“أبناء عدوية”: لماذا تزدهر الموسيقى الشعبية رغم “القمع”؟
“الأغنية الشعبية الصح هي اللي توصل مواجع الناس”
عبد الباسط حمودة، من الفيلم الوثائقي “طرب شعبي” 2010
قابل ما يسمى “الطرب الشعبي المصري”، احتقارا، وتنصّلا، وتقليلا من الشأن، وتنفيرا، وإدانة وتهميشا، مع أنه في حقيقة الأمر جزء من حياة الناس ويومياتهم، حتى لو عارضه كثيرون. وكان كذلك وجها آخر لعملة السياسة، فلم يكن هناك حدث سياسي-اجتماعي واحد في مصر، منذ سبعينات القرن الماضي، لم تعبّر عنه الأغاني الشعبية.
اعتُبر أحمد عدوية الأب الروحي لـ”الشعبي”، وفي الوقت نفسه المتحدّث باسم الانفتاح الاقتصادي المصري، بعد انتصارات أكتوبر، الذي أتاح نوعا محدودا من “تعدد الأصوات” في الثقافة المصرية. فما الذي حلّ بالأغنية الشعبية بعد عدوية؟ أو بالأصح: ماذا حلّ بـ”الأصوات المتعددة”، في التاريخ المعقد لمصر، في فترة ما بعد الانفتاح؟
عقب الفترة الذهبية لتوهّج عدوية، تعرّض لحادث لا يمكن معرفة تفاصيله بدقّة، ولاحقته عديد من الشائعات، فاختفى عن المشهد الفني، ليترك ساحة الطرب الشعبي مفتوحة على كل الاحتمالات، ويظهر، في الوقت نفسه، وبمحض صدفة بحتة، شاب من حي العباسية في القاهرة، تعود جذوره لمحافظة قنا، اسمه حسن الأسمر، حلم دائما أن يصير ممثلا، لتقوده الأقدار ليصير واحدا من أفضل من غنوا المواويل في مصر والعالم العربي. وكانت أولى إصدارته، أغنية تحمل اللون الحزين، الذي سيستمر عليه طوال عمره، وهي موال: “عليل أنا يا تمرجية”.
تدور تلك الأحداث تقريبا في نهايات الثمانينات وبدايات التسعينات، بعدما تولي الرئيس المخلوع حسني مبارك الحكم بعشرة أعوام تقريبا، وبعد أن بدأت مصر في حصاد آثار الانفتاح الاقتصادي، لتتزايد الفجوة بين متوّسط دخل الأفراد بشكل واضح. فأصبح وجود أصوات، تتحدّث بلسان البشر، الذين أصابهم الحزن من الأحوال المعيشية والكبت السياسي المستمر، أمرا حتميا، لذلك لاقت أغاني الأسمر، مثل “كتاب حياتي يا عين”، “الله يسامحك يا زمن”، “سألوني”، “عمري وتاجر الصبر”، رواجا كبيرا، وانتشارا بين الناس.
ولمدة عقد كامل وأكثر، تربّع الأسمر على عرش الأغنية الشعبية، إلى أن أصبح تجديد دم الطرب الشعبي أمرا واجبا، نتيجة التغيرات المستمرة في المجتمع، ليظهر اللون المسمى “الشعبشبابي”، وهو دمج بين مفردتي “شعبي” و”شبابي”. فما أهم التطورات التي عرفتها الأغنية الشعبية مع تغيّر ظروف المجتمع المصري؟ وهل يمكن إيجاد قواسم مشتركة بين موجاتها الكثيرة والمتعددة؟
ظهر مصطلح “الأغنية الشبابية” تقريبا منذ بدايات العندليب عبد الحليم حافظ، الذي كان يسمّى “مطرب الشباب”، بل أن أغاني محمد عبد الوهاب، في مراحله التجديدية، كانت تُطلق عليها صفة “أغانٍ شبابية” في وقتها. ومنذ ذلك الحين، يُقال عن أي مطرب جديد، يختلف عن الجيل القديم، “المطرب الشبابي”، فعمرو دياب كان مطربا شبابيا، وكذلك حميد الشاعري، ومحمد منير، وتامر حسني.
وفي النصف الثاني من التسعينات، ظهر لون جديد من “الأغاني الشبابية”، يمزج بينها وبين الطرب الشعبي، كان الأكثر انتشارا في وقته، وحتى وقت قريب جدا. وأشد ما يميّز هذا النوع الجديد جُمله الموسيقية، فكانت مزيجا بين الآلات المميزة للطرب الشعبي المصري، مثل المزمار، الربابة، الطبلة البلدي؛ والأصوات المستحدثة الكترونيا، التي تميّز موسيقى الهيب هوب الغربية. فصارت الأصوات المنتجة إلكترونيا سيدة الموقف في أواخر الثمانينات وبدايات التسعينات. ويمكن تقسيم إنتاج تلك الموسيقى لمدرستين: الأولى مرتبطة بمؤلف موسيقى الأفلام الأشهر في مصر، هاني شنوده؛ والثانية مدرسة حميد الشاعري، الذي أحدثت إنتاجاته الموسيقية، سواء لنفسه أو لمطربين آخرين، طفرة في عالم الموسيقى المصرية بشكل عام، والموسيقى الشعبية بشكل خاص.
وبناء على هذا النوع الموسيقي، ظهر الشاب “حكيم”، الذي نجح في المزج بين الموسيقى الشبابية الجديدة والغناء الشعبي، بكلماته وموضوعاته، التي تمسّ المواطن المصري بشكل شخصي، مع إضافة لمسة من “الرقي”، الذي ينتقده دائما مطربو الفن الشعبي الأكثر كلاسيكية. فنجد حكيم يقدّم حفلات في نيويورك، ويحصد جوائز، وينتج دويتوهات مع مغنين عالمين، فهو “شعبي” بنكهة “عالمية”.
بعد خمسة عشر عاما تقريبا من الانفتاح الاقتصادي والثقافي والاجتماعي، وبعد انصهار عناصر ثقافية جديدة في مصر، صار من المنطقي أن لا يبقى الفن الشعبي المصري “شعبيا” لتلك الدرجة، وأن لا يظل أسير الأزقة الخلفية في المدن، بل اتسع ليشمل مزيجا من الألوان والثقافات.
رغم هذا فلم يكن كل الناس “عالميين” مثل حكيم، ولا ينتمون لما يسمى “الطبقة الوسطى” بالمعايير المصرية، ويصعب عليهم السفر، والمشاركة في الأحداث الفنية الدولية، فضلا عن أن في شكلهم ومظهرهم وملابسهم ما يُنفر الطبقة المثقفة المخملية. ماذا يفعل هؤلاء إن أرادوا الغناء؟ وبعد أن فقدوا فارسهم الأبرز عدوية، الذي غنى ما اعتبروه صوتهم، دون خجل؟
كان لا بد من عودة “الشعبي” مرة أخرى، بدون رتوش وتزيين، وذلك لإن إدماج صوت المناطق الأفقر في عولمة التسعينات لم يكن قابلا للاستمرار، وسيعود الضجيج، القادم من خلفية المشهد، ليعبّر عن نفسه من جديد.
هنا برز شعبان عبد الرحيم، الذي فهم سريعا اللعبة، بعد أن أتاحت له الصدفة السعيدة، والحظ الوفير، دورا في التحوّل من مجرد مكوجي في حي الشرابية، ومغنٍ في أفراح الأقارب، إلى فنان شعبي شهير، ومشاركٍ في عديد من الأفلام والمسرحيات، مع مخرجين ونجوم كبار، مثل محمود أبو جليلة، داود عبد السيد، وسمير غانم. أدرك عبد الرحيم حينها أن وجهه غير المتسم بالوسامة، وملابسه وإكسسوراته المبهرجة وغير المتناسقة، وأسلوبه كلامه الذي يبدو ساذجا، هم طوق نجاته في عالم الفن، الذي لا يرحم من لا يناسب المعايير.
في بداية الألفية، ومع توهّج القضايا العربية، مثل الانتفاضة الفلسطينية الثانية، ومن ثم أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، واحتلال العراق، غنّى “شعبولا”، بوصفه صوت “الشارع”، الذي يرفض كل ما يجري. فكانت “القضية” بوابة لعودة “الشعبي”، بشكل صارخ، ربما أكثر من اللازم، وكأنه كاركتير عمّا يفترض أن يكون شعبيا.
اعتبر “شعبولا” أنه يمثّل حال المواطن، الذي يقطن العشوائيات في ذلك الوقت، ولا يدري غير أنه يكره اسرائيل ويحب حسني مبارك، لأن الأخير صرّح بحزنه على مقتل الطفل الفلسطيني محمد الدرة. فبدت أغانيه ترديدا لما تذيعه نشرات الأخبار، التي كانت آنذاك البرنامج الشعبي الأول على شاشات الفضائيات.
وبعيدا عن “شعبولا”، يمكننا، ابتداء من النصف الثاني من العقد الأول للألفية، تحديد “الشعبي” من جديد، بوصفه نوعا فنيا مستقلا عن الأغنية الشبابية، بعد التداخل الذي حدث بينهما في التسعينات، فظهر جيل ذهبي في الأغنية الشعبية المصرية، تأثّر بالتدهور الاجتماعي والاقتصادي، والأحداث الإقليمية والعالمية العاصفة، التي كوّنت جزءا كبيرا من شخصيته أولا، ولونه الفني ثانيا. وسنجد تراجعا واضحا في أغاني الحب والعاطفة والغزل، لتحلّ محلها أغاني “الحكاوي”، وهي أغانٍ يصفها مؤدوها أنفسهم، في فيلم وثائقي عنهم، بأنها تبدو وكأنها خارجة من فيلم سينمائي، تحكي قصة، الغرض منها في الأغلب الموعظة.
وإلى جانب الصوت السياسي المباشر، الذي نجده في أغاني شعبان عبد الرحيم، بدا أن المناخ العام من الوعظ الدائم، الذي سيطر على مصر منذ أواخر السبعينات، ترك أثره على مغنيي “الشعبي”، وكأن وعظ الدعاة، الذي كان ينتشر على شرائط الكاسيت، تحوّل إلى أغان مقفّاة، يؤديها مطربون، لا يبدو عليهم كثير من الصلاح:
“هسيبلك المعاصي وأصون رسول الله
وإن جيتلى هبعدك بآيات كتاب الله
وما دام هرجع أصلى مش هتعرف توصللى
والناس بقى تتعلم من كل اللى حصلى”
هذه الكلمات، من أغنية “العبد والشيطان”، لمحمود الحسيني، لاقت انتشارا كبيرا، ويوجد نظائر كثيرة لها في أغانٍ متعددة. إلا أن أغاني السياسة والدين، التي تحب حسني مبارك والصالحين، حتى لو كانت ليست منهم، لم تكن الجانب الوحيد لحياة وتعبير “الشعبيين”، بل كانت لهما جوانب أخرى، ستزعج أرباب الثقافة السائدة، على عادة “الأغنية الشعبية”.
قبيل ثورة يناير بأعوام قليلة، وبعد تاريخ طويل من تجارة الحشيش في مصر، وتنقّلها بين الإباحة والمنع، قام وزير الداخلية المصري الأسبق حبيب العادلي باتخاذ إجراءات حازمة في مكافحة تجارة الحشيش في مصر، وكأنه يربّي الشباب، لذلك ظهر في الفترة نفسها عدد من الأغاني الشعبية، التي تتحدث عن الحشيش ومنعه، وكيف أثّر ذلك على المزاج العام لفئة كبيرة من الشعب المصري. حتى أن هناك أغنية مطلعها: “الناس مش عارفه تعيش علشان مبقاش فى حشيش”، وانتشرت مواويل، تتغزّل بحالة اعتدال المزاج، التي تصاحب تدخين الحشيش، وتتحسّر على أيام توافره بكثرة.
انتُقدت تلك الأغاني بشدة طبعا، ما دفع مؤدييها إلى شكل جديد في التعبير، ارتدى عباءة الفضيلة والنصيحة، فأصبحوا، في ختام أغان طويلة، يتغزّلون فيها بحالة الانبساط، التي تصاحب تدخين الحشيش وشرب الكحوليات، يقدّمون موعظة، خلاصتها: “أنا وحش متعملش زيي!”.
وتقريبا في عام 2009، بدأت الأنظار بالتوجّه نحو نوع جديد من الفن الشعبي، كان يُطلق عليه في البداية اسم “الأغاني الدواليك”، لأنه يتكوّن من جملة موسيقية أو جملتين، تتكرر، ويُكتب لها أي نوع من الكلمات: قصص أو “إفيهات” أو كلام بلا معنى تقريبا، ولكنه مسلٍ، مثل أغنية “أنا اسمي سعيد الهوا”. وفيما بعد عُرف هذا الفن باسم “أغاني الديجهات”، ومنه تطوّر فن “المهرجانات”، الذي بات واضح الملامح بشكل كبير في الوقت الحالي.
الجدير بالذكر، أنه مع بداية انتشار فن “الديجهات”، كان مطربو الأغنية الشعبية المشهورون ينتقدون النوع الجديد، ويتنصّلون منه، بعد أن أصبح لهم حضور في الإعلام، وظهور في كل الأفلام المُنتجة في ذلك الوقت تقريبا.
أما بعد ما يُعرف بـ”الربيع العربي”، صار “الشعبي” جزءا من موجة جديدة، قدّمت نفسها بوصفها المعبّر عن الروح السياسية والاجتماعية في مصر، وهي موجة المهرجانات، ويليها أغاني الراب والتراب.
مرت حوالي ثلاث عشرة سنة على “الربيع”، وعاد “المهرجان” ليصبح فنّا مكرّسا، يكاد لا يخلو منه فيلم أو عرس، فيما أصبح مغنو الراب والتراب نجوم صف أول، ولا نعرف بالضبط ما يحدث الآن في الأزقة الشعبية للمدن المصرية. غالبا ستخرج لنا موجة جديدة من الغناء، تصدم كثيرين، بمن فيهم نجوم “المهرجان” و”الشعبي” المعروفين، وتثير معارك كثيرة، بين معارض، ينعي حال الموسيقى والهوية؛ ومؤيد متحمّس، يعتبرها المستقبل الثائر على التحجّر، قبل أن تأخذ موقعها الطبيعي، في سياق الأصوات المتعددة للثقافة الغنائية المصرية.
ربما كان هذا هو الشرط اللازم لـ”الأغنية الشعبية”، والتي يعطيها هالتها وجاذبيتها وسحرها: صوت يقدّم نفسه بوصفه “الناس” و”الغلابة”، المحاصر وغير المفهوم، والذي ليس من الضروري أن يكون متقنا، بقدر ما يعبّر عن “روح” معينة. ومن عدوية، وحتى نجم المستقبل الذي لا نعرفه، والذي يجول اليوم في أزقة حي شعبي ما، ستتكرر هذه المعادلة دائما، لدرجة يمكن معها القول إن الحرب ضد الأغنية الشعبية جزء من قوتها، لا يمكنها الاستغتاء عنه، وهذه “خصوصية مصرية”، قد يكون من الضروري التأقلم معها.
هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.