تأجيل “الجونة”: لماذا لا تفيد المهرجانات المصرية في دعم “القضية”؟

تأجيل “الجونة”: لماذا لا تفيد المهرجانات المصرية في دعم “القضية”؟

كان عام 2020 من أصعب الأعوام التي مرّت على البشرية في العقود الأخيرة، وذلك بسبب جائحة كورونا، التي أغلقت، ولشهور طويلة، معظم أماكن الترفيه في العالم، إلا أن كثيرا من الفعاليات الثقافية حاولت الاستمرار رغم الحجر الصحي. مهرجان “الجونة” في مصر مثلا، أقام دورته الرابعة في تشرين الأول/أكتوبر من ذلك العام، بشكل منظّم، ومع اتباع كل الاحتياطات اللازمة، مقدما بادرة أمل للجمهور، الذي افتقد الأنشطة الفنية.

على الجانب الأخر، لا تخلو أي دورة من دورات المهرجان من إثارة الجدل بكل الطرق، وعلى رأسها أزياء الفنانات والفنانين، التي تستفز “المواطن المصري”؛ كذلك حادثة فيلم “ريش”، التي أثارت ضجة إعلامية شديدة، بعد أن قام الممثل المصري شريف منير بالانسحاب من عرض الفيلم، الذي اعتبره “مسيئا لسمعة مصر”، لنجد بعدها بأيام الفيلم مسرّبا على مواقع المشاهدة المقرصنة المصرية.

قبيل الدورة الخامسة من المهرجان عام 2021، اندلع حريق في صالة عرضه الرئيسية، إلا أن هذا لم يوقفه، فقد رأينا بعدها رجل الأعمال المصري نجيب سويرس، مصرّا على إقامة الفعاليات، بابتسامة رأسمالية، لا يستعصي عليها شيء، تقول: “مفيش مستحيل”.

اليوم تم تأجيل الدورة السادسة من المهرجان، التي كانت مقررة في شهر تشرين الأول/أكتوبر الحالي، بسبب الأحداث الأخيرة في الأراضي الفلسطينية، والحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، ما طرح أسئلة عديدة عن مدى التأجيل، وهل يجب فعلا إلغاء الأحداث الفنية والثقافية، في أوقات الأزمات والحروب والمآسي.

في كل الأحداث الماضية، والانتقادات و”التريندات” الكثيرة، التي ظهرت حول مهرجان الجونة، استغلّت إدارة المهرجان الضجة، لتسليط الأضواء الإعلامية، المصرية والعالمية، عليه، فهو الوسيلة الأساسية، التي اتخذتها عائلة ساويرس للدعاية لمدينة الجونة، بوصفها مدينة ساحرة، تؤمّن مستوى حياة مرتفع الجودة والتكلفة، فصارت أشبه بالجنة، التي يتمنى كل شخص أن يحلّ بها، وكذلك أن ينتمي لتلك الجماعة المبهرة من رواد فعالياتها، ممن يجذبون كثيرا من الانبهار والحقد في الوقت نفسه. وبالتالي كلما ازداد اللغط، وتصدّر المهرجان التريند، كلما كانت دوراته ناجحة أكثر.

يبدو، مع التأجيل الحالي، أن “التريند” هذه المرة كان أقوى من مهرجان الجونة ومنظميه. هل تمت “التضحية بالفن” عند أول عقبة، كما يقول كثير من منتقدي تأجيل المهرجان؟ وهل تتعارض الفعاليات الثقافية والفنية مع الالتزام بأي قضية؟ أم يمكن الاستفادة منها، وتحويلها إلى منبر للتضامن والخطاب السياسي؟ أم أن المسألة هي جانب من استفادة إدارة المهرجان، وعائلة سويرس، من “التريند” الحالي، بحيث سنكتشف أن كل ما يجري نوع من “المصلحة”؟

استثمار الكراهية: هل يمكن الآن الاستفادة من “الصحافة الصفراء”؟

يضمّ برنامج مهرجان الجونة خمسة أقسام: الأفلام الروائية الطويلة؛ الأفلام الروائية القصيرة؛ الأفلام القصيرة؛ الاختيار الرسمي خارج المسابقة؛ والبرنامج الخاص. إضافة لجائزة “سينما من أجل الإنسانية”، وجائزة “النجمة الخضراء”.  وفي كل عام، يعرض المهرجان عديدا من الأفلام، التي تشارك في المهرجانات العالمية، بما فيها الأوسكار. ويُعتبر برنامج أفلامه من أقوى البرامج في المهرجانات المصرية، ويكاد ينافس مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، الذي يعدّ أقوى وأقدم مهرجان سينمائي في الشرق الأوسط. ويمكن اعتبار هذه مميزات، يمكن أن تستفيد منها أية قضية.

