ظاهرة “المنصورزم”:  كيف بات مرتضى منصور رمزاً مصرياً؟

ظاهرة “المنصورزم”:  كيف بات مرتضى منصور رمزاً مصرياً؟

في الستينات من القرن الماضي، أطلق النُقّاد في مصر اسما جديدا على نوعية الكوميديا التي كانت تُقدم حينذاك، وهو “المدبوليزم”، نسبةً للفنان الراحل عبدالمنعم مدبولي، رائد تلك المدرسة، والذي قلّده عدد كبير من الفنانين، وكانت السمة الغالبة لـ”المدبولزم” تقديم فن ارتجالي، يخرج عن النص، “بدون إسفاف” كما يُقال.

إلا أن مصر تعيش منذ فترة كثيرا من الكوميديا، التي لا يمكن فصلها عن “الإسفاف”، أيا كان مفهومنا لهذه المفردة، ولعل أبرز ما يشير إلى الإسفاف المعاصر، الذي يمكن أن يكون مضحكا في كثير من الأحيان، ظاهرة المستشار مرتضى منصور، رئيس نادي الزمالك المصري، الذي لديه كثير من “المداخلات”، في السياسة والإعلام، وكرة القدم بالتحديد، لدرجة يمكننا فيها الحديث عن “المنصورزم”، نسبة له، بوصفها الظاهرة الكوميدية الأكثر تعبيرا عن مصر المعاصرة. ولكننا سنركز أساسا على كرة القدم.

و”المنصورزم” هي حال كرة القدم المصرية، التي كانت، حتى وقتٍ قريب، ضمن الأفضل، إن لم تكن الأفضل في الشرق الأوسط، إلا أنها تعيش اليوم ظروفا صعبة، ببطولات محلّية تُلعب بدون جمهور، قد تمتد لسنتين حتى تنتهي، إن انتهت من الأساس؛ ومباريات تُعلّب خلف الأبواب المغلقة؛ وصراعات لا تنتهي بين رؤساء الأندية؛ وفساد مستشرِ داخل أروقة اتحاد كرة القدم.

لتعريف ظاهرة “المنصورزم” لا بد أن نعرّج على ثلاثة خيوط رئيسية، تشكّل أضلاع الظاهرة، وكذا أضلاع اللعبة، وهي: المسؤولون، الجماهير، الأندية. لماذا يبدو مرتضى منصور علامة على مرحلة بأكملها؟ وهل المسألة تتعلق بشخصه فقط؟

الحالة “منصور”: لماذا يبدو مسؤولو الكرة المصرية متشابهين؟

قبل أن نخبرك عن سر تسمية الظاهرة بهذا الاسم، دعنا نعطيك لمحة عن الوضع الراهن للكرة المصرية في هذه الآونة.

في بداية موسم الانتقالات الصيفية الماضي 2023، أصدر الاتحاد الدولي للاعبي كرة القدم المحترفين (فيفبرو) بيانا، فيه توجيهات للاعبين المحترفين حول العالم، بتفادي التوقيع مع الأندية المصرية، وأبرَّز ما أكد عليه البيان: “وجود انتهاكات تعاقدية واسعة النطاق، تشمل عدم دفع المستحقات، ومصادرة جوازات السفر”.

وكان عدد من اللاعبين والمدربين الأجانب قد تقدّموا، خلال الأعوام الماضية، بشكاوى قانونية ضد أندية مصرية، أمام لجنة الانضباط في الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، والمحكمة الرياضية الدولية (كاس)، بسبب عدم حصولهم على كامل مستحقاتهم ورواتبهم، أو الشروط الجزائية المرتبطة بفسخ التعاقد.

بيان “فيفبرو”، وبالرغم من أنه قوبل بنفيٍ قاطع من الاتحاد المصري لكرة القدم، إلا أنه ليس الادعاء الأول حول هذا النوع من المخالفات والممارسات، التي تُبرز ما وصلت إليه الكرة المصرية في العقدين الماضيين.

والسؤال الآن، من المسؤول عن وصول الكرة المصرية لهذه الحالة؟

الإجابة لها عدة خيوط، لكن خيطها الرئيسي يتمثل بداهةً في مسؤولي اللعبة، سواء أعضاء اتحاد الكرة، أو رؤساء وأعضاء الأندية.

ولهذا السبب ربما يكون مرتضى منصور، رئيس نادي الزمالك الأسبق، التجسيد الأمثل لحالة اولئك المسؤولين، فسواء اتفقنا أو اختلفنا معه، فهذا لا يمنع أنه شخصية فريدة، سيظل التاريخ الرياضي المصري يتذكرها كثيرا. فهو الرجل الذي اشتهر بصراعاته مع الجميع، منذ بزوغ نجمه في الساحة الرياضية عام 2005.

هناك أمور عديدة، تجعل مرتضى منصور من أكثر الشخصيات المثيرة للجدل عربيا في الفترة الأخيرة، فعلى سبيل المثال، يخالف المستشار كل أعراف التصريحات الرياضية، بل التصريحات المقبولة في الحيز العام، وينهال بالشتائم والتهديدات على خصومه، خلال ظهوراته ومداخلاته التلفزيونية. ربما يعتقد كثيرون أنه، عفويا، قطبٌ جاذب للمشكلات والأزمات والصراعات، فهو يعيشُ في وهم المؤامرة الكونيَّة، التي تُحاكُ ضده لمنعِ نجاحاته، لكن الغالب أنه يفعل ذلك عمدا، ويستغلُّ أيّة فرصةٍ لتسويق نفسه، وكسب شهرةٍ واسعة. وهو تكتيك شعبوي، يقوم به السياسيون اليمنيون عادة، وحوّله منصور إلى سمة عامة في الرياضة المصرية.

يمضى منصور من أزمة إلى الأخرى، مرة مع مدرب، وأخرى مع رئيس نادٍ، وثالثة مع اتحاد الكرة، الذي كلما ضجر منه هدد قيادته بالانسحاب من المسابقات، فضلا عن تهديد لاعبي فريقه قبل لاعبي الخصوم. ذلك ملخص قصة الرجل، ولسخرية القدر، ملخص قصة الكرة المصرية، في العقدين الأخيرين.

يتطابق مرتضى مع الطابع العام الذي باتت عليه الثقافة الجماهيرية المصرية المعاصرة: رجل ثرثار يتغذّى على المشاكل، لكنه يقنع الناس أنه “رجل قوي، ورجل دولة”، وأنهم هم الخاسرون إذا ما رحل، والغريب أن الناس تصدقه في كل مرة.

يشبه منصور هاني أبو ريدة، الرئيس السابق لاتحاد كرة القدم المصري، وهو الرجل الأقوى في الساحة الكروية المصرية على مدار العقدين الماضيين، بل والأشهر عربيا وإفريقيا، وإذا كان منصور مستشارا سابقا، وتدرّج في مناصب عدة في الكرة المصرية، إلى أن وصل لرئاسة نادي الزمالك عام 2005، فماذا قدم أبو ريدة للكرة المصرية؟ وماذا يمتلك من مؤهلات تجعله بتلك السطوة؟

الحقيقة أننا لم نجد إجابة لنخبرك بها. عندما فتشنا في سيرة أبو ريدة، وجدنا رجلا عاديا، لا يمتهن كرة القدم في أيٍ من أشكالها، درس الهندسة، وعمل رئيسا لمنطقة بورسعيد، ثم قرر الانتقال لكرة القدم، وفجأة، ظهر بتلك السطوة في بداية الألفية. رجل يأتمر بأمره الجميع في الوسط الكروي المصري، من رؤساء أندية ولاعبين. وحين أُطيح به عام 2011، استعان برجل من أقاصي مصر، هو جمال علام، ليدير المشهد الكروي ظاهريا، في ولاية أولى امتدت حتى عام 2016، وولاية ثانية مستمرة حتى اليوم.

وجمال علام، الرجل الذي يظهر الآن على شاشات التلفاز، دون أي حضور أو حنكة، تجعل من استمراره في منصبه منطقيا، لا يخجل أن يفتخر بتبعتيه لأبو ريدة، ويتحدث عن أن “المدرب المصري الأفضل عربيا”، وهو أمر لا توجد أي وقائع تدعمه.

يتحدّث جمال علام، بمنتهى الثقة أيضا، عن أن كرة القدم المصرية لا تبدو بهذا السوء، الذي يتحدث الإعلام عنه، رغم عدم انتظام مسابقاتها، ورغم لعب مسابقاتها بدون جماهير، لمدة زادت عن العقد، ورغم الهزائم الكبرى التي تتعرّض لها المنتخبات والأندية المصرية في البطولات القارية. وبالطبع هو الرجل الذي يرفض الاستقالة عقب هذه الكوارث .

يقبع خلف جمال علام كثير وكثير من المسؤولين، الذين تعجّ بهم الأندية واتحاد كرة القدم المصرية، وما يجمع غالبيتهم أنهم على نفس الشاكلة، وإن اختلف أحدٌ عنها، ففي الأغلب يفضّل الصمت، حفاظا على منصبه

تلك هي الظواهر الأهم في “المنصورزم” على مستوى المسؤولين، ونحن، كما أكدنا، نقتصر في حديثنا على الرياضة، ولا نناقش بقية الظواهر السياسية والثقافية في المجتمع المصري المعاصر؛ وهذا بالضبط ما أصبحت عليه الكرة المصرية: لعبة يسيطر عليها مرتضي منصور، ومن هم على نفس شاكلته.

يمكن التساؤل هنا: إذا كانت المنظومة تعجّ بكل هذا الفساد، فلماذا تسكت الدولة عنها؟

إثبات الكفاءة: لماذا يكره المسؤولون الجمهور؟

في العقدين الذين نتحدث عنهما، كانت كرة القدم، وجمهورها بالتحديد، فاعلا رئيسيا في الأحداث السياسية، بل وكانت روابط الألتراس أحد أهم أضلاع ثورة الخامس والعشرين من كانون الثاني/يناير 2011، لذا بدا منطقيا أن تفرض الدولة قيودا صارمة على اللعبة وجمهورها، درءا لأي مشاكل قد تتسبّب فيها مستقبلا، وربما لذلك فإن تواجد كوادر مثل منصور وأبو ريدة وجمال علام، ومعظم من على الساحة الرياضية، يبدو منطقيا. وهو الأمر الذي يؤكده منصور، في حديثه الدائم عن نفسه، بوصفه “رجل دولة”.

وعلى الرغم من أن طبيعة الخلاف بين منصور والألتراس بدت شخصية، إلا أنه يجب النظر إليها أيضا في سياق أوسع لقمع المعارضة المصرية. إذ استهدفت الدولة الألتراس، بعد الإطاحة بالرئيس محمد مرسي، في الثالث من تموز/ يوليو 2013. واعتقلت كثيرين منهم. وفي النهاية نجح منصور في ما جاء من أجله، فقد تم حظر جماعة “ألتراس وايت نايتس”، المرتبطة بنادي الزمالك، بناءً على دعوى قدمها منصور للقضاء؛ كما حُلّ بعدها “ألتراس أهلاوي”، ليثبت منصور كفاءته من جديد، وأنه لا يزال في كامل “لياقته”، الأمر الذي استحق عليه مكافأة، وهي عودته إلى البرلمان المصري، في انتخابات عام 2015.

لا يقتصر الأمر على منصور وحده، بل يمتد إلى معظم من يتواجدون على الساحة الرياضية الآن، فقد وزّعت الكرة المصرية بين مسؤولين مخلصين لـ”المنصورزم”، ورجال أعمال، يحاولون، عبثا، جعل نواديهم رابحة استثماريا.

لكن أبعاد الظاهرة لا تقتصر على منصور ومسؤولي الكرة فقط، بل تشترك فيها “الجماهير” أيضا.

عشق العشوائية: متى سيعود “الجيل الذهبي” للجمهور المصري؟

عاشت الكرة المصرية سنوات رواج طويلة، بل وصل المنتخب المصري للمركز التاسع عالميا، في أحد التصنيفات الشهرية للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، وذلك أثناء ما يسميه الجمهور المصرية “الجيل الذهبي”. وهو الجيل الحائز على ثلاثة ألقاب قارية متتالية، تحت إدارة حسن شحاتة، وبقيادة نخبة من أفضل لاعبي الكرة، ومنهم محمد أبو تريكة.

وهو ما يستدعي دوما المقارنة بين حال الكرة المصرية حينها، وحالها الآن، مصحوبة بالسؤال المكرر: متى تعود اللعبة لسابق عهدها؟

بتقصي قصص صعود لاعبي ذلك الجيل، نجد أن كلا منهم خاض معركته وحيدا. لم ينشأ أحد منهم وفق خطة محكمة مثلا، وضعها اتحاد كرة القدم، من أجل صُنع منتخب يصل بمصر لكأس العالم، أو من أجل السيطرة على الألقاب القارية، بل هي تراتيب القدر، التي جمعت اولئك النجوم سويا في آن واحد.

ومع مرور السنوات، ومع كثير من الإلحاح،  تسرّبت لوعي جمهور الكرة فكرة أننا “صنعنا جيلا تاريخيا لكرة القدم المصرية”، ما يجعله غارقا في ذكريات وإنجازات، باطنها المغالطات والنوستالجيا المجانية.

يمكننا القول إذن إن ثاني خيوط تعريف “المنصورزم” يشترك فيها الجمهور المصري نفسه، عن طريق تصديقه لرواية “الجيل الذهبي”، وإيمانه بإمكانية تكرار حالة، تكوّنت بعشوائية بحتة؛ متأثرا بالحالة الخطابية، التي يسوّقها له منصور وأشباهه؛ ومنبهرا بقوة وفحولة هذا المسؤول أو ذاك، بدلا من المطالبة بتجديد بنى الكرة المصرية، وإقالة المسؤولين الحاليين، وانتخاب آخرين، يحاولون بناء كرة القدم المصرية، وفقا لأسس سليمة.

إلا أن الأمر لا يقتصر على المسؤولين والجمهور، القيادة و”الشعب”، بل هنالك البنى الأساسية للعبة، وهي الأندية، التي تشكّل الضلع الثالث من ظاهرة “المنصورزم”.

نهاية “أندية الشعب”: ما الفِرَق التي يشجّعها “أبناء الأقاليم”؟

حظيت كرة القدم باهتمام المصريين من الطبقات الفقيرة منذ نهايات القرن التاسع عشر، وتبنّوها باعتبارها مجالا للتنافس مع البريطانيين، وفرصة استثنائية لإظهار الهوية الوطنية المحلية. لتتحوّل النظرة إلى كرة القدم، من رياضة تعبّر عن ثقافة الآخر (البريطانيين) إلى ذراع شعبي للحركة الوطنية، يتجاوز المصريون عبرها الشعور بقهر المستعمر، إلى محاولة مقاومته بسلاحه نفسه. وكانت أندية الأقاليم، أو كما يُطلق عليها “الأندية الشعبية”، عصب الكرة المصرية آنذاك. لكن أين هي الآن؟

بعيدا عن الأهلي والزمالك، تعاني الأندية الشعبية في مصر بشدة، فمثلا كثيرا ما نرى فرقا جديدة على الساحة بالسنوات الأخيرة، وقليلا ما نجد لها جماهيرا من الأساس، والغريب أن كل الفرق من القاهرة فقط، المدينة المتخمة بتشجيع الأهلي والزمالك، وحتى فرقها صاحبة التاريخ، مثل “المقاولون العرب” و”الترسانة”، فشلت في الصمود جماهيريا أمام هذين العملاقين، لكن مازال رجال الأعمال يختارون مقرّات فرقهم بجانب منازلهم في القاهرة، فهل يُدعى ذلك استثمار؟ وهل من المنتظر أن يدرّ أرباحا على الكرة المصرية؟

قد يتساءل المرء: أين أندية المحافظات، مثل الشرقية ، بني سويف، سوهاج، أسيوط، البحيرة، دمياط، وهي أندية جماهيرية بالمناسبة، ولكنها تعاني الفقر والتهميش، وتقبع في الدرجات الدنيا للدوري.

حتى الأندية صاحبة الصولات والجولات في الدوري الممتاز، مثل “الإسماعيلي” و”المصري” و”الاتحاد”، وأندية المحلة “الغزل” و”البلدية”، تعاني من عدم تكافؤ الفرص، وقلة الإمكانيات، ما يمنعها من دفع رواتب مناسبة للاعبين اللامعين صفوفها، الذين سرعان ما تغازلهم الأندية الكبرى، تمهيدا لصيدهم في أقرب فرصة؛ فما بالك بشراء لاعبين أجانب.

اضمحلال أندية “الأقاليم”، يشير إلى ما هو أكثر من أندية ضعيفة، بل إلى عملية اقصاء واستبعاد لفئات كثيرة من الشعب المصري، وتغييب صوتها، وعدم الاهتمام بتنمية المناطق التي تعيش فيها، على كل الصعد. واستبعاد كل هؤلاء البشر من الحضور والمشاركة الفاعلة، في الرياضة المصرية المعاصر، يترك فجوة كبيرة، تسمح بازدهار “المنصورزم”.  

مرتضى منصور ليس مجرد فرد سوقي أو فاسد، بل هو نتاج لبنية متكاملة، قد يمكن للبعض أن يستخلص من هذا أن “المنصورزم” هي مصر المعاصرة بشكل من الإشكال، ولكننا، كما أكدنا مرارا، لن نتحدث عمّا هو أبعد من الكرة.  

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
5 4 أصوات
تقييم المقالة
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات