زلزال المغرب: هل تلغي “رومانسية” الكوارث الأسئلة الجوهرية؟

زلزال المغرب: هل تلغي “رومانسية” الكوارث الأسئلة الجوهرية؟

مرّت أسابيع على زلزال المغرب المدمّر، ولا حاجة للتذكير بالمأساة الإنسانية، التي خلفتها وتخلفّها أي كارثة من هذا النوع في أي ركن من العالم، من قتلى وجرحى ومشرّدين.

قد لا تتحمّل نفسية البشر مشاهد الركام، والقصص الإنسانية المؤلمة، التي تبثّها وسائل الإعلام، لذلك، وكما يؤكد الأخصائيون في علم النفس، يُنتج العقل الإنساني أساليب دفاعية متعددة، مثل التشبّث بالوازع الديني، أو السخرية السوداء، في محاولة للتكيّف، وتجاوز صدمات الكارثة. إلا أن من بين أكثر الظواهر إثارة للاهتمام في هذه السياق، إنتاج الروايات عن “الملاحم” و”البطولات” الشخصية والجماعية، والتي تخرج من “رحم الأزمة”.

السؤال هنا لا يتعلّق بوجود أو عدم وجود مثل هذه الروايات، وأساليب التكيّف، فكلها تعتبر محاولة لجعل العالم منطقيا، وتجاوز الشعور بالعبثية، ولهذا يمكن اعتبارها “طبيعية” إلى حد ما، بل يتعلّق بالتوظيف السياسي لها، وكذلك دعمها لهيمنة سلطات وقوى وفئات معينة، وكذلك إلغائها أسئلة جوهرية ومهمة، ترتبط بأي أزمة، وجعلها “أسئلة مؤجّلة”. فقد يؤدي استهلاكنا لـ”البطولات” مثلا، التي رافقت عمليات الإنقاذ في المغرب، إلى صرفنا عن التساؤل عن تدابير الدولة في الاحتزاز من الكوارث؛ أو تعاملها التنموي مع مناطق جغرافية معينة، أظهرت الكارثة مدى هشاشتها.

يستثير زلزال المغرب إذن، وغيره من الكوارث الطبيعية، أسئلة عن ثقافتنا السياسية المعاصرة: هل ما زلنا نفكّر بهذه الحوادث، بوصفها مجرد وقائع قدرية، أو عقوبة إلهية؟ ما دور البنى السياسية، وغيرها من مؤسسات الاجتماع الإنساني، في التعاطي مع الكارثة؟ هل تقع الكوارث في القدر أو الطبيعة فقط، أم أنها تحدث أساسا في المجتمع؟

رواية الدولة: الكوارث الكبرى وسؤال الشرعية

الروايات المختلفة، المرافقة للأزمات أو الحوادث التاريخية الكبرى، ليست مجرد “حكايات شفهية متداولة”، بل هي روايات تُعتمد لبناء الشرعية الوجودية والتاريخية للقوى السياسية المنظّمة، وهي محورية وأساسية في تشكيل وصناعة العقيدة المؤسِّسة لأية دولة، فقد ارتبط تأسيس دولة إسرائيل بجريمة الهولوكوست؛ كما ارتبط تاريخ إسبانيا بالحرب الأهلية، والحكم الديكتاتوري لفرانكو.

ومن المسلّم به، أن أي خطاب أو رواية، تُنتج خلال واقع الحروب والأزمات، ليست بالنقاء والطهارة التي تُقدّم بها للعموم والأجيال الجديدة، فهي لا يمكن أن تخلو من انعكاس وقائع الصراعات، وتضارب المصالح، واختلاف المواقع الاجتماعية، وبالتالي فهي مفعمة بمحاولات التوجيه نحو معنى ما، الأمر الذي يجعلها أيديولوجيا، وليس حقائق علمية أو تاريخية مجرّدة.

وبالتالي فإن الخطاب المُنتج بعد أية كارثة طبيعية، سيكون خطابا أيديولوجيا بالضرورة، وكثيرا ما تتعدد الخطابات، التي تنتجها أطراف سياسية متصارعة، فمنها ما يستغل الكارثة للحديث عن انهيار شرعية الفئة الحاكمة، بسبب فشلها أو تهاونها في الوقاية من الكوارث؛ ومنها ما يحاول جعل ما حدث دلالة على قوة السلطة، وتحرّكها السريع، وتلاحم فئات الناس حولها.

هكذا تعيد الكارثة طرح أسئلة الشرعية، ولعل هذا من أهم ما تحاول خطابات البطولة، والامتحان القدري، والغضب الإلهي، إخفاءه، أو التمويه عليه.  

ريلز البطولة: علامات جديدة لفنون الكارثة

يلعب الإنتاج الثقافي والفني دورا كبيرا في صناعة خطاب الأزمات وما بعدها، لكن لم تعد الأغاني والأشعار والأفلام وحدها الوسائل، التي يتم عبرها تحويل الكوارث إلى روايات سياسية، بل تلعب مواقع التواصل الاجتماعي، بعلاماتها اللافتة للانتباه، دورا كبيرا في صناعة تلك الروايات.  

تعمل “العلامات اللافتة للانتباه”، وهي جزء لا يتجزأ من اقتصاد “السوشيل ميديا”، على لفت انتباه المستخدمين بعلامات واضحة وبسيطة وجذّابة ومتكررة، وهو ما حدث بعد زلزال المغرب، عبر عدد كبير من الصور و”البوستات” و”الريلز”. لم نعد في حاجة اليوم إلى انتظار الشاعر أو المخرج أو الملحن الكبير، الذي سيأتي بعد الكارثة، ليخبرنا، عبر أغنية أو فيلم، عن البطولات الكبرى لأهل بلد ما، في مواجهة كارثة معيّنة، بل أصبح بإمكاننا إنتاج ذلك بهواتفنا، وإضافة مواد موسيقية تدغدغ المشاعر، و”مقاطع صغيرة”، توثّق ما يفترض أنه فعل بطولي. وما يُنتج اليوم سرعان ما سيُنسى غدا، مع مقطع صغير آخر. وإذا كانت عملية الإنتاج السابقة تعطينا ”أساطير وروايات خالدة”، فإن عملية الإنتاج بمنطق “السوشال ميديا” لا تعطينا إلا مواد سريعة الاستهلاك، وخاوية من المعنى، إلا أنها تخلّف شعورا بالرضى، وكأن العالم عاد إلى طبيعته، بسبب البطولات والمشاعر الطيبة العابرة، التي رأيناها في “ريلز”، ثم نسيناها.  

ولكن ماذا عن الأسئلة المهمة، في مجالات السياسة والمجتمع والوقاية من الكوارث وتنمية المناطق الأفقر؟ ربما لم تعد “مهمة”، فقد “لفتت انتباها” تصرفات ذات طابع بسيط الدلالة، على خلفية أغنية “موطني” أو غيرها.

تغييرات هادئة: هزّة الزلزال ورسوخ “الدولة القوية”

رغم هذا فلا بد من العودة لـ”الأسئلة الجديّة”، فقد نجح الخطاب المصاحب للزلزال في إعادة إنتاج مفهوم “الدولة القوية” في المغرب، الذي كان قد تعزز بدايةً، بعد أحداث ما يسمى “الربيع العربي”، والجدالات التي صاحبتها. إذ دافع البعض، بعدما أدت إليه تلك الأحداث من نتائج كارثية في عدد من الدول، عن مبدأ “التغيير الديمقراطي الهادئ” في المغرب، على اعتبار أن وجود دولة قوية أولى من تغيير ديمقراطي شامل، قد تعمّ معه الفوضى في البلاد.

وفي واقعة الزلزال المغرب أكد أصحاب طرح “الدولة القوية” أن تجميع سلطة القرار بيد جهة واحدة، يُمكّنها من اتخاذ قرارات سريعة خلال الأزمات، ويجنّب البلاد حالة التشتت على المستوى التشريعي، الذي قد يرافق أية دولة برلمانية.

هكذا كوّنت دعاوى التخويف من الفوضى؛ والدولة القوية؛ و”ريلز” البطولات، زلزال المغرب بوصفه واقعه سياسية، ولم يكن لهذا أن يحدث لولا تراجع الثقافة السياسية في البلد، ما جعل تمرير مثل تلك الطروحات أمرا ممكنا.

ولكن تعامل “الدولة القوية” مع الأزمة لم يكن مثاليا لدرجة ألا يثير أي شك أو علامة استفهام، فوسط كل رومانسيات الأزمة، شعر كثيرون بأن شيئا ما يتم بشكل خاطئ.