إلا أن ما يسمى “الوسط الفني” في مصر، يعاني من انعزال عما يسمى “الشارع المصري”، فهنالك أغلبية من المصريين، لا تدري عن السينما وتفاصيلها سوى الأفلام التجارية الرديئة، التي تقدّم لهم في الأعياد، وفي أفضل الأحيان أفلاما أجنبية من نوعية “الأبطال الخارقين”. كما أن مهرجان الجونة بات مرتبطا، بشكل متعمّد، بمظاهر الترف، والازياء “الغريبة”، واللقاءات الصحفية على السجادة الحمراء، التي سرعان ما تصبح موضوعا لـ”المميز”. وإذا أخذنا كل هذه المعطيات، فمن المنطقي أن يترسّخ في ذهن كثير من الناس، الذين لم يسمعوا من قبل عن مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، أو أي مهرجان مسرحي مصري، أن “مهرجان سينما” يعني كثيرا من “الفجور” واللامبالاة بهموم الناس، وبالتالي يتنافى مع أية “قضية”، فما بالك إن كانت قضية وجدانية، شبه مقدّسة، مثل القضية الفلسطينية.

“أهو شوية نسوان عريانه، ورجالة محششة”، هذه العبارة ستسمعها كثيرا في تعليقات عديد من المصريين حول أي حدث فني، فما بالك بمهرجان الجونة؟! ولا فائدة من محاولة اقناع الساخرين أن المهرجان يتضمّن عروض أفلام وندوات، فهي لا تُغطى إعلاميا أصلا. ولماذا تُغطى؟ هذا الشق من المهرجان لن يجذب الجمهور. وبالنسبة للصحافة ومنصات الإعلام الرقمية الأهم هو الحركة (الترافيك) على مواقعها وصفحاتها، وما سيزيد تلك “الحركة” هو الأخبار “الساخنة” التي تعجب الجمهور، وتجعله يفرّغ طاقة الغضب/التمني، الذي تحرّكه تجاه حياة النجوم.

إنها لعبة قديمة في الصحافة، التي كانت تُسمى فيما مضى “الصحافة الصفراء”. وكان المتضرر منها المهرجانات السينمائية بشكل خاص، والحياة الفنية بشكل عام، إلا أنه في حالة مهرجان الجونة لا يمكننا فقط لوم الصحافة، وإنما أيضا عقلية إدارة المهرجان.

عودة الابن الضال: الكل صفا واحدا مع الدولة

إضافة لجانب الاحتفالات والأزياء، المستفز لـ”الشعب”، توجد بعض العوامل الأخرى، التي تساهم في النقمة من المهرجان في هذا الظرف، فرجوعا للدورة “الصعبة”، التي أقيمت في عام 2020، متحدية ظروف جائحة كورونا، سنجد من ضمن المكرمين المخرج والممثل الفرنسي جيرار دي بارديو، المعروف بمواقفه المساندة لإسرائيل، وهو الأمر الذي أثار غضب وحفيظة الفنانين المصريين، ناهيك عن كونه مخالفا للائحة المصرية الفنية، التي ترفض التطبيع والتعامل مع المطبّعين، حتى أن وزيرة الثقافة آنذاك رفضت حضور حفلة الافتتاح، التي تم فيها تكريم دي بارديو.

وبعد الضجة الإعلامية، خرج نجيب ساويرس في تصريح تليفزيوني، ليقول نصا: “اللي عايز يحارب ياخد بندقية، وينزل على اسرائيل يحارب”، مؤكدا أن الممثل لم يقم بشيء غير زيارة إسرائيل، وتكريمه يعود بكثير من النفع على المهرجان بشكل خاص، وتنشيط السياحة المصرية بشكل عام.

مثل هذه “التريندات” قد تكون مفيدة في الأوقات العادية، ولكن في أوقات حرب إقليمية، يسقط فيها ضحايا كثر من الفلسطينيين، وتهيّج مشاعر أغلبية المصريين، تصبح تريندات خطيرة.

اعتبر كثيرون أيضا أن أول بيان للمهرجان، الصادر في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر، قبيل ساعات من انطلاق فعالياته، كان ضعيف اللهجة إلى حد كبير. وانتقدت مجموعة من السينمائيين عبارات معينة فيه، مثل “الأحداث المؤسفة التي تشهدها المنطقة”، و”إننا نؤمن إيمانا قويا في قدرة السينما على توحيد كافة الأطياف والفئات”، لأنها اعتبرتها عبارات محايدة، لا تدين طرفا بعينه. بالتالي قرر البعض مقاطعة المهرجان، حتى أنه تم سحب فيلم “حمزة: أطارد شبحا يطاردني”، للمخرج ورد كيال، اعتراضا على “تأتأة وتهرّب” المهرجان من إدانة طرف بعينه.

لاحقا، وفي العشرين من الشهر نفسه، قامت وزيرة الثقافة المصرية نيفين الكيلاني، بتأجيل مهرجان القاهرة السينمائي الدولي لأجل غير مسمى، في بيانات واضحة اللهجة، تدين ممارسات إسرائيل، وتدعم الشعب الفلسطيني، وتوضح حالة الحداد الرسمية التي تعلنها الدولة، إضافة إلى تعليق كافة الأنشطة الثقافية والترفيهية حتى إشعار اخر.

لاقى تصريح الوزيرة صدى أفضل بين السينمائيين من بيان مهرجان الجونة، وأشادوا بـ”اللغة الواضحة التي تبنّتها الوزيرة”. وهنا، امتثالا لقرارات وزارة الثقافة، قررت إدارة مهرجان الجونة تأجيله لأجل غير مسمى، مع التبرّع بخمسة ملايين جنيه مصري، لدعم قطاع غزة، وغيّرت بشكل واضح في لهجتها، فنجد جملا مثل: “تضامن إدارة مهرجان الجونة السينمائي مع الشعب الفلسطيني”، و”تعاطفا مع أهالي غزة.”

هكذا عاد المهرجان، والسينمائيون، والمؤيدون والمعارضون، للاصطفاف وراء الموقف الرسمي للدولة المصرية. وغالبا لن يستطيع سويرس، في الظرف الحالي على الأقل، التصرّف بـ”التريند” بنوع من الاستقلال.

ليس وقتا للعري: لماذا تبدو الاستفادة من السينما مستحيلة؟

ينقسم أي مهرجان سينمائي في العالم إلى جزئين، لا يقلّ أحدهما عن الآخر أهمية: جانب الاحتفالات، وجانب الفعاليات. وفي حقيقة الأمر يحصل جانب الفعاليات على النصيب الأكبر من الوقت والتمويل، بينما يحظى جانب الاحتفالات بالجانب الأكبر من الاهتمام والتغطية الاعلامية، وبالأخص في المهرجانات المصرية. ومن المعقول والمنطقي للغاية أن يتم إلغاء كل ما يتعلّق بجانب الاحتفال في المهرجانات المصرية والعربية في الوقت الحالي. ولكن السؤال: لماذا يُلغى جانب الفعاليات، الذي هو في الأساس وسيلة رائعة للتعبير عن القضية.

دائما ما استغلّ فنانون مشهورون، مثل مارلون براندو، وريتشارد غير، منابر المهرجانات لدعم قضايا متعددة، فلماذا لم يقدّم مهرجان الجونة نفس الفرصة للمدافعين عن أهالي غزة، عبر فعالياته، التي يحضرها فنانون من مختلف أرجاء العالم؟

يمكن طرح السؤال نفسه بخصوص مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، الذي يشارك به صنّاع الأفلام من كل دول العالم. لماذا لا تقام الدورة، وتكون باسم فلسطين مثلا، بعد انتهاء أيام الحداد الرسمية؟

قد يكون الوسط السينمائي، والقائمون عليه، بل السياسيات الثقافية للدولة نفسها، ترى في الثقافة والفن مجرّد ترف، وتعتبر منتجيها مواضيع جانبية غير مؤثرة، وأن السينما مكان للترفيه، وليس لمناقشة القضايا السياسية الكبرى. بل ربما ليس لديها مفهوم عن دور الحيز العام في بناء المواقف وعرضها للآخرين، وربما لهذا فمن الظالم لوم “رجل الشارع” على فكرته عن “الستات العريانة والرجالة المحششين”، فربما لا تكون إلا تعبيرا مباشرا عن عقلية مشتركة، تتقاسمها أطراف عديدة في ثقافتنا المعاصرة.  

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
5 1 صوت
تقييم المقالة
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم