تريند “الزينبية”: لماذا لا تصبح السيدة زينب رمزاً نسوياً ثورياً؟

تريند “الزينبية”: لماذا لا تصبح السيدة زينب رمزاً نسوياً ثورياً؟

تنتشر هذه الأيام، بين المستخدمين العراقيين لمواقع التواصل الاجتماعي، صورة امرأة، منقّبة، وملطّخة بالطين، تسعى في أربعينية الحسين. إنها المرأة “الزينبية” الكاملة والتامة، كما يجب أن تكون، في الخيال الديني السائد.

صارت الصورة “التريند” الأول في العراق: امرأة غامضة، تبدو كبيرة في السن، من طريقة سيرها، تتنقل من محافظة عراقية إلى أخرى مشيا على الأقدام، في درجات حرارة شديدة الارتفاع، لتعزّي بالحسين. كثيرون رأوها، وقاموا بتصوير فيديوهات معها وهي تسير بجانبهم، بل والتقطوا ما يشبه “السلفي” إلى جوارها.

ملايين النساء العراقيات يشاركن في شعائر الزيارة الحسينية، ابتداء من المشي بين الأماكن المقدّسة، مرورا بالطبخ للمعزّين، وصولا إلى تقديم الخدمات المختلفة، في الطرق التي تربط بين كربلاء وبقية المحافظات. وعلى امتداد سنوات، لم يكن هناك أي حديث عن أهمية النساء في استدامة الشعائر،  إلا إذا كن كبيرات في السن، أو طفلات صغيرات. لا أحد يذكر النساء متوسطات العمر، رغم أن دورهن هو الأكبر، إلا إذا ارتكبن “مخالفة”، كأن يكشفن وجوههن، ويخالفن الهيئة “الزينبية” المعيارية. ومن بين كل هاته الملايين، لم تنل أية امرأة عراقية المرئية، إلا “الزينبية” الغامضة.  

يحيلنا فهم الرغبة النمطية في تغييب أوجه الإناث، إلى المعايير المفروضة على النساء لبلوغ ما هو مقدس، والمقدس هنا لا يرد فقط بمعناه العقائدي، بل المجتمعي، الذي يضمن احتفاءً أخلاقيا بالمرأة “المغيّبة”، فكلما كانت المرأة مجهولة أكثر، مغطاة اكثر، كلما بلغت القداسة. وهذا هو بالضبط ما جعل “الزينبية” المجهولة “تريند” العراق الأول، إذ أنها أخفت نفسها، لدرجة أنها باتت لغزا. وهذا، للمفارقة، ما أبرزها بشدة، وكأنه لا حضور للنساء إلا بضمان غيابهن أو تغييبهن. كما لا وجود لهن إلا إذا بلغن القداسة، أو عبّرن عنها.

هكذا تصبح زينب بنت علي بن أبي طالب، رمزا لإخفاء الحضور النسائي في الحيز العام، وجعله مقتصرا على ما هو “مقدس”. كيف اكتسب الرمز التاريخي/الديني هذا السمة السياسية/الجندرية القمعية في الحاضر؟ ولماذا لا يمكن أن تصبح “زينب”، بوصفها علامة ثقافية عراقية، رمزا ثوريا، كما أصبح أخوها الحسين في كثير من الأحيان؟ 

مزيدٌ من الحزن: نساء الجنوب في العزاء الأبدي

تفحّص الصورة، التي تصدّرت “التريند” الشيعي العراقي، تدفعنا لطرح سؤال آخر: لماذا هذه المرأة بالذات، رغم وجود عشرات المنقّبات الأخريات؟

ببساطة، ما يميز تلك المرأة وجود الطين على عباءتها. إنها غير مبالية بمظهرها، وتعيش أكبر قدر من الحزن (لتواسي السيدة زينب). كل ما هو مأساوي محبب لدى الجمهور العراقي، خاصة الشيعي، فالمرأة لا تُعرّف بجنوب العراق إلا بوصفها حزينة، متألمة من فقدان شخص ما، أب أو أخ أو زوج، في حدث عشائري، أو خلال حرب أهلية وطائفية، وغير قادرة على الظهور بمظهر جيد. ففي العزاءات الشخصية، تصرخ المرأة “الصالحة”، تشقّ الثوب، وتدمي الخدود والصدر، وبتلك الطريقة تُعرف بأنها صاحبة العزاء، لأنها أكثر النساء حزنا. وبما أن الطائفة كلها، تعيش اليوم حزنا كبيرا بذكرى استشهاد الحسين، فيجب أن تكون النساء رمزا حيا للأسى والتفجّع،  وهكذا يصلن للمرحلة “الزينبية”، وهي المرحلة التي تحاول كثير من المتدينات الشيعيات بلوغها.

إلا أن هذه المرحلة، لا تعطي للمرأة أية مكانة في مجتمعها، إذ تشغل المرجعية الأبوية الدينية الشيعية الموقع المركزي في العلاقة بين المرأة والرب، وهي من يقرر مكانتها، ويعطيها الأوصاف: مؤمنة أو متدينة أو زينبية. وبهذه الطريقة يظل المعتقَد النسائي الشيعي خاضعا للمعتقد الذكوري، الذي يحتّم على النساء الاختفاء والغياب، كي ينلن شيئا من القبول.  

بين زينب والحسين: كيف سيطر المعمّمون على ذاكرة النساء

لم تستطع النساء العراقيات، ونساء المذهب الشيعي على وجه العموم، تنحية المركزية الذكورية، في علاقتهن مع شخصية تاريخية، مثل زينب بنت علي بن أبي طالب، كما فعل كثير الذكور في علاقتهم مع الحسين بن علي، الذي بات رمزا لمواجهة سلطة الرجال الظالمين، حتى لو كانوا رجال دين.

لو عدنا إلى المرويات، وتحدثنا عن زينب، بوصفها شخصية تاريخية، سنقول إنها أيضا “ثائرة”، بالمعنى نفسه الذي أعطي للحسين في العصر الحديث، فهي قد ساندت أخاها في ثورته، ونقلت أفكاره للآخرين بعد مقتله. إلا أن صورة المرأة الثائرة لا تصبّ في صالح النظام الذكوري القائم، ولا يمكن التسامح معها، كما أمكن التسامح نسبيا مع صورة “الحسين ثائرا”. لذا تقدّم الرواية الدينية السيدة زينب، لا بوصفها امرأة شجاعة، لكن بوصفها امرأة عُرفت في التاريخ بمجهوليتها الصورية، وتصويرها الجسدي المغطى بالكامل، سواء في الرسوم المتداولة، أو في ساحات التمثيل الرمزي، شبه المسرحي، لواقعة الطف، المنتشرة بين الشيعة. لا ملامح معروفة لزينب، كملامح الحسين، أو علي بن أبي طالب. كما استُخدمت صورتها أداة قمعية، تضطهد كل امرأة، لأن معظم النساء غير قادر على الوصول إلى المثّال، المغطى بالكامل، لصورة زينب.

لذا، وبسبب غياب المرويات النسائية عن التاريخ، أصبحت النساء يشاركن، بشكل لا واعٍ، بتثبيت تلك الأفكار، وفي تبنّي المقولات والتصورات التصنيفية، مما يعيد إنتاج أشكال الهيمنة الذكورية على الأساطير والمرويات والذاكرة الجمعية. وبتلك الطريقة امتلك الرجال أنظمة النساء الخيالية، ونظامهن المعرفي.

ولكن ماذا عن الثائرات والمنتفضات العراقيات، هل سعين إلى “تحرير” الرمز من قبضة رجال الدين، كما فعل رفاقهن الذكور مع الحسين؟

“بنات الخيم”: لماذا لم نر زينب في ساحات “تشرين”؟

 حينما كانت صور الحسين تُرفع في الساحات، أثناء انتفاضة تشرين العراقية عام 2019، وتم إضفاء بعض السمات المشتركة، بين ميادين الانتفاضة وملحمة الطف، لم تجرؤ امرأة واحدة على أن ذكر اسم السيدة زينب، ليس لأنها شخصية دينية، بل لأن المقارنة الشكلية بين نساء الانتفاضة، وبين الصورة المُغطاة لزينب، لن تكون لمصلحتهن أبدا، فمهما فعلن، سيكن سافرات أكثر من أن يُعتبرن “زينبيات”. 

أما على صعيد اللغة، فيمكننا ملاحظة اختلاف دلالة المفردات، عندما تتعلق بالنساء المشاركات في العمل السياسي والاحتجاجي، فكلمة “الخيمة” في المخيلة الشيعية مرتبطة بالسيدة زينب، كون خيمتها حرقت ودمّرت بعد الطف، وأصبحت رمزا للظلم وانتهاك الحقوق؛ فيما مفردة “الخيمة”، في ما يتعلّق بالمنتفضات في “تشرين”، ذات دلالة مرتبطة بالعار، إذ اتهمن بممارسة الجنس في خيم الاعتصام، وأطلق عليهن اللقب التحقيري: “بنات الخيم”.  

 يمكن القول هنا إن “انتفاضة تشرين”، التي كانت غالبية المشاركين بها من الشيعة، بل ومن مؤمني ومتديّني هذا المذهب، لم تستطع إنتاج ظهير رمزي للمشاركات بها، وتركتهن يواجهن وحيدات العنف الرمزي، الموجّه ضدهن من قوى مختلفة: السلطة؛ ومعارضتها المكرّسة؛ بل حتى بعض الزملاء والرفاق الذكور في الميادين.

من ناحية أخرى، يصعب أن نرصد فكرا نسويا، من داخل إطار المذهب الشيعي، يقدّم صورة أخرى لتواجد النساء في ساحات مواجهة الظلم، و”الثورات الحسينية”، تخالف تصوّر المرجعيات الملتحية والمعمّمة. 

 لذا يمكن التأكيد أن الأساليب المتبعة في خلق صورة المرأة الشيعية (الأقل دائما من مثال زينب) قد نجحت، إلى حد كبير، في إقصاء النساء، واضطهادهن، حتى في أكثر ميادين البلاد “تقدمية” وثورية، وهذا كان عاملا أساسيا في قدرة النظام السياسي على الصمود، وتفريغ الانتفاضة من مضامينها، وشحنتها التغييرية. كيف ستنجح ثورة اجتماعية في العراق، ونساؤه محتجبات ومقصيات؟

تحجيب الحيز العام: التكرار اللانهائي لسبي زينب

تخرج النساء العراقيات بأعداد هائلة، في العشر الأوائل من محرم والزيارة الأربعينية، ويخترقن الحيز العام، ويشغلنه، ويعملن على إعادة تشكيله، ولهذا فإن وجودهن يشكل خطرا على السلطات الذكورية، التي تعمل على إخماد تأثيره منذ البدء، فتقوم بـ”تغطية” التواجد النسائي في الحيز العام، من خلال ممارسة العنف الرمزي، وإخفاء تواجد النساء تحت الطين والسواد.

تماهى كثير من النساء مع هذا الوضع، من أجل الحرية البسيطة، التي تعطى لهن في فترة الطقوس الحسينية، وحاولن عدم التصادم مع النظام الذكوري، وبذلك أصبحت هذه الفترة متنفسا حقيقيا لكثير من الفتيات، المضطهدات يوميا في مجتمعاتهن وعشائرهن، والممنوعات من الحركة واستنشاق الهواء، فيتحضّرن للمناسبة بناشط، ويحاولن فيها ممارسة أبسط حقوقهن، مثل اللقاءات الاعتيادية مع بعضهن، والتحدّث.

لكل هذه العوامل يصعب التفكير بتحويل المناسبة لبؤرة لانتفاضة النساء، أو جعل “زينب” رمزا ثوريا، فهي لا تشكّل، لمعظم المشاركات فيها، إلا طريقة لتحقيق أحلام بسيطة، مثل القدرة على زيارة صديقة، أو المشي في الليل، تحت رقابة وإشراف شامل من منظمي الحدث الذكور.

يمكننا القول إنه مثلما استطاع الإسلام السياسي إفراغ واقعة الطف من دلالتها الثورية، وانتزاع “الحسين” من المنتفضين، تقوم تريندات مثل  “الزينبية” بإنهاء أي أمل للنساء، في استغلال حضورهن المشروط والمناسباتي في الحيز العام، للمطالبة بالحد الأدنى من حقوقهن. فلكي تستحقي الوجود في الشارع، يجب أن لا توجدي، وأن تقبلي ترميزك في إطار جسدي حزين ومجهول، وأن تقبلي اللوم، بل حتى التعنيف والاغتيال المعنوي، إن بدا جانب من وجهك، أو أفلتت حركة من جسدك، أو حاولتِ تنظيف بعض الطين، الذي يغطّي ملابسك السوداء.

هل نستطيع يوما استعادة “زينب”، بوصفها رمزا للمرأة الشجاعة، التي لا تقبل الظلم والذل؟ مآسي العراق كثيرة، ويبدو أن “سبي زينب” سيستمر طويلا، من قبل كهنتها ومدّعي الدفاع عنها أنفسهم، ولكن لا يوجد خيار إلا المحاولة.  

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
3.8 25 أصوات
تقييم المقالة
4 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات
مرتضى
8 شهور

مقال اكثر من رائع وتحليل دقيق وذكي ومنطقي ..

علي الربيعي
8 شهور

مقال عظيم ورائع ويسلط الضوء على دور المرأة الزينبية ومحاولة تغييب وجودها من المنظومة الدينية، على عكس ادعاءاتهم التي يصورونها في الدفاع عن زينب بنت علي وتخليد وجودها وثوريتها.

Muslim Alshoky
8 شهور

مبدعة استاذة انامي

علي الاسدي
8 شهور

باختصار شديد جدا …
الامام الحسين ع وضعَ نيّف و سبعين من الرجال في جهة لحربه . بينما أمراة واحدة ( زينب ) في الجهة الاخرى من الحرب . و كلتا الجهتين لا تقل قوة و خطرا عليه ..!

هناك من جاور عليا ع مدة مديدة في الكوفة و لم يسمع لزينب ابنته صوتا و لم يرى لها شخصا .. و زينب ذاتها حين تطلّب الموقف وقفت بطف كربلاء أمام الآلاف تؤدي و تكمل نهج رسالة أخيها و إمامها الخالدة …

فالدينُ بناء لا كبتٌ و لا اهواء …

اما فيما يخص تشرين … فلا تكونوا معول هدم لها من حيث تظنون انكم تبنون …

في كل رقعة من الارض لكل عائلة و بيئة و مجتمع … طقوسها و اعرافهم و عقائدهم و لا احد يمسها او يُشير لها بشيء … الا في العراق فهي تُعنون و تؤطر بمفردات التخلف و التجهيل و التغيّب و الكبت و التهميش و الاقصاء … !

لستُ ادري هل نحن سوية المجتمعات ام التريند اخذ مأخذهُ منا فعلا … ؟!

عذرا للاطالة …
و لكم منا التقدير الاحترام .