الرومانسية الوطنية: ما المهم فعلا بعد الزلزال؟

ارتبطت رواية زلزال المغرب، بفكرة “الدولة التي لا تنحني أمام الأزمات، ولا تطلب المساعدات إلا في نطاق احتياجاتها”، خاصة بعد رفض السلطات المغربية للمساعدات الفرنسية والجزائرية، نظرا للخلافات الدبلوماسية مع البلدين. كما تصاعد بشدة موضوع السيادة الوطنية، خاصة بعد خطاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الموجّه للمغاربة، والذي اعتبره البعض ”نزعة استعمارية جديدة”. فكيف يوجّه رئيس دولة أجنبية خطابا لشعب في دولة ذات سيادة؟ الأمر الذي أعاد النقاش حول الحضور الفرنسي والفرنكوفونية بالمغرب، وأثار ردود فعل عنيفة، أعادت الاعتبار لـ”الحساسية الثقافية” الموجودة تجاه فرنسا.

من هنا يبرز السؤال التالي: هل ما تثيره الكوارث، وموت مئات من البشر، في الثقافة السياسية المغربية، هو مفاهيم الدولة والسيادة؟ بمعنى أن ما يهم فقط، بعد خراب المنازل، وفناء عدد من القرى، أن تبقى الدولة قويّة وسيّدة؟

يبدو أن الإجابة هي “نعم”، إذ بوسعنا الحديث عن “رومانسية وطنية”، أعقبت الزلزال، وحوّلته إلى مناسبة للفخر الوطني، وتذكّر المشاكل مع “الخصوم التاريخيين”

قد يكون هذا النوع من الخطاب، أمرا مهما بالنسبة لأي دولة بعد كارثة بهذا الحجم، إذ يتذكّر الناس روابطهم الوطنية الأساسية، ولكن احتلاله موقع الصدارة التامة، وارتباطه بنزعة يمكن وصفها بالانعزالية، يساهم في قمع أي جدل، أو بروز وجهات نظر أخرى، فالكل يجب أن يكونوا صفا واحدا، بكل رومانسية، لأجل الوطن، الذي يساوي الدولة القوية.

كان الجدل خافتا جدا عمّا عانته المناطق المتضررة، قبل الكارثة وبعدها؛ وعن تدابير ما بعد الكارثة، التي رغم اتسامها بالفعالية النسبية، إلا أنها أظهرت الغياب التام للهيئات السياسية المنتخبة، لحساب الهيئات المعيّنة؛ فضلا عن “الاسترزاق” من الكارثة على مواقع التواصل الاجتماعي، وغيرها من المظاهر، والتي يبدو أنها مرّت بسرعة، مقابل السرديات والخطابات التي سبق ذكرها، والتي احتلت مساحة أكبر من النقاش.

لكن هل يعني هذا وجوب تحويل لحظة ما بعد الكوارث، إلى ساحة نقاش كبير حول الاختلالات والنواقص، وضرورة تغييب توثيق “البطولات” و”الملاحم”؟ قطعا ليس هذا المقصود، بل المقصود هو أن لا تكون الكارثة أسلوبا قمعيا لإسكات الناس، أو تغييبهم عن الوقائع والأسئلة المهمة.

ربما نحتاج إلى ثقافة سياسية جديدة، أكثر انفتاحا وتنوّعا، تساعدنا على التعاطي مع هذا النوع من الأزمات، فإذا كان وقوع الكارثة أمرا خارجا عن إرادة وسيطرة أي طرف، فإن المجتمعات قادرة على اتخاذ تدابير واضحة للتحسّب لها، والتخفيف الفعّال والسريع لنتائجها. الزلازل والفيضانات وحدها لا تقتل، بل سوء العمران والبنية التحتية وتخطيط التجمّعات السكانية، وضعف الإدارة المحلية. من جهة أخرى فإن الثقافة السياسية الأكثر ديمقراطية عن الكوارث الطبيعية، تتيح إمكانيات النقد، لتحسين تدابير المواجهة، وتلافي الأخطاء التي وقعت، وتحسين أوضاع البشر، كي تقلّ خسائرهم قدر الإمكان، في أية كارثة متوقّعة مستقبلا.
ليس نقّاد الأداء الحالي في مواجهة الكارثة هم من سيّسوا الزلزال، وإنما مًنْ حوّلوه إلى مناسبة لتمرير كل الخطابات والروايات السائدة، بالأساليب الإعلامية التقليدية وغير التقليدية، وربما لذلك فقد آن الأوان لإعادة التفكير بثقافتنا السياسية بأكملها.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
4 4 أصوات
تقييم المقالة
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات