيما بعد إلى القائد المغوار، ذهب لبيت المعلم ليلا، وأرداه قتيلا. تُروى هذه الحكاية للإشارة إلى القوة والشجاعة التي يتمتع بها الطاغية، الذي لا يتحمّل النقاش أو الصوت العالي، المتهور، غير المبالي، والعنيف.

أُعدم صدّام منذ سنوات طويلة، بعد أن أدخل بلده في حروب مدمرة، مزّقت النسيج الاجتماعي والثقافي والمديني العراقي، إلا أنه يعود اليوم إلى العراق، وكثير من الدول العربية، من بوابة غير متوقعة: أحداث غزة الأخيرة. يمرّ كثير من العرب بدوامة من النوستالجيا للنظام العراقي البائد، فصرنا نرى صور “أبو عداي” على مواقع التواصل الاجتماعي، إضافة لأغاني العهد الصدّامي العنترية، وخطب القائد المعادية لإسرائيل، وصواريخه التي أطلقها على تل أبيب. فصار أشبه برمز لمقاومة الاحتلال الصهيوني.

لماذا كل هذا؟ هل هو مجرّد “رد فعل”، يشبه رد فعل صدام نفسه على معلّمه، بحسب الأسطورة؟ 

قد يكون هذا السؤال صعب الإجابة، ويمكننا طرح أسئلة في المتناول: ماذا فعل صدام لفلسطين؟ وهل يختلف فعل صدام في الواقع عن أي فعل أو خطاب تطرحه “المقاومة العراقية” حاليا، أي الميليشيات الموالية لإيران؟

صواريخ البطولة: كيف موّل صدام بناء “القبة الحديدية”

في تسجيل مصوّر، يمكن وصفه بالسريالي، ويعود لعام 1991، يظهر صدام حسين قائلا جملته المشهورة: :”39 صاروخا، فمن يطلق الـ40″، متحدّيا الدول العربية، في إشارة منه لما حدث في شهر كانون الثاني/يناير من العام نفسه، بعد يوم على حرب الخليج الثانية، أو غزو الكويت، حين أطلق على إسرائيل 39 صاروخا، في محاولة منه للحصول على تأييد الشعوب العربية، والتي أصبحت غالبية حكوماتها فيما بعد ضمن التحالف العسكري الذي تقوده الولايات المتحدة، ضد غزو العراق للكويت.

إلا أن إسرائيل، وبضغط من الولايات المتحدة، لم ترد، لأنه كانت هناك خطة بديلة، ستحوّل تصرّف صدّام إلى منجم ذهب، مفيد لتقوية نظام الدفاع الإسرائيلي.

الخطة كانت كالآتي: فُرضت عقوبات على العراق، الذي دفع ما يقارب عشرة ملايين دولار، عن كل صاروخ أُطلق على إسرائيل، أي حوالي 390 مليون دولار، كلها دُفعت للحكومة الإسرائيلية، وشركة “رافئيل” لأنظمة الدفاع المتقدّمة، وساهمت بتغطية تكاليف إنشاء “القبة الحديدية”، والتي كان الهدف منها اعتراض الصواريخ قصيرة المدى، والقذائف المدفعية، ودخلت الخدمة في عام 2011.

كشف هذا عبد القادر العبيدي، في لقاء متلفز قبل سنتين، وهو سكرتير وزير الدفاع العراقي، ومدير الصنف المدرع، في الفترة ما بين 1988 إلى 1992، أي إبان فترة النظام البائد.

هذا ما قدّمه صدّام لـ”القضية”!

وبعيدا عن الصواريخ، التي أُطلقت ضد إسرائيل، لم يكن هناك أي موقف يذكر لصدام، سوى بعض الخطب التعبوية، ومنها تلك الساخرة من عدم قدرة أية دولة على إطلاق صاروخ طويل المدى، أي الدول التي لم تساهم معه في تمويل القبة الحديدية.

إرادة الفحل: كيف نشأ مفهومنا عن “الوطنية العادلة”؟

بالعودة إلى قصة صدّام، الذي لا ينام على ضيم، فقتل أستاذه، يبدو أن تعريف القوة، لدى كثير من المنبهرين بهذا النمط من الحكايات، هو الفعل الانتقامي، الذي لا يهتم بمدى حكمة الفعل أو نتائجه. فالمهم هنا هو الانتقام الآني، والذي قد يصلح، بعد فترة، للتحوّل إلى أسطورة شفوية، أو ربما مكتوبة، في حال حالف الحظ المنتقمين بتعاطف أنظمة حاكمة معهم، تضّم قصصهم إلى رواياتها الرسمية.

كان يمكن لصدام تهديد إسرائيل وأميركا، وغزو الكويت، يمكنه فعل ما يريد، ما دام “رجلا قويا”، أما النتائج، مثل الحصار والجوع وتدمير المدن العراقية، فهي عوارض جانبية لفحولته. وذنبها لا يقع عليه، بل على شر أعدائه، ومؤامرة أميركا وإسرائيل على العراق.

أيضا، لا يهم ضد مَنْ توجه القوة، يكفي خروجها، سواء كان ضحيتها عدوا، أو شعوبا مجاورة، أو حتى أبناء الشعب العراقي نفسه، فلا يهم هنا سوى أنه سيف العرب، المنتقم الجبّار، ضد الغرب، لأنه “حتى عندما يقرر القتل، سيكون عادلا”، وهذه جملة تُستخدم من قبل كثيرين من مؤيدي صدّام الحاليين، لأنه كان يقتل الشيعة والسنة والكُرد بصورة عادلة ومتساوية!

تجدر الإشارة هنا إلى عدد قتلى مجزرة حلبجة، فحينما حاول أهالي المدينة الكردية المقاومة ضد نظامه الاستبدادي، قتل خمسة آلاف شخص، غالبيتهم كانوا نساء وأطفالا، ألا يذكرنا هذا الرقم بشيء ما، يحدث اليوم في غزة؟ يبدو أن منطق “المنتقم الجبّار” واحد لدى هذا النمط من القوى العنصرية.

علامات القيامة: لماذا نحبّ الزعيم المدمّر؟

يمكن فهم الحنين إلى صدام حسين، لا فقط من خلال تحليل شخصيته، والتي تعتبر جذابة لكثيرين، ولكن أيضا من قراءة ما يحدث اليوم في العراق، وكثير من الدول العربية، أي تحويل بعض الشخصيات، السياسية والدينية، إلى “خطوط حمراء”. وبذلك قد يمكننا القول إن صدام ليس مجرّد زعيم، تم إعدامه منذ أكثر من ستة عشر عاما، بل لحظة تاريخية، ربما لم نتجاوزها حتى اليوم. ولا بد من هضمها واستيعابها.

يتحيّز كثير من محبي “الخطوط الحمراء” اليوم لصدّام، باعتبار أن شخصياتهم المفضّلة مثله: شخصيات ليس لها ولاء خارجي، “خلطة عراقية خالصة”، تتغنّى بالعروبة، وتبكي على فلسطين، وترفع شعار “عاشت فلسطين حرة عربية”، الذي كان خاتمة كل خطابات صدام اليومية. صدام الذي احتل الكويت، وموّل من أرزاق ودماء الشعب العراقي، بناء القبة الحديدية الإسرائيلية.

ربما يمكن فهم الهوس بشخصية المنقذ لفلسطين، عندما نتذكر رواية الإسلام السياسي، التي تدمج حرية فلسطين بعلامات يوم القيامة، لذا فإن كثرة الجثث، وأطنان الركام، وجموع النازحين، الذين يبحثون عن ملجأ، وكأنهم في يوم الحشر، علامات طبيعية على المعركة الأخروية، التي تتطلّبها فلسطين، ومن يشن تلك المعركة، مهما كان ثمنها، هو المنتظر والبطل المغوار، وسيفنا المبجّل.

“علامات القيامة” استمرت في العراق، حتى بعد زوال القائد البطل، المخلص لفلسطين، فكان مشهد الفوضى هو السائد على الساحة العراقية: غياب النظام؛ و”الفرهود” أو نهب دوائر الدولة، والكلمة بالمناسبة أصلها المجازر التي ارتُكبت ضد المواطنين العراقيين اليهود عام 1941، ثم صارت الضحية هي الدولة نفسها؛ الاقتتال الطائفي؛ ارتفاع نسب الجريمة، الأسلمة الشاملة لكل ما في البلاد. وكل هذا صار “نمط حياة” بعد سقوط بغداد.

ربما لا يتعلّق الأمر بفلسطين، بوصفها مساحة من الأرض تم احتلالها، ولا بالحقوق الوطنية والسياسية للشعب الفلسطيني، وإنما بمنظومة متكاملة من التطرّف والقمع، مثّلها جسد الزعيم الفحولي، الذي يتكاثر دائما، فينتج لنا مئات الأجساد الفحولية الأخرى، التي لا تتوقف عن الثأر، وتحقيق علامات الساعة.

علكة “القضية”: تحرير “فلسطين” في عصر التوّابين لإيران

استغلّ صدام حسين قضية فلسطين بشدة، وحوّلها إلى علكة يتناولها في كل خطاب، ويغطي بها رائحة الدم في فمه، المليء بأوامر قتل العراقيين وغيرهم، أثبتت هذه العلكة قدرتها على إخفاء تلك الرائحة، واستطاعت أن تحوّل قتل آلاف النساء والرجال، إلى مجرّد مؤامرة من الغرب الكافر ضد العروبة والإسلام.

خرجت تلك العلكة من فم صدام، وتلقفتها أفواه “المقاومة العراقية” الحالية، التي تشكّل بعضها من جنود، كانوا أسرى حرب في إيران، إبان حرب الخليج الأولى (والتي كانت إسرائيل تدعم فيها الطرف الإيراني)، ثم أطلقت طهران سراحهم، بعدما سمّتهم “التوابين”، أي الشيعة العراقيين الذين تابوا لإيران، وتحوّلوا إلى رؤساء أكبر الميلشيات.

هؤلاء لم “يتوبوا” عن القضية الفلسطينية، كما تابوا لإيران، فقد صدعوا رؤوسنا بـ”فلسطين”، منذ تسلّمهم الحكومات العراقية المتتالية. يتحدثون عن “فلسطين” وهم يحوّلون الدولة العراقية إلى واحدة من أفسد الدول في العالم؛ ويتكلّمون عنها وهم يفرضون أبشع القوانين، أو يدعمون العرف العشائري، الذي يضطهد ملايين العراقيين، وعلى رأسهم النساء؛ ويتكلّمون عنها وهم يقمعون تظاهرات الشباب العراقي، ويملؤون ساحات الاعتصام بالدماء؛ وبالتأكيد يتكلّمون عنها عندما يفرضون أسلمتهم الشاملة على البلد.

أما على أرض الواقع، فلا يوجد أي موقف يتلاءم مع ما دعت إليه “المقاومة” منذ تأسيسها، سوى بضع مظاهرات؛ وبيانات مليئة بالأدعية؛ ودعوات للتحرّك؛ وهجمات على القواعد العسكرية الأميركية في العراق، لن تفعل شيئا سوى التسبّب في فرض العقوبات على البلد، وتدمير اقتصاده.

يا للسخرية! “ذاك الطاس وذاك الحمّام”، كما يقول المثل العراقي. ذاك صدام وتلك “المقاومة”، كلاهما استخدما قضية فلسطين، ولم يفعلا شيئا سوى الإضرار بها، وإضرار الشعب، الذي صفق للصنفين، في كلتا الحالتين.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
4.3 8 أصوات
تقييم المقالة
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات