عرضت منصة Apple TV+ أولى حلقات مسلسل Silo في أيار/مايو 2023، وهو مسلسل ديستوبي مقتبس من سلسلة روايات خيال علمي بالاسم نفسه، للكاتب هيو هاوي، تتحدث عن مجتمع صغير، مكوّن من بضعة ألاف من البشر، يعيشون في صومعة تحت الأرض، مُغلقة بإحكام، كي تحمي سُكانها من العالم الخارجي، وتخضع لنظام صارم من القوانين والأنظمة الرقابية والحمائية، وتقسيم العمل، بهدف استمرار الحياة في الصومعة، وإمكانية تلبية أغلب الاحتياجات البشرية، في مساحة ضيقة جدا.

اختيار منصة Apple لاقتباس تلك السلسلة من الروايات لا يأتي اعتباطا، وإنما متوافقا مع وضع عالمي مُضطرب، فبعد أزمة وباء كورونا، وما رافقها من مشاكل اقتصادية، وعزلة اجتماعية، ونظريات مؤامرة، اندلعت الحرب الروسية الأوكرانية، التي لم تضع أوزارها بعد، بل مُرشّحة للتصاعد في أية لحظة، خاصة مع تهديدات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين باستخدام أسلحة نووية تكتيكية في ميدان المعركة. ومن ناحية أخرى نعايش حالة من الفوضى الإعلامية في تغطية الأحداث، وتحيّزات أيديولوجية متواصلة، ما يمنعنا من تكوين تصوّر واضح عن حقيقة ما يحدث. يبدو العالم مهددا بالنهاية، وسط حالة من عدم الوضوح الشامل، وفقدان الثقة بروايات السلطات، وكذلك بكل مشاريع التغيير الاجتماعي والسياسي.

تأتي المُعالجة الدرامية للرواية متوافقة مع الشعور العام بالتهديد والقلق: ما حقيقة عالمنا فعلا؟ وهل يمكننا التوصّل إلى رواية أكثر مصداقية، تتجاوز السيل المشوّش من المعلومات والأخبار والأفكار، الذي يحيط بنا من كل جانب؟ وهل محاولات تحدّي السلطة مجدية أصلا؟ وهذا بالضبط ما يحاول مسلسل Silo الحديث عنه. يمكن التساؤل هنا: لماذا اختار المسلسل نموذج الصومعة المغلقة للحديث عن عالمنا؟ وهل أعطانا أملا بعالم “حقيقي” خارج الصومعة؟  

العودة لكهف أفلاطون: هل ستُنهي شمس “الحقيقة” أكاذيب السلطة؟

“تخيّل عددا من الرجال يعيشون تحت الأرض، ويسكنون ما يُشبه الكهف، الذي يُفتح مدخله تجاه ضوء الشمس. الطريق الي قاع الكهف بعيدة جدا، وهي مُتسعة باتساع الكهف نفسه. يجلس هؤلاء الرجال مُقيدين من أرجلهم وأعناقهم، وهم على هذا الوضع منذ نعومة أظافرهم، في وضعية تمنعهم من الحركة، وتُمكنهم فقط أن يروا أمامهم، دون أن يتمكّنوا من تحريك رؤوسهم يمينا ويسارا”.

بتلك الكلمات يفتتح أفلاطون الكتاب السابع في محاورة “الجمهورية”، على لسان سقراط، الذي يناقش خصمه جالوكن، في محاولة لتحديد صفات الحاكم المثالي، والتزامه السياسي تجاه الشعب، فالشعب هنا هو أولئك المساجين المُقيدين في أسفل الكهف، والذين لا يعرفون عن العالم إلا صوره المُنعكسة أمامهم على جدران الكهف، لكن تلك الصور ما هي إلا خيالات لأجسام مادية متحرّكة أمام شعلة نار، لأشخاص في طبقة أخرى داخل الكهف، يشاهدها سكان الكهف المقيدون، الذين لا يدركون أن ما يرونه ظلال الحقيقة، وليس الحقيقة نفسها.

تُعتبر هذه المعضلة، الشهيرة باسم “كهف أفلاطون”، من أشهر المُفارقات الفلسفية، عند التفكير في الحقيقة ضمن مبحث الأبستمولوجيا في الفلسفة، ما أهّلها للاقتباس مرارا وتكرارا في الأعمال الأدبية، ومن أشهرها روايتا “العمى” و”الكهف” للأديب البرتغالي جوزيه سارماغو؛ بل حتى في الأعمال الفنية والتليفزيونية التجارية، بدايةً من مسلسل Lost وحتى Silo.

في المسلسل الأخير نحن أمام تيمة الكهف بشكل كامل، ففي صومعة، تقع في حفرة تحت الأرض، تعيش جماعة من البشر، لا تعرف لماذا هي هنا، ولا من الذي صنع الصومعة، أو ما الذي يوجد في الخارج، ولماذا حياتها على هذه الشاكلة، لكن هنالك رواية سائدة بأن المؤسسين الأوائل للصومعة صنعوها لحماية البشر من العالم الخارجي، الذي ربما يستطيعون الخروج إليه في المستقبل. تلك الرواية الرسمية مُقنّنة بميثاق، وتدعمها أدلة مادية من ناحية أخرى، ففي كل قسم وطبقة داخل الصومعة، حيث تُمارس وظائف بعينها (الميكانيك، التكنولوجيا، الزراعة، صناعة الطعام)، توجد شاشة كبيرة، تنقل، عن طريق كاميرا مُثبّتة في الخارج، صورة مشوّشة عن الطبيعة الجدباء العقيمة للعالم الخارجي، وذلك لأن عدسة الكاميرا تتلطخ دائما بكثير من الاوساخ والغبار الموجود في البيئة الخارجية. وهكذا فإن الصورة، التي يعرفها سُكان الصومعة عن العالم، تؤكد أنه مدمّر تماما، وقامت قيامته حرفيا، والخروج من الصومعة يُشكّل خطرا بالغا على الحياة.

“فلنفترض أن واحدا من المساجين قد أُطلق سراحه، فتلفّت يمينه ويساره، ثم تحرّك في اتجاه شُعلة النار. حينها سيقع في حيرة من أمره في البداية، لكنه سوف يعتبر أن الظلال، التي شاهدها سابقا، أكثر حقيقةً من الأجسام المادية الماثلة أمامه. لكن ماذا لو تم سحبه بقوة على طول المنحدر خارج الكهف، وتعريضه لضوء الشمس؟ في البداية سيشعر بالاضطراب، لكنه فيما بعد سيعتاد إدراك الأشياء والموضوعات في العالم الخارجي، وفي النهاية سينظر ويتأمل الشمس نفسها، ليعتبر أنها هي المُنظم للمواسم والسنوات، وهي الضامن لرؤية كل الأشياء في العالم المرئي، وبشكلٍ ما هي سبب رؤيته، هو ورفاقه المساجين، لكل الأشياء التي اعتادوا رؤيتها في السابق”. يقول أفلاطون.

سيعرف الانسان إذن كيف كانت تُصنع الصور والتخيّلات في عالمه السابق، بمجرد صعوده من قاع الكهف، وصولا لشعلة النار في الطبقة الثانية منه، ثم الخروج نهائيا لاستكشاف نور الشمس، وعناصر العالم العلوي الحقيقية. أفلاطون يفهم الحقيقة على أنها أصول مُجرّدة وموجودة في عالم المُثل، وهو عالم مفاهيمي خارج عالمنا المادي، ومن تلك المفاهيم، تُستنسخ الصور الأرضية، وهي انعكاسات غير دقيقة، وغير كاملة الاحجام والمقاييس.

الحقيقة المفاهيمية المُجردة، التي يمكن الوصول إليها عبر كثير من التأمُل والتفكير، ستنتقل من فلسفة أفلاطون، عبر “الأفلاطونية الجديدة”، وفيلسوفها الأبرز أفلوطين، إلى المسيحية، لتحكم التفكير البشري ما يزيد عن ألف وخمسمئة عام، حتى بدايات التأسيس العقلي الحديث، ومن ثم نشوء الأنطولوجيا المادية مع سبينوزا، وميلاد التنوير الراديكالي، بفضل أتباعه وتلاميذه الفرنسيين والألمان، الأمر الذي سوف يمتد إلى كارل ماركس، الذي يعتبر الناقد الأهم لمفهوم “الحقيقة” الأفلاطونية تلك، المستقرة في عالم المُثل.

في المسلسل يوجد من يريدون الخروج من الصومعة، على طريقة أفلاطون، كي بروا “الشمس”، ويكتشفوا “الحقيقة” في الخارج، إلا أن الأمر أعقد بكثير من مجرد “ظلال” كاذبة، تفرضها علينا السلطة، فربما إذا خرجنا من الكهف أو الصومعة، لن نصل إلى التحرر العقلي والروحي بكل بساطة.

إشكالية الثورة: الصراع على الصورة والمثال

تحدّى عدد من سكان الصومعة، في زمن سابق لنقطة بدء أحداث المسلسل، الرواية الرسمية لسلطاتها، وميثاقها العام، فاندلعت ثورة، كادت تودي بحياة جميع سكان الصومعة، كما تقول الروايات التاريخية السائدة فيها، ونتج عن تلك الثورة الفاشلة، توحّش الأجهزة الأمنية، وتدميرها كل الأدلة، التي تركها الثوار حول العالم الخارجي وصورته. إلا أن تلك الثورة لم تذهب هباء، فقد قررت السلطة السماح لكل من يريد بالخروج من الصومعة، ولكن بشرط أن يفعل ذلك منفردا،  وتترك له الخيار بأن يقوم بتنظيف الكاميرا الخارجية، ومسحها مما علق عليها من أوساخ، “الجميع يُنظف في النهاية”، كما اعتاد سكان الصومعة أن يرددوا!

تبنّت الأنظمة الأمنية والرمزية، المُشغِّلة للصومعة، مفهوم أفلاطون عن الحقيقة، بعد الثورة، فإذا كانت الصور داخل الصومعة غير مثالية، ومشوّشة، نظرا لقذارة عدسة الكاميرا، التي تتلصص على العالم الخارجي، فبإمكان الفرد أن يخرج للعالم، ويُنظف العدسة، من أجل أن يرى سكان الداخل الحقيقة، ويتحرروا من الأوهام والخيالات، وهو ما حاولت فعله الشخصيات المحورية في المسلسل، وانتهى بها الأمر للسقوط والموت، على مرأى من سكان الصومعة، المُتابعين للحدث.

الصراع على الصور وتفسيرها يُشكّل مبحثا فلسفيا، كما يخبرنا المفكر الأميركي وليلم ميتشل، في كتابه “الأيقونولوجيا: الصورة والنص والأيديولوجيا”، فالصورة، بالنسبة لميتشل، كانت دائما أشبه بنص، امتلكت السُلطة مفاتيح تأويله، وخاضت لأجله صراعاتٍ مريرة، منذ الصراع بين الكنائس على قبول الأيقونات أو تحطيمها، مرورا بمجمّع نيقية المسيحي الثاني (787م)، وصولا لتحطيم صور وتماثيل ستالين، بعد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي. وفي المسلسل نجد أنفسنا مرة أخرى أمام صراع على الصور، فالبطلة جولييت نيكولز، تتحصّل على كراسة صور فوتوغرافية للعالم الخارجي، قبل أن تدمره الكارثة، وهي صور لشاطئ رملي لأحد المحيطات؛ وفي الوقت نفسه تطارد بقايا أثرية لفيديو عن العالم الخارجي، يظهره أشبه بجنة عدن، مليء بالحدائق الغنّاء وأسراب الطيور. هنا نجد أنفسنا داخل صراع على تأويل الصورة الرسمية لكاميرا الصومعة، المعروضة على الشاشات العامة، ما معنى الدمار في العالم الخارجي؟ وكيف وصلنا إلى هنا؟

في كتابه “الأيديولوجيا الألمانية” يقول كارل ماركس: “إذا كان البشر وعلاقاتهم، يظهرون في كل أيديولوجيا مقلوبين على رأسهم، كما في نيغاتيف الكاميرا، فإن هذه الظاهرة تنشأ من سياق حياتهم التاريخية، مثلما ينشأ انقلاب الأشياء في شبكية العين، من سياق حياتهم المادية”، يُريد ماركس هنا أن يُحذّر من الوعي الزائف (الأيديولوجيا)، وهو الصورة المقلوبة وغير الحقيقية للواقع المادي الملموس، وعلاقاته التي تؤثر على حياتنا، فبالنسبة لماركس ليست الحقيقة المفاهيمية ومُعضلة الكهف إلا مجرّد تنويعات من الأوهام نفسها، وهو يريد الانتقال منها إلى تحليل علاقات الإنتاج، التي تقف وراءها، أي أن الظلال، التي يراها سُكان كهف أفلاطون، ماهي إلا أيديولوجيا، تضلّلهم طوال الوقت، أما المُثل في العالم العلوي الأفلاطوني “الحقيقي”، فهي ليست أكثر من فيتش (صنم)، تنتفع به الطبقة الأعلى في الكهف.

هذا ما أدركته البطلة، فالحقيقة ليست في “الخارج” بالضرورة، ولكنها مُنتج لسُلطة المراقبة والعقاب داخل الصومعة. فقررت أن تستهدف الصورة الرسمية، محاولةً إذاعة الصورة التي يؤمن بها المتمردون على الملأ، وفضح جهاز السُلطة، الذي يتجسس على الجميع، ويتحكم في نظرتهم للعالم الخارجي. هل نجحت في سعيها؟

الواقع الفائق: ماذا يجد الأبطال خلف الصور المُضلّلة؟

يلعب المسلسل، على امتداد حلقاته العشر، على فرضية الحقيقة والتلاعب بها أيديولوجيا، ومحاولة الكشف عنها وتنوير البشر، لكننا في نهايته لا نمتلك عن الحقيقة إلا مجرّد صور وتمثيلات، يتم التنازع عليها، بين السلطة ومعارضيها، والصورة الأهم هنا هي الصورة المعروضة على شاشة إلكترونية، والخيالات المبنية عنها، والتي تمنعنا من الحضور، وتلّمس ظاهريات الواقع وخبرته. تخرج البطلة إلى “العالم الحقيقي”، لكن الصور تختلط عليها، ترى عالما مدمرا، ولكنه قد يحوي كل الاحتمالات، أي رواية السلطة والمعارضة في الوقت نفسه. وأكثر من هذا، تكتشف أن Silo ليست الوحيدة، بل هنالك اكثر من صومعة في “الواقع”، ولكل صومعة رواياتها وصراعتها، هنا ينهار الواقع وصورته سويةً، فتختفي الحقيقة، وتصبح مجرد بناء اجتماعي social construction، أي نتاجا لثقافة ولغة وأنماط حياة وإنتاج سائدة في صومعة من الصوامع.  

وكأن المسلسل يريد القول إن الصور التي نمتلكها، وتؤثّر في خيالنا وأفكارنا، لا يسندها أي واقع أصلي، إنها محاكاة “سيميولاكر”، كما يخبرنا الفيلسوف الفرنسي جاك بودريار، في كتابه “المصطنع والاصطناع”، بالقول: “ليس السيميولاكر هو ما يخفي الواقعي، وانما “الواقعي” هو ما يخفي أنه ليس هناك أي واقع، السيميولاكر هي الواقع”. بتلك الكلمات يشير بودريار بأن الواقع، الذي نملكه اليوم، مجرّد صورة عن نفسه، بلا أي أصل، هنا تضيع الحقيقة، ولا يتبقى إلا ما هو “واقع فائق” hyperreality، وهي شبيه بـ”الواقع” الذي نعرفه من تطبيقات السوشال ميديا والصحف الالكترونية وبرامج اللايف شو؛ وكذلك شبيه بالصورة المُشوّهة، التي رأتها نيكولز، بطلة المسلسل، من خوذتها الفضائية، التي ارتدتها خارج الصومعة، كي تقي نفسها من احتمال الغازات السامة في الواقع.

 الحقيقة كانت مجرد حلم، كما هي فرص وصولنا إليها الآن، في الأوضاع المُضطربة التي نعيشها، وربما كانت هذه الصورة المشوشة لـ”الحقيقة” هي ما يضمن استمرار بقاء العالم، كما نعرفه، عند وضعه الحالي، فلا تقدّم للأمام ولا تراجع للخلف، وسط فقدان الأمل والثقة بكل شيء. لا يحاول المسلسل أن يكون “ثوريا”، أو أن “ينوّرنا” بالحقيقة الاجتماعية أو المتيافيزيقية، هو فقط يصف حيرتنا في هذا العالم بأسلوب فني، وقد نجح بمهمته تماما.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
3.4 11 أصوات
تقييم المقالة
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات