“كلنا نيرة أشرف”: كيف تحوّل الحيز العام إلى “مسرح جريمة” ضد النساء في مصر؟

“كلنا نيرة أشرف”: كيف تحوّل الحيز العام إلى “مسرح جريمة” ضد النساء في مصر؟

“نيرة أشرف جديدة”. اعتدنا على عناوين صحف من هذا النوع مع كل جريمة قتل جديدة، تروح ضحيتها امرأة في مصر. ولكن ماذا يحدث بعد أن تتصدّر القضية التريند، وتتناقل الصحف والمواقع الأخبار حول الجريمة وتفاصيلها وأسبابها؟ ماذا يحدث عندما تقتل امرأة في الشارع أو مكان عام؟ وهل كانت نيرة الأولى، لكي يصبح اسمها علامة مرتبطة بهذا النوع من الجرائم؟

هذه الأسئلة كانت البداية للبحث في هذه القضية، لعلنا نقف على بعض الحقائق، من خلال  تتبّع زمني للجرائم، وفق نطاق محدد، بدأ من كانون الثاني/يناير 2021، وحتى حزيران/يونيو 2023، في محاولة لرصد حالات قتل النساء في الأماكن العامة على يد رجال، ضمن تعريف إجرائي للمقصود بـ”جرائم ضد النساء”، هو أن يكون القتل بدافع جندري متعمّد، وليس فقط أن يكون مرتكب الفعل رجلا، أو أن يكون الفعل غير مقصود، كما في حوادث السير.

المنهجية التي اعتمدنا عليها كانت Methodology of Triangulation and Data Verification، أي منهجية تعدد أدوات جمع البيانات والتحقق منها، المعروفة في مجال العلوم الاجتماعية، وكانت مصادر معلوماتنا الأساسية هي المصادر الرسمية بنسبة 80 بالمئة؛ ثم المصادر الصحفية الخاصة بنسبة 15 بالمئة، ومنصة فيسبوك بنسبة 5 بالمئة. ومعيار إدراج أو استبعاد الحالات في البحث هو أن تكون حالة القتل قد تمت في الشارع أو الأماكن العامة. لعلنا نتوصّل إلى إجابة عن السؤالين التاليين: هل هنالك حالة عامة من استباحة النساء في الشارع المصري؟ وما دوافع هذه الاستباحة الشاملة إن ثبُتت؟

النيرات الجدد: قتل النساء قبل “التريند” وبعده

في صباح يوم 20 حزيران/يونيو عام 2022،  انتشر مقطع فيديو على منصات التواصل الاجتماعي، ينقل خبر ذبح شاب لطالبة أمام جامعة المنصورة. وعلمنا فيما بعد أن اسمها نيرة أشرف، وهي طالبة قتلها زميلها، بعد أن رفضت إقامة علاقة معه. تصدّرت القضية التريند، وتسببت في جدل واسع بين من يبرّر فعلة الشاب، ومن يهاجمه. ورغم أن القضية شديدة الوضوح جنائيا، إلا أن هنالك من يرون أن للذكر مميزات ما، تتيح له ارتكاب هذا النوع من الجرائم؛ وأن في الأنثى عارا ما، يجعلها تستحق القتل، مثل أن تكون مستقلة في قراراتها، أو أن معايير سلوكها وملابسها مختلفة عن السائد. وبعد هذا الحادث، صارت كل فتاة أو امرأة تُقتل في الشارع تسمّى “نيرة أشرف جديدة”، ولكن الموضوع ليس “جديدا” لهذه لدرجة، كل ما يميّز حادثة نيرة أنها صوّرت وعرضت على منصات التواصل، ما جعل منها “تريندا” ضخما.

لذلك كانت إحدى أهداف هذا المقال معرفة عدد حالات القتل القائمة على النوع الاجتماعي، التي ارتكبها الرجال ضد النساء في الشوارع والأماكن العامة في عام 2021، أي قبل وقوع حادث نيرة. وقد تم رصد وقوع 13 حالة قتل، في عدد من المحافظات المختلفة، وهي البحر الأحمر (حالة واحدة)، البحيرة (حالة واحدة)، الجيزة (حالتان) الشرقية (حالتان)، القاهرة (4 حالات)، القليوبية (حالة واحدة)، بني سويف (حالة واحدة)، سوهاج (حالة واحدة).

بينما وقع في العام، الذي قُتلت فيه نيرة أشرف، 12 حالة قتل القائمة على النوع الاجتماعي: حالتان في الجيزة، وثلاث حالات في الدقهلية، وحالتين في الفيوم، وحالة في القاهرة، وحالة في القليوبية وأخرى في المنوفية، وحالتان في بني سويف.

وفي الستة شهور الأولى من عام 2023، وقعت 7 حالات قتل، في محافظات البحر الأحمر (حالتان)، الجيزة (حالتان)، الفيوم (حالة)، القليوبية (حالة)، المنيا (حالة)، بني سويف (حالة)، سوهاج (حالة).

يتبيّن من هذه الأرقام أن هنالك نمطا متكررا لجرائم قتل النساء في الأماكن العامة على يد رجال، مع التأكيد أننا لا نتحدث هنا عن حالات القتل في البيوت والغرف المغلقة. فلماذا أصبح الشارع فضاء اعتياديا لقتل النساء في مصر؟ ولماذا لا توجد أية حماية مجتمعية للنساء المتواجدات فيه؟

الشارع السلبي: لماذا لا يتدخّل المارة لحماية النساء؟

في أحد الأيام شهدت كاتبة هذه السطور حادثا، لم يصل إلى درجة القتل،  ولكنه كان مؤشرا  مهما على نظرة الناس لرجل يعتدي على فتاة في الشارع، إذ، وبدون  أية مقدمات، وقفت وسيلة نقل شعبية (توكتوك)، وخرج منها سائق يبدو عليه صغر السن، جذب فتاة، تبدو في مرحلة المراهقة، من حجابها، وصفعها على وجهها أمام الجميع في الشارع، الذي ظل في حالة صمت، دون أن يتدخّل أحد، وانتهى الموقف عند هذا الحد، فقد غادر السائق مسرح جريمته بكل بساطة. وفي تلك اللحظة انهالت الأسئلة على الفتاة: ماذا فعلتِ له؟ بدلا من أن يوجه له هو أي سؤال. ونظر لها الجميع بلوم شديد، وقال البعض عبارات مثل: “متكتريش في الكلام مع السواقين”. هذا الموقف يثير أسئلة مثل: هل إذا أخرج الشاب آلة حادة، وطعن بها الفتاة، كان أحدٌ ما سيتدخل لإيقاف الجريمة؟ 

غالبا لا. وحتى في حالة القتل، سيظل السؤال الأول: “ماذا فعلت الفتاة؟” وربما نجد من يبرر للشاب فعلته، مثلما حدث في حالتي نيرة أشرف ونورهان مهران، اللتين قُتلتا لأنهما رفضتا الطرف الآخر عاطفيا.

لا يتدخّل المارون في الشارع، والمتواجدون في الأماكن العامة، عندما يشاهدون امرأة تتعرّض للضرب، لأنهم غالبا يرجّحون أن المعتدي زوجها أو والدها أو شقيقها، وبالتالي من حقه أن يفعل ما يفعل. لذلك لا يخشى الطرف المعتدي من الناس، ويقوم بالطعن والقتل أمام عيون الجميع دون خوف، فربما هي فتاة ارتكبت فعلا يمسّ الشرف، والجميع تقريبا يسكت عن القتل، وربما يباركه، في هذه الحالة.

هناك 7 جرائم قتل، من أصل 32 جريمة تم توثيقها، في الإطار الزمني المخصص، وقعت على خلفية “جريمة شرف”، وانحصر مرتكبو هذه الجرائم بين الأب والأخ والزوج والطليق.

بالعودة إلى الإطار النظري البحت، حاول بعض المفكرين المهمين تفسير جذور هذه المعتقدات والمواقف، إذ تقول الدكتورة نوال السعداوي: “يَقوم الزواج في النظام الأبَوي على إخضاعِ المرأةِ لِلرجُلِ اقتصاديا وجسديا، وتدعيمِ ذلِك بالقِيَم الأخلاقية والدينية والقانونية اللازمة”. والنظام الأبوي عند المفكرة الاميركية غيردا ليرنر هو “تجلي ومأسسة للهيمنة الذكورية على النساء والأطفال في الأسرة، وتوسيع الهيمنة الذكورية على النساء في المجتمع بعامة، حيث يتولى الرجال السلطة في جميع مؤسسات المجتمع المهمة، والنساء محرومات من سلطة كهذه”. وهو أيضا وفق  هشام شرابي: “نظام قائم على أساس وجود روابط تراتبية بين افراد المجتمع، يخضع بموجبها البعض للبعض الآخر، أي ذهنية أبوية، تأخذ نزعة سلطوية شاملة، ترفض النقد، ولا تقبل بالحوار، إلا أسلوبا لفرض رأيها فرضا”.

نظام الموت: كيف وأين ولماذا تُقتل النساء؟

أيا كان نوع الرفض، الذي يتعرّض له الذكور القتلة، فهم يثورون غالبا، ولا يهدؤون إلا بعد القيام بعمل عنف. من بين الحالات المرصودة، مَن قُتلت لأنها قررت رفض قضية طلاق؛ أو لأنها حصلت على حكم تمكين في المنزل؛ أو رفضت الزواج؛ وأو رفضت منح زوجها المال الذي طلبه. فانقسمت أسباب القتل، في قائمة حالات الرصد، إلى: خلافات عائلية، وأخرى قضائية، ومالية، وجرائم شرف، ورفض عاطفي.

تنوّعت أدوات القتل المستخدمة ضد النساء، فمن بين 32 حالة قتل، هنالك 26 حالة قتل بآلة حادة،  بين الساطور والسكين؛  ثم الاعتداء الجسدي المؤدي للقتل في حالتين، ومثلها بالخنق باليد، والسلاح الناري في حالة واحدة.

وتنوّعت أساليب القتل بين الطعن (22 حالة)، الضرب (5 حالات)، الذبح (3 حالات)، والخنق (حالتان) .

واستكمالا لنقطة أن المواطنين لا يتدخّلون عادة في حالات القتل، رغم أنها تتم في أماكن عامة، نجد  أن الأماكن، التي شهدت الجرائم، كانت مكتظة بالسكان في أغلبها، إذ ارتُكبت 22 حالة قتل في الشوارع، وأغلبها باستخدام آلة حادة، والباقي انقسم بين أماكن تجارية وعقارات سكنية، فقد ذُبحت إحدى السيدات في سوق يعج بالمارة، وأخرى في أحد المحلات.

ترتبط كل هذه الحالات بالنظام القانوني والمؤسساتي القائم في البلد، وقد تجعلنا القصة التالية، التي شهدتها كاتبة هذه السطور، في غنى عن الغرق في التفاصيل: قام والد إحدى الفتيات بالاعتداء عليها بالضرب في الشارع، وذلك في مدينة صغيرة في إحدى مراكز المنيا بصعيد مصر، وقررت الفتاة الهرب خوفا من القتل في المرة القادمة. وعندما بحث رجال الشرطة عنها، واستطاعوا إعادتها للمنزل، كان أول ما فعلوه هو الكشف على عذريتها، للتأكد أنها لم تمارس الجنس مع أحد. ولم يهتم أحد بطرح السؤال الأهم: هل ستكون هذه الفتاة مشروع جريمة قتل جديدة محتملة؟ المهم هو “الشرف”، والبقاء في ظل النظام القائم.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
5 3 أصوات
تقييم المقالة
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات