“تشرين” بعد أربع سنوات: كيف يتعامل التشرينيون مع ذاكرة الانتفاضة العراقية؟

“تشرين” بعد أربع سنوات: كيف يتعامل التشرينيون مع ذاكرة الانتفاضة العراقية؟

بعد مرور أربع سنوات على انتفاضة تشرين العراقية، ربما يجب طرح أسئلة مختلفة عن الذاكرة الفردية والجماعية، إذ أن عملية التذكّر، قد تساعد على التعلّم، او تكون مجرّد فعل نوستالجي، يرفض الفهم ورؤية الواقع. وبكل الأحوال فالتعامل مع الذاكرة، خاصة المتعلّقة بهذا النوع من الأحداث، فعل سياسي بالضرورة، وربما كان أحد أهم الأفعال، التي لا يؤديها “جيل تشرين” بالجديّة اللازمة.

تتوقف ذاكرة غالبية ذلك الجيل في عام 2019، فمع اندلاع الانتفاضة بدأت الذاكرة، وكل شيء في حياة أفراده المتنوعين يتمحور حولها، فهي مَن شكّل ذواتهم بطريقة سياسية، حين تكلّموا وتناقشوا، بل حتى تشاركوا موائد الطعام والشراب، على وقع الحدث الجماعي الكبير. قاطعوا سويةً المنتجات الإيرانية، وحطموا كثيرا من “التابوهات”، ووقفوا بكل شجاعة في الساحات، كتفا بكتف، فامتزجوا ببعضهم، حتى بات لون جلودهم واحدا: ابن “مدينة الصدر”، أو الشاب ذي الانتماء الصدري، الذي ينقل بـ”تكتكه” بنت “حي المنصور” البرجوازية، التي تحلم بالمساواة التامة بين النساء والرجال في العراق. وقفت جميع الطبقات والفئات جنبا إلى جنب، لتصرخ بجملة واحدة: “الشعب يريد إسقاط النظام”، بدون التركيز على انتمائها العشائري أو الجندري.

إلا أن هذه الصورة الرومانسية لا علاقة لها كثيرا بالواقع، فالمشهد، الذي اصطنعته الذاكرة، أغفل الحقيقة الأكبر، لأنها تربك الحالة العاطفية الخالصة، التي فرضها “سحر الثورة”، وهي أننا مختلفون عن بعضنا، ودوافع الخروج ضد النظام ليست واحدة، وتتضارب تبعا للمنطقة والمدينة، والطبقة الاجتماعية، والانتماء المذهبي. فالمتظاهر ضد “النظام” من أجل الخبز، يختلف بدوافعه مع المتظاهر من أجل المذهب، أو بأمر من القائد الديني؛ والذي خرج من أجل “الحرية”، يختلف عمن لديه مفاهيم مجتمعية مغايرة. وهذا الاختلاف، الذي ميّز الانتفاضة، كان مدخل السلطات للتعاطي مع المنتفضين، وتشتيتهم، وابتلاعهم داخل أدواتها.

أسئلة الذاكرة الأفضل قد تكون إذن: ما مآلات جيل تشرين، الذي لم يفهم تنوّعه واختلافه؟ وهل نجح النظام السياسي العراقي باستيعابه؟ ولماذا نفشل حتى اليوم في إيجاد صيغ للتعامل مع التنوّع ومع السلطة؟

زمن “السحر”: كيف نجح الكاظمي في “ركوب التريند”

بدأت “انتفاضة تشرين” في الأول من شهر تشرين الأول/أكتوبر من العام 2019، في ظل حكومة عادل عبد المهدي (الشيوعي ثم الإسلامي لاحقا). تعاملت تلك الحكومة مع المتظاهرين بالقوة المفرطة، لقمع احتجاجاتهم، ما أسفر عن مقتل 750 متظاهرا، و25 ألفا من الجرحى، بينهم 5 آلاف بإعاقة دائمة، فضلا عن عشرات المعتقلين والمخطوفين. ورغم محاولات عبد المهدي لتهدئة الأوضاع، من خلال التصريح بوجود “طرف ثالث” استهدف المحتجين، وهو مَنْ أوقع كل الضحايا، إلا أنه فشل في الكشف بصورة صريحة عن هوية ذلك “الطرف”، أو حماية المحتجين منه. هذا التصريح بيّن ضعف الدولة في حماية المتظاهرين من الرجال والنساء؛ واعترف، على نحو رسمي، بوجود قوى سياسية مسلّحة، تعمل خارج إطار الدولة، وربما بعلمها، أو حتى بحمايتها.

فشلت كل محاولات عبد المهدي في قمع الانتفاضة أو حماية المنتفضين، الذين لم يقتنعوا بأية محاولات للتهدئة، خصوصا بعد مجزرة الناصرية، التي راح ضحيتها قرابة 70 شخصا، و225 جريحا. ليعلن بعدها عبد المهدي، استجابة لطلب المرجعية الشيعية العليا في النجف، الاستقالة بصورة رسمية، في الثلاثين من تشرين الثاني/نوفمبر، ليبقى البلد تحت إدارة حكومة تصريف أعمال، إلى حين استلام مصطفى الكاظمي لرئاسة الوزراء،  في السابع من أيار/مايو 2020، وما بين الاستقالة، وتسلّم الكاظمي الحكم، حدثت مجزرة النجف، والتي راح ضحيتها 23 متظاهرا، وأصيب 182 آخرين.

غيّرت حكومة الكاظمي، الذي حُسب سياسيا على “تشرين”، أساليب المواجهة مع المنتفضين، فلم تعد تقمعهم بالسلاح، وإنما ابتكرت طرقا جديدة،  استطاعت من خلالها تقسيمهم، وإعادتهم إلى المنازل.

قبل وصوله لمنصب رئاسة الوزراء، كان الكاظمي يعمل مديرا لجهاز المخابرات العراقية، وكان يعي جيدا اختلاف المتظاهرين، واختلاف دوافعهم، بحكم تعامله السابق معهم، أثناء إشرافه على سلسلة الاعتقالات والتحقيقات التي طالتهم؛ وكان يعرف أيضا قوة الإنترنيت وقتها، وكيف كانت عملية التحشيد، ونقل الأخبار، والتحكّم في إصدار قرارات المنتفضين، تتم عبره، لذا قرر التعامل مع المدوّنين بحذر وحيلة، وبدأ العمل على كسبهم، من خلال شراء بعضهم بعقود توظيف حكومية في دوائر الدولة، مثل دائرة الكهرباء والماء والمجاري والبلدية؛ أو من خلال دفع مبالغ طائلة لهم لالتزام الصمت، أو افتعال قضايا “تثير الحساسيات”، متعلقة بالدين أو الجندر أو الأخلاق، ليسيطر على “التريند”، ثم يأتي هو، بقدرتهِ الهائلة، ليحلّ المشاكل، ويبرّد الحساسيات الملتهبة.

أما الذين لم يستطع شراءهم، فقد تعرّضوا للترهيب والتهديد. ولم ينس الكاظمي ترك مساحة صغيرة للبعض، بهدف إيهام الناس بأنه مع حرية التعبير.

لم يغفل الكاظمي قضية خيم الاعتصام في ساحات المدن العراقية، والتي باتت عبئا عليه، وصار إنهاؤها ضرورة ملحة، لذا عقد اتفاقات غير معلنة، مع جهات مسلّحة منتمية للإسلام السياسي، مرة لإصدار شائعات، تطعن بأخلاقيات المعتصمين داخل الخيم، ذكورا وإناثا؛ ومرة بغرض افتعال المشاكل، وبالتالي توجيه المدونين للكتابة حول أهمية رفع الخيم من الساحات، لغرض حماية المتظاهرين، وعدم تكرار المجازر. ورغم استجابة كثير من المعتصمين لدعوى التهدئة، إلا أن عمليات القمع استمرت، وكان أشهرها حالات قمع متظاهري البصرة، في بداية شهر تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2020.

ساعد شراء المدونين، والسيطرة على الإعلام، والاتفاق مع المسلحين، في خلق أزمة داخل ساحات الاعتصام، فتصاعدت دعوات الانسحاب، قبل أن تأتي جائحة كورونا لتحسم المسألة، وتنهي الاحتجاجات والاعتصامات.

قد يمكن اعتبار تكتيكات الكاظمي تقليدية بعض الشيء، ولا يوجد فيها ما يفاجئ، إلا أنها لم تكن لتنجح لولا الأزمة البنيوية في الحراك. وهي الأزمة التي انتقلت من ساحات الاعتصام إلى ميادين العمل السياسي، بعدما قرّر التشرينيون تأسيس منظماتهم وأحزابهم، فبات الانقسام، الذي غطى عليه “سحر الثورة”، أشد وضوحا في زمن “واقعية السياسة”.

زمن “الواقع”: أين كان “النظام” الذي ثرنا ضده؟

كان شعار عام 2021 هو “ضرورة التغيير من الداخل”، فأنشأ متظاهرو تشرين أحزابا سياسية، بقيادة وجوه عُرفت داخل ساحات التظاهر، وبعضها تلقّى دعما ماليا غير محدود، من قبل السلطات، للهيمنة على الانتخابات، وبالفعل استطاع كثير من مرشحي “تشرين” الفوز بمقاعد داخل مجلس النواب العراقي، وازداد عددهم، بعد انسحاب “حزب سائرون”، التابع للتيار الصدري، من مجلس النواب، ليرتفع بذلك عدد المستقلين والتشرينيين داخل قبة البرلمان إلى نحو سبعين نائبا، في سابقة هي الأولى من نوعها.

 لكن مشكلة الاختلاف استمرت، إذ لم تتضح رؤية كثير من الأحزاب الناشئة، أو تضاربت بشدة، ففي حين يصرّح بعضهم بهويته المدنية والعلمانية، ينكرها آخرون، ويتبرؤون منها، لأنها تتصادم مع بيئتهم وبيئة منتخبيهم، لذا استمر غياب المرجعية السياسية المشتركة بين الأحزاب المتقاربة في أهدافها.

ربما كان اختلاف الأفكار هذا أمرا صحيّا، بين أشخاص من معسكر واحد، يجمعهم الهدف نفسه، وهو الخلاص من فساد النظام العراقي. إلا أن المشكلة ليست في تعدد الآراء، وإنما في تحولها إلى معبّر عن الهوية، فكل طرف يعتبر طرحه منطلقا بشكل طبيعي من هويته، سواء كانت محلية أو طائفية أو جندرية، وربما لذلك يجب العودة للذاكرة، كيف ولماذا اجتمع كل أولئك البشر، المتناقضون بجوهرهم وهويتهم؟

إذا كانت الذات السياسية، التي تشكّلت في تشرين، قد قامت على كراهية النظام الفاسد، فهي قد عانت من فصام كبير، كان أساسه عدم التفاهم على إدراك معنى “الفساد”، ومعنى “النظام”. وربما تعيننا استعادة الذاكرة على التسليم بأن “الفساد” و”النظام” كانا موجودين في قلب انتفاضة تشرين، ولم تكن المعركة صافية بين روح طاهرة، هي روح الثوار؛ وروح فاسدة، هي روح “النظام”.

ربما يجب أن نتذكّر التفكير الطائفي والذكوري والمحافظ في قلب الميادين وخيم الاعتصام، وأن نحدد ما ثرنا عليه، وما أردنا تغييره حقا، كي نستطيع الوصول إلى تضامن جديدة، على أسس أكثر قوة، يستفيد من التنوّع، ويحوله إلى عامل قوة، وليس ضعف. وربما يفيدنا هذا التفكير في تجاوز تريندات الذات والهوية والمقارنات والتوصيفات القيميّة، التي عرف أمثال الكاظمي استغلالها دائما.   

تفكيك “نحن”: ضد السخرية القاتلة

تعمد الحكومة الحالية، برئاسة محمد شياع السوداني، على عقد ما يشبه الهدنة مع بقايا الانتفاضة، عبر الاستمرار بضمّ التشرينيين، الذين ما يزالون خارج السيطرة، إلى جهاز الدولة، وكذلك استهلاك ذاكرة الانتفاضة، من خلال تصدير الشخصيات المختلف عليها على وسائل الإعلام، وجعلهما ممثّلة لزمن “تشرين”، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى خلافات مستمرة، وتنمية شعور الكراهية، تجاه كل ما يرتبط بهذه الشخصيات.

يصل الأمر اليوم بكثيرين إلى تسخيف ذاكرة “تشرين”، وتحويلها لنكتة؛ فيما يشعر البعض بالندم والعار عن مشاركتهم بالانتفاضة، وما نالهم بسببها من تعذيب وألم، وخسارة أصدقاء وأقارب. ولا تساهم ممارسات سياسي “تشرين”، سواء في البرلمان أو خارجه، في التخفيف من هذه المشاعر السلبية.  

ما تحتاج إليه حركات مثل “تشرين” هو السعي الجدّي للتحوّل إلى فعل سياسي، وعدم العودة إلى فخ الرومانسية الثورية. “نحن” لسنا واحدا، ولدينا ما يكفي من التباينات؛ وكذلك السلطة، التي ليست مجرد تجمّع لأغبياء وفاسدين، وإنما بنية معقدة، ومتجذّرة في المجتمع، بفئاته المختلفة، وربما كان الأجدى فهم تعقيد هذه السلطة، ومحاولة تفكيكها، على المستوى النظري أولا؛ وكذلك فهم تعقيد معارضيها والمنتفضين عليها، أي تفكيك الـ”نحن”، التي لم تعد قادرة على جمعنا، ولم تخلّف لنا إلا ذاكرة شديدة الرومانسية، وما هو شديد الرومانسية، قابل أيضا ليصير موضوعا سهلا للسخرية.

قد يكون التفكير بذات جمعية جديدة ضرورة لتجاوز السخرية القاتلة، التي تطبع حاضر العراق، وتقتل الجميع ببطء، بعد أن خفتت، نسبيا، أصوات السلاح.  

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
3.8 4 أصوات
تقييم المقالة
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات